تقدم المجتمعات العربية يمر عبر بوابة المعرفة

الجمعة 2014/12/26
البلدان العربية مطالبة برفع النسق المعرفي والتقني في ظل الطفرة التكنولوجية المتسارعة التي غيرت العالم بكبسة زر

الشارقة (الإمارات) - لا شكّ أنّ المساهمة العربية في اقتصاديات المعرفة والتنمية المستدامة، وتأسيس مجتمع معرفة عربي قادر على المنافسة، لا يمرّان سوى عبر بوابة تشجيع الابتكار والبحث العلمي ودعم مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية في مختلف الأقطار العربية، بالإضافة إلى العمل على التشبيك بين مختلف هذه المراكز، والسهر على انفتاحها وتفاعلها مع التجارب المتقدمة، من أجل أن تعمّ الفائدة الجميع.

البحوث العلمية بما هي آلية مثلى للمساهمة في تحقيق ازدهار الشعوب وتنميتها المستدامة، ما فتئت تحظى بأهمية البلدان العربية وخاصة دول الخليج العربي التي شهدت على مدى السنوات الماضية نُقلة نوعية في ما يتعلق بدعم هذا المشغل، إذ تكثفت الأنشطة والفعاليات التي تحتضنها هذه الدول من أجل إشاعة المعرفة.

ومن بين إحدى هذه الفعاليات، يحظى المنتدى العربي للبحث العلمي والتنمية المستدامة، الذي انتظمت دورته الثانية تحت إشراف المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة “الألكسو” بالشراكة مع المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا واستضافته امارة الشارقة في دولة الإمارات العربية المتحدة، مؤخرا، بأهمية مضاعفة، خاصّة أنه يُمثّل فضاء رحبا تلتقي فيه الخبرات من مختلف دول العالم لتعرض طروحاتها وتتناقش حول المسائل المتعلقة بدعم اقتصاديات المعرفة.

فقد شهدت دورة هذا العام، على سبيل المثال، مشاركة خبراء وعلماء ورياديّين من 25 دولة، منها الإمارات العربية المتحدة، المملكة العربية السعودية، مصر، سلطنة عمان، اليمن، العراق، الأردن، لبنان، فلسطين، السودان، البحرين.

كما جاء من خارج الدول العربية علماء وخبراء من اليابان، الولايات المتحدة الأميركية، كندا، اليونان، فرنسا، إيطاليا، هولندا، بريطانيا، أيرلندا، وألمانيا.


أي قيمة للمعرفة؟


تمثل المعرفة الصفة الأساسية المميزة للمجتمع الإنساني، إذ من خلالها تحققت تحولات عميقة مست وغطت تقريبا كل مناحي الحياة، فالمعرفة وبلا ريب هي أحد المكتسبات المهمة للاقتصاد والمجتمع على حد سواء، حيث أضحت في هذا الاقتصاد الصاعد الجديد المحرك الأساسي للمنافسة الاقتصادية بإضافتها قيما هائلة إلى المنتجات الاقتصادية من خلال زيادة الإنتاجية والطلب على التقنيات والأفكار الجديدة، وقد واكبت هذه المنتجات فعليا التغيرات الثورية في كل الأسواق والقطاعات.

الوطن العربي يمتلك كلّ مقومات التنمية المستدامة، من طاقات بشرية وقدرات وكفاءات علمية متميزة

وفي هذا الإطار يشير الباحث مراد علة، في ورقة بحثية بعنوان “الاقتصاد المعرفي ودوره في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الأقطار العربية؛ دول مجلس التعاون الخليجي أنموذجاً”، إلى أنّ اقتصاد المعرفة يتّسم بالقدرة على توليد واستخدام المعرفة، أو بمعنى آخر القدرة على الابتكار، إذ لا يمثل فقط المصدر الأساسي للثروة، وإنما يُعد أساس الميزة النسبية المكتسبة في الاقتصاد الجديد، فالمعرفة هي الوسيلة الأساسية لتحقيق كفاءة عمليات الإنتاج والتوزيع وتحسين نوعية وكمية الإنتاج وفرص الاختيار بين السلع والخدمات المختلفة سواءً بالنسبة إلى المستهلكين أو المنتجين.

