تقارب رؤى باريس والجزائر يبدد رهانات أردوغان في ليبيا

الرئيس الجزائري ينضم إلى المشككين في شرعية "حكومة الوفاق".
الاثنين 2020/07/06
توجهات متناغمة في ليبيا

أنهت الجزائر ترددها حيال الأزمة الليبية من خلال توجيه رئيسها عبدالمجيد تبون رسائل واضحة إلى تركيا ترفض انخراطها في الأزمة ليترجم بذلك التقارب الفرنسي الجزائري بشأن ليبيا حيث تسرّع باريس من وتيرة تحركاتها لوقف "لعبة أنقرة الخطيرة هناك" والتي تتمثل في إغراق البلاد بالمرتزقة السوريين وغيرهم ما يغذي الصراع.

الجزائر - وجه الرئيس الجزائري، عبدالمجيد تبون، مساء السبت رسائل واضحة إلى تركيا مفادها أن بلاده لا تنظر بعين الرضا بل وترفض أصلا التدخل السافر لأنقرة في الشأن الليبي حيث تدعم تركيا "حكومة الوفاق"، واجهة الإسلاميين، بالمرتزقة السوريين وعناصر من جيشها.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة من الرئيس تبون تعكس حدوث تقارب كبير بين فرنسا والجزائر رغم محاولات التشويش التركية عليه حيث استخدمت أنقرة ورقة الاستعمار الفرنسي السابق للجزائر لمنع أي انسجام في المواقف مع باريس بشأن الأزمة الليبية.

وخلال حوار له مع قناة فرانس 24، لم يتردد الرئيس الجزائري في التأكيد على أن «حكومة الوفاق»، التي يرأسها فايز السراج وتدعمها أنقرة، لم تعد تمثل الشعب الليبي، مشيرا إلى أن “الأحداث قد تجاوزتها” ملمحا بذلك إلى إمكانية إسهام بلاده في سحب الاعتراف الدولي بهذه الحكومة.

وسبق أن شكك الرئيس التونسي قيس سعيد في شرعية حكومة الوفاق عندما وصفها بـ«المؤقتة» داعيا لإجراء انتخابات تجدد الشرعية في البلاد، عقب أيام من تذكير وزير الخارجية المصري سامح شكري بانتهاء صلاحية حكومة الوفاق التي تتواترت الأنباء بشأن عزم فرنسا تقديم مقترح قرار في مجلس الأمن لسحب الشرعية الدولية منها.

وتأتي هذه التصريحات بعد أن حشد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، مؤخرا المواقف العربية والدولية لوضع حد للانتهاكات التركية في ليبيا مشددا مرارا على أن تدخلات أنقرة السافرة باتت تهدد الأمن القومي لكل من الجزائر ومصر وتونس.

وحاولت أنقرة التشويش على التقارب الفرنسي الجزائري من ناحية والفرنسي التونسي من ناحية أخرى من خلال استحضار الماضي الاستعماري لباريس في هذين البلدين دافعة نحو ضرورة اعتذار فرنسا ودراسة كل الملفات المتعلقة بالحقبة الاستعمارية.

 لكن ماكرون تمكن من فك شيفرة هذه الرسائل التركية مبكرا ليقوم في خطوة أولى بتسليم رفات 24 مقاوما جزائريا قاتلوا ضد استعمار بلادهم حيث دُفنوا في بادرة جردت أنقرة من ورقة الإرث الاستعماري الفرنسي في دول جوار ليبيا التي استثمرتها كثيرا لتسميم علاقات الجزائر وفرنسا.

وساعدت هذه الخطوة على تلاشي الخلافات بين فرنسا والجزائر.

وكانت هذه المتغيرات التي طرأت على العلاقات الجزائرية الفرنسية بادية في حديث تبون الذي اعتبر أنّ ماكرون “رجل نزيه جداً ويسعى إلى تهدئة الوضع والسماح لعلاقتنا بأن تعود إلى مستواها الطبيعي”، واصفاً إيّاه بأنّه رجل “صادق للغاية” و”نظيف جداً من وجهة النظر التاريخية”.

تبون حذر من تحويل ليبيا إلى صومال جديدة، في إشارة إلى جلب أنقرة المزيد من المرتزقة

وقبل هذه الخطوة، اتسم الموقف الجزائري من الأزمة الليبية بالضبابية حيث اكتفى فقط بالدعوة إلى العودة إلى المسار السياسي دون الخوض في تحشيد أنقرة للمرتزقة السوريين وغيرهم للقتال في صفوف ميليشيات "حكومة الوفاق" الإسلامية في مواجهة الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.

