تقاليد العمل الإعلامي تغيب أمام أزمات الصحافة الكردية

تعاني الصحافة في إقليم كردستان العراق من جملة من المشاكل والأزمات تبدأ من الاعتداء على الصحافيين وغياب المحاسبة لمرتكبي الانتهاكات، مرورا بالقوانين القاصرة عن إنصاف الصحافيين وتوفير الحماية لهم، ولا تنتهي بإغلاق المؤسسات الإعلامية أبوابها بسبب الأزمة المالية.
الخميس 2016/02/11
صحافة في مهب الريح

أربيل - تعالت أصوات الانتقادات للسلطات في إقليم كردستان العراق في الآونة الأخيرة، بعد سلسلة من المضايقات والممارسات المعرقلة للعمل الصحافي في بلد يعاني فيه قطاع الإعلام من أزمة اقتصادية خانقة، إضافة إلى ضعف القوانين الصحافية التي تحكم العمل الإعلامي وتترك مجالا واسعا لفرض هيمنة السلطة على الإعلام.

ويبدو تكرار الاعتداءات يوميا على الصحافيين تفصيلا بسيطا في غياب المساءلة والمحاسبة لمرتكبي هذه الاعتداءات، وانعكاس ذلك على انعدام الاحترام لمهنة الصحافة وممارسيها، كما لو أنه تقليد من تقاليد العمل الصحافي المسلّم به في الإقليم.

وأصبحت المظاهرات والنشاطات السياسية مناسبة لاستهداف الصحافيين أيا كانت الجهة التي تنظمها، فمنذ يومين اعتدى أعضاء من حزب العمال الكردستاني “PKK” ومناصريهم على فريق عمل فضائية “روداو” أثناء تغطيته لمظاهرة أمام مقر الأمم المتحدة في أربيل، للمطالبة بمعرفة مصير زعيم الحزب عبدالله أوجلان وحالته الصحية بعد أن فرضت السلطات التركية حصارا عليه ومنعت مقابلته منذ مدة طويلة.

وعاد مركز ميترو للدفاع عن حقوق الصحافيين إلى دعوة القوى السياسية في الإقليم لرفض أسلوب العنف واحترام حرية التظاهر وحرية الصحافيين.

وقال المركز إن “الفريق منع من تغطية الوقفة الاحتجاجية وتمت مهاجمته وتهديده بتحطيم أجهزته بالأرجل”، مؤكدا أن “المهاجمين حطموا بالفعل إحدى كاميرات الفريق”.

وكان المركز قد أصدر تقريره السنوي لعام 2015 وسجل فيه 84 اعتداء على الصحافيين والقنوات الإعلامية المختلفة في إقليم كردستان، وقدم إثرها قرابة 145 صحافيا شكاوى لدى المركز، حيث تضمنت 171 انتهاكا.

وأكد التقرير أنه خلال الأزمات واشتداد حدة الصراعات الحزبية والسياسية تمارس الأجهزة الأمنية اعتداءات على الصحافيين باعتبارهم هدفا سهلا يمكن الوصول إليه.

واستنكر منسق مركز مترو رحمن غريب سياسة الإفلات من العقاب التي طغت على البيئة الصحافية في الإقليم قائلا، إن “تعذيب الصحافيين وإغلاق المكاتب وإبعادهم وكسر أدواتهم الصحافية وحجزها لا تزال عناوين للعمليات التي تواجه الصحافيين والإعلاميين”. وأضاف غريب “لقد أدى خرق القوانين وتحجيم الحرية الصحافية وظاهرة الإفلات من العقاب إلى عدم اعتبار التقارير الدولية كردستان منطقة مستقرة للصحافيين”.

رحمن غريب: تحجيم حرية الصحافة أدى إلى اعتبار كردستان منطقة غير مستقرة للصحافيين

غير أن الاعتداءات على الصحافيين ليست القضية الوحيدة التي تهدد العمل الصحافي، إذ أثار المركز مسألة القوانين غير المنصفة التي تحكم العمل الصحافي في الإقليم.

وانتقد حكومة كردستان لاستخدامها قانون العقوبات العراقي الذي شرعه النظام السابق في محاكمة الصحافيين، وطالب القضاء الكردستاني بإنصاف الصحافيين والدفاع عن حقوقهم، فيما دعا الصحافيين إلى الالتزام بالمهنية في أداء عملهم.

وأضاف في بيان أصدره نهاية الأسبوع الماضي أن “حكومة كردستان ما زالت تركن إلى قانون العقوبات العراقي والذي كان يعمل به زمن النظام الدكتاتوري السابق في محاكمة الصحافيين، بالرغم من تصويت البرلمان الكردستاني بالإيجاب على قانوني العمل الصحافي وحق الحصول على المعلومة”.

وأعرب البيان عن أسفه “لتجاهل هذين القانونين المهمين”، مؤكدا أن “كردستان كانت أن تصبح واحة للعمل الإعلامي الحر، لصحافيي كردستان والبلدان التي تغيب فيها حرية الصحافة، لو تم الالتزام بهذين القانونين”، على حد تعبيره.

وكشف عن بيان للسلطة القضائية العراقية يظهر “أن المحكمة المختصة بملفات النشر والإعلام قضت في الأول من شهر فبراير الحالي برد دعاوى 80 سياسيا ومسؤولا رفعت ضد صحافيين”، مبيّنا أن “بيان السلطة القضائية عد الانتقاد من صميم العمل الإعلامي، وأن من حق الجمهور الاطلاع على ما يجري في محيطه المحلي من حوادث”. وهي خطوة مهمة على طريق إرساء الاحترام للعمل الإعلامي في العراق.

وطالب المركز، “المسؤولين الحزبيين والحكوميين بقبول النقد وخصوصا أولئك الذين يرتبط عملهم بالمصلحة العامة”. وشدد على ضرورة أن “يأخذ القضاء دوره في إنصاف الصحافيين .

وهذه المشاكل أرخت بثقلها على الصحافة المستقلة في الإقليم وساهمت في خلق أزمة مالية تنذر بتوقف وسائل الإعلام المستقلة التي تأسست بعد فترة وجيزة من إنشاء النظام الجديد في العراق.

ونوّهت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق إلى وجود قلق في إقليم كردستان من فقدان أبرز الوسائل الإعلامية المستقلة، بسبب الضائقة المالية، إذ أكد ممثل الجمعية في الإقليم أن صحيفة “هاولاتي” أصدرت بيانا أعربت فيه عن عزمها توديع الأسرة الصحافية العراقية إلى الأبد في حال استمرار الوضع المالي بالإقليم على هذا الحال. وبيّن أن الميزانية المالية لصحيفة هاولاتي تصل إلى 21 مليون دينار شهريا، وهي صحيفة يومية تأسست على أيدي عدد من صحافيي وكتاب كردستان، وتعد الأولى في الإقليم.

في المقابل أعلنت هاولاتي أن بمقدورها الاستمرار لشهر واحد فقط، إذ من المقرر أن تتوقف عن الصدور وتحجب موقعها الإلكتروني في 25 من الشهر الجاري.

وأشارت الجمعية إلى ازدياد المخاوف من أن تطال الأزمة المالية بقية الصحف والوسائل الإعلامية المستقلة الأخرى، لا سيما وأن صحيفة “آوينة” الأسبوعية المستقلة هي الأخرى أصدرت في وقت سابق بيانا في نهاية عام 2015، أكدت فيه أنها على وشك التوقف بسبب الضائقة المالية، قبل أن تحصل على دعم مالي من إعلاميين وساسة وبرلمانيين مهتمين بالأسبوعية لضمان استمراريتها مؤقتا.

18