كما أن امتلاك وحيازة وسائل المعرفة بشكل موجه وصحيح، واستثمارها بكفاءة وفعالية من خلال دمج المهارات وأدوات المعرفة الفنية والابتكارية والتقانة المتطورة، لابد وأن يشكل إضافة حقيقية للاقتصادات العربية وقاعدة للانطلاق نحو التحول إلى الاقتصاد المبني على المعرفة، وفق رأيه.

وفي سياق متّصل أوضح أنّ المجتمعات العربية تواجه تحديات جساما في سبيل إرساء جهودها التنموية الاقتصادية منها والاجتماعية، ولعل من أهم هذه التحديات القدرة على استثمار الإمكانات والطاقات البشرية الهائلة الموجودة في الدول العربية في كافة المستويات والأصعدة.

وأشار إلى أنّ الاقتصادات الخليجية العربية، على سبيل المثال، مازالت توسم بكونها اقتصادات تقليدية، على الرغم من تبوئها مراكز متوسطة وفق دليل اقتصاد المعرفة، وهي الأفضل مقارنةً مع بقية الدول العربية، الأمر الذي يتطلب إجراء تغييرات جذرية في البنى الاقتصادية والسياسية والقانونية بقصد التحوّل إلى اقتصاد المعرفة الذي يقوم على أعمدة تتوافر على نظام فعّال للتعليم، والحوافز الاقتصادية، والحوكمة، ونظام مؤسسي كفء، والإبداع، وتقنية المعلومات والاتصالات.


ما هو حال المجتمع العلمي العربي؟


توضح تقارير ودراسات وإحصائيات عديدة أنّ الوطن العربي يمتلك كلّ مقومات التنمية المستدامة، من طاقات بشرية وقدرات وكفاءات علمية متميزة.

كما يمتلك أيضا كل المقومات والمتطلبات المادية والموارد الطبيعية، الكفيلة بتحقيق تطور علمي واقتصادي يليق بالشعوب العربية، وتمكنها من استعادة مكانتها ودورها الريادي في توجيه المسيرة الإنسانية نحو الخير للجـميع.

ومن جهتهم يجمع خبراء على أنّه لا يمكن بناء مجتمع فكري عربي دون أن يتمّ تعزيز قطاع البحث العلمي والتطوير، خصوصا في المجال البيئي والطاقة المتجددة والاستثمار في الموارد البشرية والعمل على التطوير المستمر للنظام التعليمي العام والتعليم التقني ووجود السياسات والإستراتيجيات التعليمية وبناء الثقافة الصحيحة المجتمعية، إضافة إلى الانفتاح المجتمعي على المجتمعات الدولية.

وفي هذا السياق، أوضح عبداللـه عبدالعزيز النجار، رئيس المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا، أنّ حال البحث العلمي في البلدان العربية ليس بالسوء الذي يعتقده البعض، مشيرا إلى أنّ هناك أدلة واضحة تؤكّد أنّ المجتمع العلمي العربي قادر على العطاء والنجاحات العلمية، كما أنّ الاختراعات العربية في ازدياد، حيث أصبحت العقول العربية قريبة من المساهمة في اقتصاديات المعرفة والتنمية المستدامة.

عبداللـه عبدالعزيز النجار: يجب أن يتم إنشاء صندوق استثماري تنموي في صورة بنك للابتكار

وفي ذات الإطار، أشار النجار، في معرض محاضرته التي ألقاها في المنتدى المذكور سلفا، إلى أنّ نقطة محوريّة وجب التنبّهُ إليها تتعلّق بالحاجة إلى أدوات مالية تملأ الفجوة بين تمويل البحوث الأكاديمية والاستثمار في الشركات الناشئة، وذلك لوجود مراحل لتجهيز النتائج البحثية (كتابة وتسجيل براءات الاختراع مع دراسات الجدوى والنماذج الأولية)، ويكمن الحل، وفق تعبيره، في إنشاء صندوق استثماري تنموي في صورة بنك للابتكار.

