تقارب لا يحجب الخلافات.. هل تصمد جبهة ماكرون وميركل في وجه ترامب

ماكرون وميركل يشكلان جبهة موحدة للحد من استفزازات الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
السبت 2018/11/17
حارسا الاتحاد الأوروبي

باريس - مثلت احتفالات مئوية نهاية الحرب العالمية الأولى في 11 نوفمبر الجاري بباريس، فرصة سانحة لثبوت التقارب الكبير بين الرئيس الفرنسي إيمانيول ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في مشهد يوحي بأن الطرفين يؤسسان جبهة أوروبـية قوية موحدة لبسط هيبة الاتحاد الأوروبي.

ولم تكن الصور المتداولة من وكالات الأنباء بمناسبة احتفالات مئوية الحرب العالمية الأولى -والتي أظهرت العلاقة الوثيقة بين قائدي البلدين الأوروبيين- وحدها مترجمة لهذا التقارب، بل أوضحته أيضا الاتفاقات بين البلدين في العديد من الملفات الدولية أو الأوروبية.

وتمثلت أولى حلقات التقارب بين زعيمي فرنسا وألمانيا منذ أول اللقاءات التي جمعتهما عقب فوز ماكرون بالرئاسة الفرنسية  حيث أكدت ميركل عقب لقاء الرئيس الفرنسي في مايو 2017 أنهما اتفقا على إعادة صياغة تاريخية لأوروبا عبر مواجهة تنامي النزعة الشعبوية ومخاطر التفكك.

كما اتفقا أيضا على وضع خارطة طريق متوسطة الأجل بشأن كيفية تعميق تكامل الاتحاد الأوروبي وجعله أكثر صمودا أمام الأزمات.

ويعتبر مراقبون أن ماكرون وميركل اللذين سيلتقيان الأحد في برلين يظهران في شكل جبهة موحدة للحد من استفزازات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي لا يكف عن التصريحات المثيرة للجدل تجاه قادة أوروبا.

ويشدد بعض الملاحظين أيضا على أن رسالة ماكرون وميركل كانت واضحة خلال الاحتفالات بنهاية الحرب العالمية الأولى حيث أكد كلّ منهما على رسالة سلام في وجه “الشياطين القديمة” التي تعود مع النزعات القومية، وذلك قبل إقامة مراسم جديدة الأحد في برلين.

وكان المستهدف الأول بهذه الانتقادات الرئيس الأميركي الذي رد بسلسلة من التغريدات الغاضبة ضد الرئيس الفرنسي وخططه لإقامة جيش أوروبي، فسخر من شعبيته المتراجعة مشيرا إلى أن فرنسا لولا تدخل القوات الأميركية عام 1944 لكانت تتكلم اليوم الألمانية.

وفي هذه الأثناء دعمت المستشارة الألمانية في البرلمان الأوروبي تصور ماكرون لإنشاء “جيش أوروبي حقيقي”، في ما بدا بمثابة هجوم لاذع على ترامب.

ولفتت اختصاصية ألمانيا المعاصرة بجامعة السوربون في باريس هيلين ميار دولاكروا إلى أن ماكرون وميركل يبديان “عزما على التحدث بصوت واحد”.

وتابعت “لديهما مصلحة موضوعية في مساندة أحدهما الآخر. فالرئيس ماكرون لا يمكنه وحده تعبئة الأوروبيين، والمستشارة التي ضعف موقعها سياسيا لا يسعها أيضا القيام بأي شيء وحدها”. وتضاعف التقارب، بعد خلافات عديدة حول مواضيع أساسية مثل فرض ضرائب على عمالقة الإنترنت وإصلاح منطقة اليورو.

وبعدما عُرفت ميركل بـ”أقوى امرأة في العالم”، تخلت عن تصدر المشهد عام  2017 لماكرون الذي تم الاحتفاء به عند فوزه بالرئاسة باعتباره رجل أوروبا القوي الجديد. لكن طموحات الرئيس الفرنسي إلى إعادة إطلاق أوروبا سرعان ما اصطدمت بمقاومة شديدة داخل الاتحاد الأوروبي وبالمشكلات التي حاصرت المستشارة حتى داخل حزبها. وفيما ضعف موقع ماكرون نفسه بفعل احتجاجات متزايدة في فرنسا، بات يجهد نفسه لإيجاد الدفع المناسب للانتخابات الأوروبية المقبلة في مايو.

أما في برلين، فتبدو سلطة ميركل قد ضعفت بشكل لا يمكن إصلاحه.حيث أعلنت في أكتوبر أنها لن تترشح لولاية جديدة، مما أدى بالكثير من الملاحظين إلى التساؤل إن كانت ستصمد حتى نهاية ولايتها عام 2021.

وقال رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق دومينيك دو فيلبان إن “ميركل تسدي خدمة كبرى لماكرون وتشير له إلى الطريق” وسط اتحاد أوروبي مزعزع بفعل عداء متزايد للمشروع الأوروبي. وأعلن رئيس مجلس النواب الألماني فولفغانغ شويبله خلال زيارة لباريس الأربعاء عن “وجود اندفاع جديد في علاقات البلدين، وأن صانعي القرارات بهما سيقومون بكل ما في وسعهم لدعمهما”.

ومن الخلافات القائمة أيضا. إصرار ماكرون على المضي سريعا في إصلاح منطقة اليورو مما يثير تساؤلات في برلين. وعلاوة على ذلك فإن الإجماع الظاهري في موضوع الدفاع الأوروبي، لا يجب أن يحجب النهج المختلف بين البلدين.

وأوضح الخبير في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية هانس شتارك أن “إيمانويل ماكرون يثير تساؤلات في ألمانيا لأنه يريد المضي بسرعة كبيرة في الملفات الأوروبية في حين أن الأمر يتطلب وقتا”. وأشار إلى أن المجال المتاح أمام ميركل ضيق، مضيفا “لا يمكنها أن تعلن أنها توافق مئة بالمئة على المشاريع الفرنسية، لكنها لا تريد في المقابل التصدي لها”. ويطرح البلدان نفسيهما كـ“حارسي الهيكل” الأوروبي وسط انقسامات متزايدة في صفوفه، في وقت وصلت موجة الشعبوية إلى إيطاليا، إحدى الدول المؤسسة للاتحاد.

6