تقاعد مبكر للبشر مع وصول جيش الروبوتات

النقاش حول العلاقة بين البشر والآلات والعمل يميل إلى أن يكون نقاشا حول بعض النقاط غير المحددة في المستقبل. ولكن حان الوقت لمواجهة الحقيقة. لأن المستقبل يبدأ الآن.
السبت 2016/04/09
أيام البشر في المقدمة باتت معدودة

لندن - إذا كنت وضعت الماء على الموقد، في البداية سوف يسخن شيئا فشيئا. قد نخرج بنتيجة أن تسخين الماء قد يعطينا ماء ساخنا. ولكن عند نقطة معينة كل شيء يتغير، حيث يبدأ الماء في الغليان، ويتحول من سائل ساخن إلى بخار. يسمّي علماء الفيزياء ذلك “مرحلة التحول”.

تزداد الأتمتة (استخدام الآلات)، المشفوعة بالتقدم التكنولوجي بلا هوادة منذ عقود من الزمن. ولسنوات عديدة، انخرطت مدرستان متخصصتان في التفكير الاقتصادي في نقاش حول الآثار المحتملة التي قد تحدثها الأتمتة على الوظائف وفرص العمل والنشاط البشري: هل ستولد التكنولوجيا الحديثة بطالة شاملة، وتحرم الروبوتات البشر من وظائفهم؟

احتدم الجدل في الآونة الأخيرة بسبب الإنجازات التكنولوجية، مثل التعليم المتعمق، التي مكنت مؤخرا أحد برامج غوغل المسمى “ألفا غو” من الفوز على بطل العالم لي سيدول في لعبة “غو”، وهي مهمة تعتبر أصعب من إلحاق الهزيمة ببطل عالم في لعبة الشطرنج.

في النهاية يتلخص السؤال في ما يلي، هل الابتكارات التكنولوجية الحديثة اليوم شبيهة بالتي كانت في الماضي والتي قضت على وظيفة صانع العربات المجرورة، ولكنها في المقابل خلقت فرص العمل في الشركات المصنعة للسيارة؟ أم أن هناك شيئا يختلف عما هو موجود اليوم بشكل ملحوظ؟

يبرز كتاب مالكولم غلادويل، الذي صدر في العام 2006 بعنوان “ذي تيبينغ بوينت” نقطة التحول في ما وصفه بـ”تلك اللحظة السحرية عندما تعبر فكرة أو اتجاها أو سلوكا اجتماعيا العتبة والأطراف لتنتشر كالنار في الهشيم”.

هل يمكننا حقا أن نكون واثقين من أننا لا نقترب من نقطة اللاعودة، مرحلة التحول، وأننا لا نخطئ الاتجاه التكنولوجي الذي يدمّر فرص عمل ليخلق أخرى وفق نظام سوف يستمر بشكل دائم على هذا النحو؟

على المدى الطويل تتجه البطالة نحو الارتفاع، بسبب التكنولوجيا وتدخل الآلات في حياتنا

مخاوف قديمة تتجدد

هذا ليس مصدر قلق جديد. بالعودة إلى الماضي، تعود بقدر ما إلى الحركة اللاضية (حركه اجتماعية ثورية نشأت مع بدايات الثورة الصناعية) التي ظهرت في أوائل القرن التاسع عشر في بريطانيا، تسبب التكنولوجيات الحديثة الخوف من التغييرات الحتمية التي يمكن أن تجلبها معها.

يبدو أنه من السهل إنكار المخاوف اليوم كما لو أن ليس لها أساس في الواقع. ولكن الخبير الاقتصادي جيفري ساكس من جامعة كولومبيا ولورانس كوتليكوف من جامعة بوسطن يقولان “ماذا لو أصبحت الآلات فائقة الذكاء، وذلك بفضل عقول المعالج الدقيق، وبالتالي فلا حاجة لتشغيل العمال غير المهرة؟”.

ودوّنا “الأجهزة الذكية الآن تجمع الضرائب على الطرقات السريعة، وتتحقق من السلع في المخازن، وتقيس ضغط الدم عندنا، وتدلك ظهورنا، وترشدنا إلى الاتجاهات، وتجيب على هواتفنا، وتطبع وثائقنا، وتنقل رسائلنا، وتهدهد بأطفالنا، وتقرأ كتبنا، وتطفئ أضواءنا، وتلمع أحذيتنا، وتحرس بيوتنا، وتقلع بطائراتنا، وتدوّن رغباتنا، وتعلّم أطفالنا، وتقتل أعداءنا، والقائمة تطول”.