كما أضاف عبداللـه عبدالعزيز النجار أنّ العلماء الذين شاركوا في المنتدى خلصوا إلى مجموعة من التوصيات، التي تركزت حول الاهتمام بالباحثين الشباب في الدول العربية واتخاذ التدابير اللازمة لضمان مشاركتهم في الدورات القادمة للمنتدى، وإطلاق الشبكة العربية للملكية الفكرية مع إدخال مفاهيم الملكية الفكرية في المناهج التعليمية وزيادة الوعي بها في المجتمعات العربية، ودعوة الجهات العربية المعنية بالبحث والابتكار إلى تأسيس الصندوق العربي للاستثمار في نتائج البحث العلمي كآلية من آليات الانتقال إلى اقتصاد المعرفة، والعمل على إنشاء المؤسسة العربية لرعاية المحتوى التعليمي العربي وتوفير متطلباته والموارد الكفيلة بالتوسع في استخدام المصادر والموارد التعليمية مفتوحة المصدر.


كيف تبنى اقتصادات المعرفة؟


في ما يتعلق بالخطوات العمليّة التي يتوجب على الدول العربية أن توليها الاهتمام اللازم، أكّد عبداللـه عبدالعزيز النجار ضرورة تعزيز الجهود العربية الساعية إلى الانفتاح ورعاية العلماء العرب في المهجر واستقطابهم للمشاركة في جهود التنمية المستدامة في الدول العربية والاستفادة منهم في حل المشاكل التي تواجهها الدول العربية، مع تقوية التعاون العربي مع كلّ الشركاء الدوليين والاستفادة من الخبرات والتجارب الدولية الناجحة.

كما أشار إلى أنّ الخبراء المشاركين في المنتدى العربي للبحث العلمي والتنمية المستدامة، حددوا آليات التعاون مع عدد من الدول المتقدمة وفق مؤشرات اقتصاد المعرفة، من بينها التعاون مع اليابان في مجالات التربية والتعليم العالي والبحث العلمي وتبادل الخبرات مع الجامعات والشركات اليابانية.

أمّا التعاون مع الاتحاد الأوروبي فيمكن أن يشمل الاستفادة من مشروع "آفاق 2020"، خاصة وأنّ هذا البرنامج متاح فيه الاستفادة لكلّ الباحثين والمبتكرين ورواد الأعمال، وسيساهم في رفع معدلات المشاركة للدول العربية في البرامج والمشاريع الأوروبية المعنية بالبحث العلمي والابتكار التكنولوجي والتطوير، مع إمكانية بناء شبكات للتواصل بين الدول الأوروبية والدول العربية بين العلماء والشباب المبتكرين.

كما أكّد الخبراء، وفق النجار، أهمية التعاون بين الدول العربية والولايات المتحدة الأميركية في مجالات التعليم المختلف، والذي يُعدّ من أكثر صور التعاون فعالية، حيث أنّ ذلك يمكن أن يؤدي إلى تعزيز التفاهم والتوافق بين الأمم والشعوب، على مستوى المؤسسات وصناع القرار، مع الإقرار بأهمية برامج التبادل للعلماء والطلبة والمبتكرين بما يحقق مصلحة الطرفين، مع تنفيذ عدد من المشاريع النموذجية العربية الأميركية في مجال استخدام الموارد التعليمية المفتوحة وإطلاق بوابة متخصصة لهذا الغرض على الإنترنت، وكذلك حثّ الأساتذة على إثراء هذه الموارد والتوسع في استدامتها.

ومن أجل الارتقاء والانتقال باقتصاديات الأقطار العربية عموماً، ودول مجلس التعاون الخليجي خصوصاً من الاقتصاديات الريعية نحو اقتصاديات المعرفة، أكّد الباحث مراد علة، في دراسته، ضرورة تبني جُملة من التوصيات والمقترحات تتلخص في:

• أوّلا، وضع خطط متناسقة للبنية التحتية العربية، وذلك في ما يتعلق بشبكات الاتصال، والاعتماد على تكنولوجيا مستقلة وموارد بشرية قادرة على التركيب والتشغيل والصيانة العربية المتبادلة، مع الاهتمام بتحقيق درجة أعلى من الأمان المعلوماتي والشبكي، وتفعيل مبادرات المؤسسات العامة والخاصة والمجتمع المدني لإنشاء مواقع معرفية.