والسبت، خرج الرئيس الجزائري ليوجه إنذارات إلى تركيا من تحويل ليبيا إلى صومال جديدة أو سوريا، في إشارة إلى جلب أنقرة المزيد من المرتزقة ما يعمق الانقسامات ويمدد حالة الفوضى.

وقال تبون “الأمور في ليبيا قد تنزلق إلى ما يتجاوز النموذج السوري وتناقشت مع ماكرون في الأمر وقلت في برلين إن لم نعد إلى القاعدة الليبية لإعادة بناء الدولة على أسس الشرعية الشعبية، وما نراه اليوم في ليبيا هو النموذج السوري”.

ولوح تبون بورقة كان قد هدد بها نظيره المصري عبدالفتاح السيسي الذي يتمتع بعلاقات جيدة مع ماكرون وهي ورقة القبائل الليبية حيث أوضح “القبائل تحلت بالحكمة عكس ما يعتقد الكثيرون، لكن إن طفح الكيل فإن القبائل الليبية ستدافع عن نفسها وهو ما ينذر بأن تتنقل الأوضاع إلى النموذج الصومالي”.

وبالرغم من أنه لم يسم أي طرف إلا أن الرئيس الجزائري أشار إلى انزعاج بلاده من تنامي الدور التركي في ليبيا حيث أصبحت أنقرة تقيم منظومات دفاع متطورة في المناطق الخاضعة لسيطرة «حكومة الوفاق» وتواصل حشد المرتزقة متجاهلة الإنذارات الدولية ومخرجات مؤتمر برلين.

وفي هذا الصدد، حذر تبون من أن ترسل أطراف منخرطة في الصراع الليبي إرهابيين للقتال في ليبيا، في إشارة واضحة إلى تركيا التي تتهمها الكثير من القوى على غرار فرنسا بتمويل الجماعات الإرهابية.

وبالفعل حاول ماكرون خلال الآونة الأخيرة توحيد كل المواقف الأوروبية والعربية من أجل وقف النزاع في ليبيا ومنع تمدد تركيا في ظل تجهيز الأخيرة للهجوم على قوات الجيش الوطني المتمركزة في مدينة سرت الإستراتيجية ما يفتح الباب لأنقرة للسيطرة على منطقة الهلال النفطي الغنية، وهو أمر ترفضه بشدة مصر والولايات المتحدة وفرنسا.

 وقام الرئيس الفرنسي بإقناع تونس بضرورة الدعوة إلى إرساء شرعية جديدة في ليبيا، وهو ما كشف عنه رئيسها سعيد على هامش زيارته الشهر الماضي إلى باريس.

وبعد ذلك كانت الجزائر بوصلة ماكرون نظرا لوزنها الإقليمي وارتباك موقفها من الأزمة الليبية ليتوج بذلك مسارا بدأه من فرنسا باتصالات متواترة مع تبون.

وكانت تركيا قد استبقت التحرك الفرنسي نحو الجزائر بمحاولة استقطابها لتبرير تدخلها لصالح حكومة السراج التي كانت على مشارف الانهيار قبل أن تشرع أنقرة في حشد الدعم بالمرتزقة والجنود وغيرهما لمساندتها.

وتواترت الزيارات التركية إلى الجزائر من أجل ضمها إلى المحور القطري – التركي في ليبيا.

ولكن تبقى أبرز زيارة تلك التي قام بها الرئيس رجب طيب أردوغان والتي كشفت عن أطماع تركيا ومحاولتها تسميم العلاقات الجزائرية الفرنسية.

وفي يناير استنكرت الجزائر تصريحات لأردوغان لدى عودته من زيارة دعاه إليها تبون بشأن الذاكرة الوطنية للبلاد.

وقالت آنذاك وزارة الخارجية “بداعي التوضيح، تشدد الجزائر على أن المسائل المتعلقة بالذاكرة الوطنية التي لها قدسية خاصة عند الشعب الجزائري، هي مسائل جد حساسة، لا تساهم مثل هذه التصريحات في الجهود التي تبذلها الجزائر وفرنسا لحلها” في إشارة إلى أن أردوغان حرف تصريحات بخصوص ذلك.

4