"تقرفيت" الحب البارد حوار الروح والجسد بين قبائل الأطلس الكبير

الخميس 2014/05/08
المرأة في واحات تافيلالت تمارس حريتها النسبية لاختيار شريك حياتها

كثيرة هي الظواهر التي تبقى ملتصقة بتقاليد شعب ما، ومسار حياته وتشكيل ذاكرته التي تأبى الخضوع لعوادي الزمن. المغرب حضارة ضاربة في عمق التاريخ تناسلت على أرضه شعوب ومرت عليه أحداث وتناوبت على تربته أجناس وأديان.

تعتبر الكونفيدرالية والقبيلة والعشيرة والعائلة تركيبة أساسية في تكوين المجتمع القبلي بالمغرب، وشكلت أرضية سياسية واقتصادية وثقافية نهلت منها أجيال متعاقبة. ولازالت رموز وطقوس تجوب القرى والبوادي المغربية إلى الآن.

كل ذلك نسج بشكل متراكم في وعي وثقافة شعب عاش على الأعراف وقدس التقاليد وطور قواعد العيش المشترك ونمت في أحشاء مدنه وبواديه ظواهر لازالت تحافظ على قدرتها على التكيف والعيش.

من ضمن الظواهر الأكثر تداولا نجد “تقرفيت” المصطلح الأمازيغي الذي نما في تربة قبائل الأطلس الكبير الشرقي. إنها ظاهرة أمازيغية تحمل مدلولا عميقا في الثقافة القبلية، فإذا أعدنا المصطلح إلى الجذر(أ.ق.ر.ف) فهو يعني “البرد”، أضف إليه تاء التأنيث لربطه بالأنثى كطرف له مركزيته في الظاهرة. تكون النتيجة “تقرفيت” وهي “الحب البارد”، الذي تتم ممارسته على مرأى الجميع عكس الحب الساخن الذي يحيل إلى التحام جسدين بشكل حميمي بعيدا عن الأعين والمراقبة.

إن موقع ومركزية المرأة داخل التركيبة القبلية في واحات تافيلالت جعلها تمارس حريتها النسبية في معظم حالات اختيار شريك حياتها. اختيار تأسس عبر قرون غابرة من خلال ممارسة تأصلت في السلوك المعيش، اختيار الطرفين لبعضهما بشكل حر وبعيدا عن المضايقات خلق نمطا متميزا من التواصل والتفاعل بينهما في علاقة للتواصل والتفاعل بين الأفراد الفتيان والفتيات فيما أطلق عليه “تقرفيت”.

وصناعة الواقع وتطويعه بواحات الجنوب الشرقي للمغرب، يتم عبر تحالف ومصاهرة بين القبائل والعشائر عن طريق مؤسسة الزواج. هذا الرابط المقدس في تلك المجتمعات البدوية كانت مقدماته الأولى تتم من خلال تكريس تعارف وتآلف الجنسين عبر “تقرفيت” خصوصا بقبائل آيت حديدو وآيت مرغاد. ولن نغفل عن أن المقدس في مؤسسة الزواج يتأتى من تغلغلها في النسيج السوسيوثقافي المتداخل مع المخيال الجمعي الذي لا يقبل أي مساس بها وتشويهها. فهذه الرابطة مركزها المرأة التي خلقت داخل بنية هذه المجتمعات توازنا اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا مشهودا، وما دامت مؤسسة الزواج مقدسة فمقدماتها تكون بالنتيجة مقدسة.

ظاهرة “تقرفيت” في عمومها السيكولوجي والاجتماعي هي تعبير مباشر عن مشاعر كلا الجنسين، وهي أيضا رغبة عارمة في تثبيت حرية الاختيار المحكومة بضوابط القبيلة وأعرافها ومفاهيمها حول الجنس والعلاقات الأسرية وتداخلاتها مع الروابط الدينية والنفسية والإثنية.

“تقرفيت” تواصل روحي ونفسي وتلاقح اجتماعي تهيئا لارتباط دائم عبر عقد زواج

“تقرفيت” محاولة جادة بين الطرفين الذكر والأنثى للتعبير وإظهار كل تلك الأحاسيس والمشاعر التي تربط بينهما، إنه حب عذري وتواصل روحي ونفسي وتلاقح اجتماعي تهيئا لارتباط دائم عبر عقد زواج. التلذذ والممارسات الجنسية والتواصل البيولوجي لا يعني شيئا لظاهرة “تقرفيت”، فهي ارتقاء وتجاوز للكثير من الطابوهات، و”حب بارد دون ممارسة جنسية عملية”، تشهد أوجها خاصة في نهاية فصل الربيع وبداية فصل الصيف.

وتكون المرحلة الأولى من ممارسة “تقرفيت” عبارة عن مناوشات هزلية بين أكثر من فتى وفتاة من داخل القبيلة الواحدة وفي ساحة جامعة، تكون المحادثات أولا عامة حول العيش داخل الأسرة والعشيرة وأسئلة حول ماذا يفعل هذا وذاك، لتتطور العلاقة شيئا فشيئا بين عشيقين فقط إلى حديث عن إعجاب وود وحب يغلفانه بقصص عن بعض النماذج وإسقاطه على حالتيهما العاطفية معا. ومع مرور الوقت يزداد الارتباط والحب بين المحبوبين، وتتعالى لغة الإعجاب إلى كلام أكثر إثارة، ثم تتطور العلاقة إلى مرحلة تأكيد علاقة الحب بكلام جاد ومسؤول، ثم التفاهم النهائي على الزواج لتأتي المرحلة الحاسمة وهي إخبار الأهل بأن الطرفين قد اختارا بعضهما ويكون القران.

ظاهرة “تقرفيت” غالبا ما تتم طقوسها بين الذكور والإناث العزاب، والتوقيت المثالي لممارستها عند غروب الشمس حتى أذان العشاء. أما مكان ممارسة ذلك الحب البارد العذري، فيتم اختياره بعناية حتى يكتمل المشهد الغرامي، حيث تكون فضاءات كالحقول والمراعي وتلك الساحات التي تخصصها القبيلة لجمع المحاصيل الزراعية، ساحات ارتبطت بظاهرة “تقرفيت” فاتسمت بها، كساحة العشاق، أو ساحة “نهر الحب” حسب القبيلة. وفي أحيان أخرى يكون فناء المنزل الذي تقطن به الفتاة مسرحا لممارسة “تقرفيت” من أجل أن يكون الشابان تحت نظر الأهل.

21