خطوات بناء مجتمع معرفة عربي تتلخص في:
• إطلاق حريات الرأي والتعبير والتنظيم

• النشر الكامل لتعليم راقي النوعية

• توطين العلم وبناء قدرة ذاتية في البحث والتطوير التقني

• التحول الحثيث نحو نمط إنتاج المعرفة في البنية الاجتماعية والاقتصادية العربية

• تأسيس نموذج معرفي عربي عام، أصيل، منفتح ومستنير

• ثانيا، الاستفادة من التجارب الرائدة في تطبيقات الاقتصاد المبني على المعرفة في الدول المتقدمة في هذا المجال، وتنظيم ومراجعة البيئة التشريعية والقانونية الداعمة لقطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بخاصة، ومحاور الاقتصاد المعرفي بعامة التي تدفع نحو تحقيق المزيد من ممارسات الاقتصاد المعرفي.

• ثالثا، إنشاء مواقع ومسارات للابتكار وحاضناته ودعم المبتكرين وتسويق مبتكراتهم في إطار الاقتصاد المعرفي وقوانين حماية الملكية الفكرية، ووضع آليات عمل لبراءات الاختراع وتسجيلها بوزارات الصناعة.

• رابعا، بلورة وعي خليجي عربي لاستيعاب أُسس ثورة المعلومات والاتصالات، وصوغ سياسات وطنية نابعة من الواقع، تعتمد على الطاقات والإمكانات المتوافرة بهدف التقدم وبخطوات ثابتة عن طريق تحقيق الاكتفاء الذاتي التّقني، وبما يحقق نقل التقنية وتوطيدها على المدى البعيد بدلا من استيرادها.

• خامسا، بناء المعرفة الجديدة من خلال الاهتمام بالبحوث الأساسية، وزيادة الإنفاق المخصص لنشاطات البحث والتطوير، ونقل التقنية وتوطيدها، والتركيز على تحقيق التكامل بين الجامعات والمعاهد المتخصصة، ومراكز البحوث، والمؤسسات، والتي تُعد مراكز لتوليد المعرفة والحصول على التقنية.

• سادسا، إدخال مقررات الاقتصاد المعرفي في المؤسسات التعليمية والأكاديمية، خاصة في دول مجلس التعاون، وربط مخرجات التعليم والتدريب بحاجة سوق العمل.

هذا بالإضافة إلى ضرورة تبنّي الرؤية الإستراتجية التي قدمها تقرير التنمية الإنسانية الثاني (2003) لإقامة مجتمع المعرفة في البلدان العربية، والتي تتلخص في إطلاق حريات الرأي والتعبير والتنظيم، وضمانها بالحكم الصالح، والنشر الكامل لتعليم راقي النوعية مع إيلاء عناية خاصة لطرفي المتصل التعليمي وللتعلم المستمر مدى الحياة. وكذلك توطين العلم وبناء قدرة ذاتية في البحث والتطوير التقني في جميع النشاطات المجتمعية، بالإضافة إلى التحول الحثيث نحو نمط إنتاج المعرفة في البنية الاجتماعية والاقتصادية العربية.

وأخيرا تأسيس نموذج معرفي عربي عام، أصيل، منفتح ومستنير، وكذلك النهوض باللغة العربية واستحضار إضاءات التراث المعرفي العربي، وإثراء التنوع الثقافي داخل الأمة ودعمه والاحتفاء به من خلال الانفتاح على الثقافات الإنسانية الأخرى.

كل هذه الخطوات يخلص الباحث مراد علة إلى أنها كفيلة بأن تمكن البلدان العربية وفي مقدمتها بلدان مجلس التعاون الخليجي من بناء اقتصادات ومجتمعات معرفة متميزة.

6