تقبّل لغة الشباب يمد جسر التواصل العائلي

أبناء يطالبون آباءهم بتضييق الفجوة اللغوية بينهم بدل السخرية والنقد.
السبت 2019/10/12
لكل جيل طريقة تفكير ولغة تعبر عنه

استنفر الكثير من الآباء همتهم تجاه ما يسمى بلغة أو طريقة “الفرانكو-آراب” التي تجمع بين العربية واللاتينية، حيث بدأت تنتشر في مراحل عمرية مختلفة، واعتبروها ظاهرة مقلقة، لأن الأبناء ابتكروا قاموسا لغويا يفصلهم عن محيطهم الاجتماعي ويزيد عزلتهم الأسرية. من هنا يتساءل قطاع كبير من الأبناء: لماذا لا يبادر الآباء بتضييق الفجوة وتعلم لغتنا عوضا عن السخرية منها؟

القاهرة - فاجأ الإعلامي محمد علي خير مشاهديه باعتراف فكاهي تمثل في أنه حاول استكشاف صفحة ابنه على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه لم يفهم شيئا فاضطر للاستعانة بابنته لترجمة ما كتبه شقيقها بلغة غريبة تسمى (الفرانكو-آراب).

و”الفرانكو-آراب”، أو “العربيزي” طريقة مستحدثة يستخدمها الجيل الجديد في الكتابة على الإنترنت أو رسائل الهاتف المحمول، وتتكون مِن كلمات عربية مكتوبة بأحرف لاتينية تتخللها أرقام للحروف التي ليس لها مقابل في النطق العربي، كأنها شفرات، فحرف الخاء مثلا يكتب 5 وخصص رقم 3 لحرف العين.

وحذر الباحث أحمد علي سليمان، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، على صفحته الشخصية على فيسبوك من اللغة الدخيلة قائلا “الفرانكو-آراب بدأت تتغلغل وتتسلل إلى الحياة العامة والثقافة والأغاني والإعلام ومحركات البحث وللأسف إلى البحث العلمي”.

ولاقت الشكوى صدى كبيرا لدى أسر كثيرة تفاعلت معها، وكانت تعتقد أنها تعاني بمفردها من عدم قدرتها على التواصل مع الأبناء بسبب تسلل تلك اللغة وتسيدها طريقة كتابتهم.

واللافت أن الشكوى حول اللغة-الطريقة الهجينة تدور بين الجميع، حيث يرمي الآباء الكرة في ملعب المدرسة ودورها المتراجع في ترسيخ اللغة العربية، بينما تصرح المدرسة أن انصراف الآباء عن الأبناء جعلهم يخترعون لغة جديدة خاصة بهم، فيما يرى الأبناء أن المشكلة في تعنت الجيل الأكبر سنا وموقفه العدائي من لغتهم دون تعلمها أو تقييمها بشكل موضوعي.

لغة جديدة تغزو وسائل التواصل الاجتماعي
لغة جديدة تغزو وسائل التواصل الاجتماعي

ويستنكر مدرس اللغة العربية عماد محمد أن تستبدل اللغة العربية ويقوم الشباب بتحريفها وترقيمها، مشددا على الطالبات في أول يوم دراسي عدم الكتابة في المجموعات المخصصة لهن على “الواتساب” بلغة “الفرانكو-آراب”، وأنه سيتجاهل التساؤلات المكتوبة بها.

وأوضح لـ”العرب” أن تداول هذه اللغة على مواقع التواصل الاجتماعي طمس هوية الأبناء وأوصد منافذ التواصل بينهم وبين آبائهم، حتى أنها تسربت إلى طفلتيه.

وتزايدت نقمته عندما سأل إحداهما عن حالها فكتبت “El7” وعلم منها أنها تعني “الحمد لله” وعندما حثها على الكتابة بالعربية كان الرد “isa” أي “إن شاء الله” وهو ما اعتبره انتهاكا صارخا للغة العربية.

وبدأت لغة “الفرانكو-آراب” تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي لتقريب المسافات بين العرب المغتربين وأقربائهم منذ سنوات، لأن لوحات مفاتيح هواتفهم كانت لا تشمل العربية ما اضطرهم إلى ابتكار تلك اللغة.

وفي ذلك الوقت حذر خبراء من انتشارها وأطلقوا عليها “المسخ”، ودشنت حملات مقاطعة على صفحات مواقع التواصل لمستخدميها وقامت حملات توعية كثيرة على الإنترنت منها “اكتب عربي” “معا ضد الفرانكو”، “حملة القضاء على الفرانكو”، “أبوس ايدك اكتب عربي صح”.

وتتهم نهلة محمد، وهي محاسبة بجامعة عين شمس، التكنولوجيا بأنها تتفنن في إبعاد الأبناء عن الآباء، وتجعلهم يلهثون للتعامل مع الأبناء فهم يحتاجون “كتالوغ” خاصا يتحدث باستمرار.

وجلست السيدة المصرية ممسكة بهاتف ابنتها المراهقة لتصفح حسابها الشخصي على فيسبوك، وعندما ظهر لها وجود رسالة فتحتها لتقرأها وفوجئت بحروف لاتينية تتخللها أرقام، فأخذت تحاول فك شفراتها ربما تحمل معلومة تفك لغز اكتئاب الابنة باستمرار، لكنها عجزت عن فهمها وكان الحل بالنسبة لها حرمان الابنة من الهاتف.

