تقاطع الحسابات السياسية يحول دون حل ناجع للأزمة السورية

الاثنين 2014/12/08
زيارة بوتين الأخيرة إلى تركيا لا تعدو سوى أن تكون ردا على فرضية التقارب الإيراني-الأميركي

التحرك الروسي باتجاه تركيا يطرح أكثر من سؤال حول الأسباب التي استدعت هذا التقارب الذي دشنه الرئيس فلاديمير بوتين في زيارته الأخيرة لتركيا على الرغم من التباينات في المواقف السياسية بين البلدين حول عدد من القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها الموقف من الثورة السورية.

الروس الذين يواجهون العقوبات الأوروبية والأميركية بسبب الخلاف معهم حول تدخلهم في الصراع الأكرواني، يحاولون التخفيف من تأثير هذه العقوبات اقتصاديا وماليا وسياسيا، من خلال فتح أبواب جديدة في علاقاتهم الدولية، لكن يبقى الأهم هو المصالح الإقليمية التي تعمل روسيا فيما يبدوعلى الحفاظ عليها، من خلال إيجاد تفاهمات مع الأطراف الفاعلة والمؤثرة فيها، بعد أن تجاهلت الولايات المتحدة الأميركية والتحالف الدولي الذي أنشأته لمحاربة تنظيم” داعش”، فهي لم تتشاور مع روسيا في ذلك كما لم تعرض عليها المشاركة فيه، ما يعني أن ترتيب أوضاع المنطقة بعد القضاء على “داعش” سوف لن يكون الروس مشاركين فيه، لاسيما بعد أن انتهى التنسيق بين الجانبين حول الصراع في سوريا مع فشل مؤتمر جنيف 2 الذي ساهم فيه الروس ونظام بشار الأسد.


ما الذي يدركه الروس؟


الروس الذين يدركون، من خلال إصرار الرئيس الأميركي بارك أوباما على الوصول إلى اتفاق مع الإيرانيين حول برنامجهم النووي يخدم المصالح الأميركية، أن هذا الاتفاق لن يكون بمعزل عن جملة القضايا الإقليمية، وفي صدارتها الصراع السوري، لذلك فإن نجاح مثل هذا الاتفاق يعني وجود اتفاق بين الطرفين حول التسوية التي تضع حدا له، خاصة وأنه سبق قيام مثل هذا التفاهم بين الطرفين في حرب الخليج الثانية وقبل الانسحاب الأميركي من العراق، والآن في محاربة تنظيم “داعش”.

من هنا يمكن فهم ما تحاوله روسيا على مستوى فتح باب الحوار مع شخصيات من المعارضة السورية ومع النظام الذي لم يُبد، على ما يبدو، أثناء زيارة وزير خارجيته المعلم لموسكو أخيرا تجاوبا يُذكر مع الأفكار الروسية أو الاستعداد لتوفير عناصر نجاحها. هذا الجهد السياسي الروسي نابع من إدراك الروس بأنّ ثمة تحولات في العلاقات الأميركية – الإيرانية يمكن أن تَحدُث، مثلما يدلّ على ذلك موقف إدارة أوباما من دعم المعارضة السورية المسلحة بما فيها التنظيمات المعتدلة وفق التصنيف الأميركي، ووجود نوع من التنسيق بين طائرات التحالف وطائرات النظام، الذي يحاول هذا الأخير التأكيد عبره على وحدة المعركة بينه وبين الولايات المتحدة في محاربة الإرهاب، وهذه المحاولات تثير مخاوف الروس وتدفعهم باتجاه تقديم مبادرة حلّ تمكنهم من استعادة دورهم والحفاظ على مصالحهم الحيوية في سوريا.

لا تمل الإدارة الأميركية من القول بأن القضاء على "داعش" يحتاج إلى سنوات، لكنها لا تبدي أيّ حماس لإحداث تغيير يذكر في الوضع العسكري على الأرض