هناك أدلة كثيرة على أن هذا القلق له ما يبرره. ومؤخرا كتب إريك برينجولفسون، وأندرو مكافي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا “لعدة عقود أعقبت الحرب العالمية الثانية، كانت الإحصاءات الاقتصادية محط الأنظار في الولايات المتحدة الأميركية. نما الناتج المحلي الإجمالي، ونمت الإنتاجية أيضا، نظرا لقدرتنا على دفع كل عامل إلى المزيد من الإنتاج. وفي الوقت نفسه، خلقنا الملايين من فرص العمل، والكثير من هذه الوظائف يمكن أن يشتغل فيها العامل الأميركي العادي، الذي لم يكن (ولا يزال لا يملك) شهادة جامعية، للتمتع بمستوى معيشي عال ومرتفع. ولكن.. أصبح نمو الإنتاجية ونمو العمالة لا ينفصلان عن بعضهما البعض”.

ووفق ما أظهره الفصل بين البيانات، شهد الاقتصاد الأميركي أداء ضعيفا للغاية طال 90 في المئة من الأميركيين على مدى الأربعين عاما الماضية. تقود التكنولوجيا إلى تحسين الإنتاجية، التي تؤدي إلى نمو الاقتصاد. ولكن معظم الناس لم يلمس أي فائدة من هذا النمو.

في الوقت الذي لا يزال فيه الاقتصاد الأميركي يخلق فرصا للعمل، إلا أنها لا تبدو كافية لتغطية احتياجات المجتمع. تراجع معدل المشاركة في القوى العاملة، والذي يقيس الجزء النشط من القوى العاملة منذ أواخر التسعينات.

إنجازات تكنولوجية

في الوقت الذي كان فيه الناتج الصناعي في أعلى مستوياته على الإطلاق، تبدو العمالة في قطاع الصناعة أقل مما كانت عليه في أواخر الأربعينات.

وشهدت أجور العاملين من دون إشراف خاص ركودا منذ أواخر الستينات، وظلت نسبة الأجور العامة إلى الناتج المحلي الإجمالي منخفضة منذ العام 1970. وعلى المدى الطويل تتجه البطالة نحو الارتفاع، وأصبح التفاوت موضوع مناقشة عالميا في أعقاب نشر طوماس بيكيتيس لكتابه “كابيتال إن ذي تونتي فرست سنتري” (رأس المال في القرن الحادي والعشرين) في العام 2014.

اتساع الخطر

الشيء الفظيع، أن الاقتصاديين أنجوس ديتون، الحائز على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية في العام 2015 والأستاذة أني كايز، اكتشفا أم معدل وفيات البيض من الأميركيين الذين هم في منتصف العمر قد تزايد خلال الـ25 عاما الماضية، وذلك بسبب الانتحار وتعاطي المخدرات.

لكن هل الأتمتة المدفوعة بالتقدم التكنولوجي، بشكل عام، والذكاء الاصطناعي والروبوتات على وجه الخصوص، هي السبب الرئيسي لهذا التراجع الاقتصادي للأميركيين العاملين؟

في الاقتصاد، من الأسهل الموافقة على البيانات بدلا من الموافقة على علاقة السببية. العديد من العوامل الأخرى يمكن أن تكون في الصورة، مثل العولمة، ورفع القيود وتراجع النقابات وما شابه ذلك.

وكشف استطلاع للرأي في العام 2014 أن الاقتصاديين الأكاديميين الرائدين الموجهين من مبادرة شيكاغو عن الأسواق العالمية، بشأن تأثير التكنولوجيا على العمالة والدخل، أن 43 بالمئة من الذين شملهم الاستطلاع هم من المؤيدين لفكرة أن “تكنولوجيا المعلومات والأتمتة هما السببان الرئيسيان لركود الأجور في الولايات المتحدة خلال العقد الماضي، رغم ارتفاع الإنتاجية”، في حين عارض 28 بالمئة هذه الفكرة. وبالمثل، توصلت دراسة أجراها صندوق النقد الدولي عام 2015 إلى أن التقدم التكنولوجي هو عامل رئيسي في زيادة عدم المساواة على مدى العقود الماضية.

خلاصة القول إنه في الوقت الذي تقضي فيه الأتمتة على العديد من فرص العمل، ليس هناك ما يشير إلى أن استخدام التقنيات في السنوات الأخيرة أدى إلى خلق عدد متساو من الوظائف ذات المرتبات المجزية للتعويض عن تلك الخسائر.

وكشفت دراسة أجرتها جامعة أكسفورد في العام 2014 أن عدد العمال الأميركيين الذين تحوّلوا إلى الصناعات الحديثة كان ضئيلا بشكل لافت للنظر، ففي العام 2010 كانت نسبة 0.5 بالمئة فقط من القوى العاملة تعمل في المجالات التي لم تكن موجودة في العام 2000.

18