وتشير محمد إلى أن مفردات كثيرة وغريبة اقتحمت البيوت العربية مثل “كانسل” (الغي)، “نفض” (لا تعطه انتباه)، “اهبد” (تكلم دون فائدة)، “أوكشة” (أنثى باهرة الجمال) وغيرها من التعبيرات المستخدمة في الواقع أو العالم الافتراضي، لكن التحدي الأخطر أن هناك لغة خاصة متداولة بين الأبناء.

وتبرر شريحة كبيرة من الشباب اعتمادهم على هذه اللغة بأنها أصبحت شائعة ومستعملة ومفهومة من القراء، فالحروف العربية في نظرهم عاجزة عن ذلك.

ومن جانبه يأسف خالد صلاح، طالب بكلية التجارة، من الطرق التقليدية للتعامل مع الجيل الجديد، قائلا “لكل زمان تقاليد وأفكار وأيضا لغة ومفردات تختلف عن أي زمان آخر، وإلا كنا نتحدث ونكتب بالهيروغليفي إلى الآن، وعقاب الأبناء بمنع المحمول أو السخرية من لغتهم لن يأتي بنتيجة، وعلى الآباء تذكر أنهم كانوا يوما ما أطفالا، ويضيقون ذرعا بأوامر آبائهم ويعتبرونها تقليلا من شأنهم”.

وتساءل الطالب بتهكم “لماذا لا يتعلم الآباء لغتنا بدلا من إضاعة الجهد في اتهامنا، وتوسيع الفجوة مع جيلنا وبدلا من مد جسور التواصل معنا يريدون تحنيطنا في عالمهم القديم؟”.

وأضاف صلاح لـ”العرب” أن لغة “الفرانكو” وسيلة اتصال سريعة الإيقاع ومختصرة ولا تحتاج دورات لتعلمها، ويكفي المستخدم معرفة بعض الأرقام التي تغني عن بعض الحروف في اللغة العربية ويصعب إيجاد بديل لها باللغة اللاتينية، والصغار الذين لا يُتقنون الإنكليزية ولا العربية، كانت حروف “الفرانكو” طريقة بديلة أسهل بالنسبة لهم.

وأكد أن لوحة مفاتيح الهاتف المحمول أو الكمبيوتر باللغة الإنكليزية وتغييرها للعربية يضيع الوقت، فضلا عن أن خدمة الرسائل القصيرة تتيح للأبجدية اللاتينية حروفا أكثر في الرسالة الواحدة عن نظيرتها العربية، ويتم توفير حروف كثيرة وتقليل تكلفة الرسائل.

وكشفت دراسة أعدها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة تحت عنوان “ثقافة الشباب العربي” أن اختيار الشباب ثقافة ولغة خاصتين تمرد على النظام الاجتماعي، لذلك ابتدعوا لونا جديدا من الثقافة لا يستطيع أحد فك رموزه غيرهم.

وقالت الباحثة الاجتماعية هناء عشماوي إن انتشار اللغة الجديدة كان مؤشرا لعدم تراجعها وهناك المئات من المدونات الشخصية والنصوص الأدبية والنثرية المكتوبة بها، وخطت اللوحات الإعلانية في الشوارع وبعض البرامج عناوينها وأسماء القائمين عليها بأحرف “الفرانكو-آراب” لمخاطبة الشباب بلغتهم.

اختيار الشباب ثقافة ولغة خاصتين يعتبر تمردا على النظام الاجتماعي، لذلك ابتدعوا لونا جديدا من الثقافة لا يستطيع أحد فك رموزه غيرهم

وصرحت لـ”العرب” أن استعمال الشباب لغة خاصة بهم ليس تمردا وإنما هو نوع من البحث عن الذات بعيدا عن جلباب الأهل وتكوين عالم خاص دون قيود الآباء، وبعضهم يستخدمها كقناع بعيدا عن تلصصهم، وآخرون هدفهم الاستعراض لإشباع الشعور بالنقص، ويوهمون الآخرين أنهم يعرفون لغات أجنبية.

وشددت الباحثة على ضرورة أن يعي الآباء والأسر عموما أن لكل جيل طريقة تفكير وقناعات ومفردات، وعليهم السعي لاحتواء الأبناء وتعلم لغتهم عوضا عن النقد والسخرية والتنظير ليستطيعوا التوجيه والإرشاد وتنقية اللغة الجديدة مما تحمله من إيحاءات وإيماءات غير لائقة.

وحذرت من الطرق التقليدية الجافة في التعامل مع الأبناء لأنها تولد المزيد من العناد وتوسع الفجوة لدرجة تبلد الحوارات وجمود العواطف، وتضرب مثالا بذكاء بعض شركات التقنية في التعامل مع عقليات الجيل الجديد، وقدمت حلولا لتيسر عليهم استخدام اللغة التي ابتدعوها، فقامت شركة مايكروسوفت بإطلاق برنامج “مارين” لترجمة لغة “الفرانكو-آراب” إلى اللغة العربية، كما أطلقت غوغل خدمة “غوغل تعريب” لنفس الغرض.

21