لماذا توجهت روسيا صوب تركيا؟


تركيا التي تعد لاعبا مهما في الصراع السوري وعلى الساحة العراقية، ما تزال الولايات المتحدة تسعى إلى كسب تأييدها لحربها على الإرهاب من خلال انضمامها إلى التحالف الدولي الذي تقوده، ولم تظهر تركيا، التي تبحث عن مصالحها الخاصة، الاستجابة المحتملة للولايات المتحدة، كما ظهر من خلال زيارة نائب الرئيس الأميركي جون بايدن إليها بسبب الخلاف حول المطالبة التركيا بتوسيع دائرة هذه الحرب لتشمل قوات النظام السوري، وهو ما دفع بالروس إلى التّوجه نحو تركيا على الأقلّ لضمان دعمها لهم للوصول إلى تفاهمات مع المعارضة السورية يعزّز فرص نجاح مبادرة التسوية التي يحاولون إنجازها، إضافة إلى تعزيز تفاهماتها مع تركيا حول نشاط الحركات الإسلامية المتطرّفة التي تخاف روسيا كثيرا من وصولها إلى الشيشان وداغستان، خاصّة أن مئات المقاتلين من هذين البلدين يقاتلون في صفوف تنظيمي “داعش” و”جبهة النصرة”، مما سيشكل تحديا كبيرا للروس في منطقة تتوافر فيها عوامل الثورة والتمرد ضد السيطرة الروسية عليها.


ما الذي يعطل التوافق الإقليمي؟


من جهة أخرى، فإنّ الحكومة التركية التي أعلنت أنّها ستطلب من الروس دعم توجهّها لإقامة منطقة عازلة في شمال سوريا تُدرك جيّدا عمليات حساب المصالح في العلاقات الدولية، ولذلك فهي لن تعطي الروس شيئا مقابل لاشيء ولعل موقفها من الحرب الأميركية على “داعش” خير دليل على ذلك، لكن الروس الذين يحاولون إنجاح مبادرتهم لحل الصراع السوري لا يمكنهم إغضاب النظام السوري بالموافقة على مثل هذه الخطوة التركية، وكذلك إيران، رغم معرفتهم بالغزل الخفي بين الطرفين، لهذا لم ينجح الأتراك في انتزاع التأييد الروسي لمبادرتهم، مما يعني أنّ تحقيق نوع من التوافق الإقليمي لإيجاد حل للصراع في سوريا مازال بعيد المنال حتّى وإن بدت العلاقات الروسية السعودية أكثر حرارة ممّا سبق، لاسيما أن العلاقات السعودية-التركية قد تأثرت بموقف الأخيرة من نظام السيسي في مصر.

الجهد السياسي الروسي نابع من إدراك الروس بأن ثمة تحولات في العلاقات الأميركية – الإيرانية يمكن أن تحدث


ما الذي تريده واشنطن بالمقابل؟


في ضوء كلّ هذا وبعد تمديد أمد المفاوضات الإيرانية الغربية حول البرنامج النووي الإيراني فإنّ السؤال هل تنجح الولايات المتحدة في الوصول إلى توافق مع الطرف الإيراني ضمن صفقة الاتفاق وملحقاته السرية والعلنية على غرار ما حدث في العراق قبل خروج القوات الأميركية منه، حيث يتقاسم الطرفان المصالح والنفوذ فيترك لإيران تعزيز نفوذها الديني والسياسي مقابل ضمانات تتعلق بأمن إسرائيل ودور حزب الله في لبنان، في حين تضمن الولايات المتحدة مصالحها الاقتصادية والسياسية من خلال توافق سياسي على حل بين النظام والمعارضة بدعم إيراني.

إنّ مثل هذا الحل يحتاج أولا إلى القضاء على تنظيم “داعش” وملحقاته من التنظيمات الإسلامية التي تعدها الولايات المتحدة الأميركية تنظيمات إرهابية، وثانيا خلق نواة عسكرية من المعارضة المسلحة، الّتي تسميها بالمعتدلة لكي تساعدها في ذلك، وضمان ولائها لها مستقبلا.

ولهذا لا تمل الإدارة الأميركية من القول بأن القضاء على “داعش” يحتاج إلى سنوات، كما لا تبدي أيّ حماس لإحداث تغيير يذكر في الوضع العسكري على الأرض لصالح المعارضة المسلحة، من خلال مدّها بالسلاح اللازم لذلك، ناهيك عن غياب الجهد السياسي لدعم المعارضة السورية، التي تتعقّد صراعاتها ويتراجع منسوب دعمها من قبل ما يسمّى بأصدقاء الشعب السوري، وفقا لصراع المصالح الدولية وحساباتها الخاصة بمعزل عن مصالح الشعب السوري، التي ساومت عليها الأطراف الدولية الفاعلة على هذه الساحة المستباحة.

6