تقرير المصير الثقافي يحمي من التطرف والإرهاب

الحديث عن الخلايا النائمة للجماعات الإرهابية في العالمين العربي والإسلامي، كثيرا ما يتجاهل “خلايا نائمة” من نوع آخر، خلايا تسكن تلافيف الدماغ ونمط التفكير لدى الإنسان العربي، وتسبق حالات التمظهر في التنظم وأساليب نشاط الجماعات الإرهابية على الأرض وفي الواقع الميداني.
الاثنين 2016/09/26
محاصرة التطرف تبدأ بتنظيف الرؤوس والنفوس

الإرهاب مولود طبيعي السمات، مكتمل الوظائف بين القمع والأميّة، وهذان “الأبوان” موجودان بوفرة، يتناسلان ويفرخان ويتعايشان كل يوم في العالمين العربي والإسلامي.

البيئة التي ترعى الإرهاب بأي شكل كان هي بيئة منكفئة على ذاتها، لا تولي اعتبارا للقيم الإنسانية والتلاقي بين الثقافات وأتباع الديانات. ولا سبيل للتقدم والإصلاح إلا بمعالجة تلك البيئة الحاضنة التي أنتجت أشكالا من الغلاة والغزاة والطغاة وغاب فيها احترام الآخر وتقدير ثقافته ودينه.

“أعمال القتل والتدمير والتشريد” قد تمّت بالفعل حقيقة ومجازا منذ عهود طويلة، وبتستر ومؤامرة من أطراف عديدة، وعلى حدّ توصيف جبران خليل جبران “وقاتل الجسم مقتول بفعلته وقاتل النفس لا تدري به البشر”.

ما يثير الاستغراب هو “استغرابنا” من نشوء وظهور حركات جهادية متطرفة بيننا، دون أن ننتبه إلى أنّ عوامل كثيرة قد “قرّرت” إيجادها منذ عهد طويل، فكما يقول شاعر ألماني، وعلى سبيل المقاربة “إذا تركتك امرأة فاعلم أنها تركتك منذ زمن بعيد”.

لم تكن خلايا التطرف والتعطش لقمع الآراء وسفك الدماء نائمة أو في حالة سبات، بل هي تغفو قليلا ثم سرعان ما تستيقظ عند أدنى حركة؛ وما أكثر ما يوقظ الاستعداد للقتل ويثير “شهية الإرهاب” في نفوس تربّى أهلها على القمع ومصادرة الرأي منذ نعومة الأظافر التي أصبحت مخالب، أو لعلها هي كذلك فعلا “مخالب” ولكننا كنا نخالها أظافر ناعمة في ما شبه لنا من أوهام المحبة والوئام والعيش المشترك. ليس الأمر إيغالا في التشاؤم والنظرة السوداوية السلبية لمجموعة بشرية اسمها العالم العربي، وقد أبهرت العالم فعلا بمنجز ثقافي وأخلاقي وحضاري في التاريخ القديم، ثم استنكفت واعتكفت ودخلت الكهوف والشمس في كبد السماء.

أسباب التخلف عديدة، متنوعة ومتشعبة، والمشخصون من بني قومنا مازالوا في حيرة من أمرهم، لعلهم أنفسهم في حاجة إلى تشخيص لطريقتهم في عرض الأمراض وكيفية معالجتها، فالمسألة تكمن في آلية التفكير وليس في الإنتاج الفكري نفسه، ذلك أن الرياضيات قد علمتنا بأنّ النتائج لن تتغير بعدم تغيّر الفرضية والمنطلق وآلية العمل. الإنسان في العالمين العربي والإسلامي، عانى الكثير من الويلات والقهر المسلّط ضدّه، والذي يبدأ من التربية الأسرية، مرورا ووصولا إلى بيئات ومؤسسات حاضنة أخرى في المجتمع والدولة.

داعش استخدم وسائل التواصل الاجتماعي ومجلته "دابق" لإيصال صوته ورؤيته الخاصة بكل ما يثار ضده فقهيا أو سياسيا

فما أحوجنا إلى الخطاب العربي الوطني ذي الأبعاد السياسية والاقتصادية والأخلاقية والثقافية، الذي يصبّ في خدمة الصالح العام لوطننا العربي ويجمّع مكوّنات هوية الأمة ولا يفرط فيها. ولا بدّ من تعريف الصالح العام؛ استنادا إلى معلومات دقيقة وسليمة غير مسيّسة، وخطاب اجتماعي يعبّر عن مصالح الناس جميعا، أقول “ما لم نسُدّ العجز في ميزان الكرامة الإنسانية، ونصن وقار الإنسان، سنواجهُ المزيد من صناعة الكراهية”.

وفي هذا السياق، لا بدّ من الحاجة إلى الربط الإيجابي المثمر بين ماض وحاضر ومستقبل، وتحقيق الانسجام والتوازن في العلاقة بين “الأنا” و”الآخر” وبين الفكر والواقع، وإعطاء الأولويّة إلى التفكير النقديّ العلميّ والثقافة العلميّة؛ انطلاقا من المسؤولية الفردية والجماعية.

حدّد عبدالرحمن الكواكبي قِوام النهضة بأمرين أساسيّين: الدين والعلم؛ الدين العامِل، والعلم الواعي. إنّنا بحاجة إلى نهضة عربية تستكمل مسارات النهضة التي حصلت في القرن التاسع عشر وأوائل القرن الماضي. فالنهضة هي المحصّلة لعملية التغيير. وهنالك أمران مهمّان مؤثّران في حدوث النهضة: الذات والآخر.. النهضة التي عبّر عنها عبدالرحمن الكواكبي منذ أواخر القرن التاسع عشر، وروّاد الفكر في تلك المرحلة.

العالم العربي بحاجة اليوم إلى تقرير المصير الثقافي في خضم ما يشهده من فراغ خلّفته الظروف السياسية والتحديات على أكثر من صعيد. لا بدّ من تعزيز الاهتمام بالثقافة العربية في كل مكان، بصرف النظر عن الانتماء الديني للمنتسبين إليها. هنالك حاجة إلى تجديد الخطاب العربي بما يحرص على الطرح العقلاني للمشكلات التي تشغل العالمين العربي والإسلامي، بحيث يكون التعاطي معها من دون مبالغة ولا تشدّد بغير حق، بل بعرض منطقيّ متماسك للحُجج.

وفي إطار مواجهة التطرّف العقائدي في أوساط الشباب، ومكافحة انتشار العنف باسم العقائد المسيّسة؛ لا بدّ من إيلاء المؤسسات التوجيهية المعنيّة بالتربية والتعليم والإرشاد والقضاء والإعلام، العناية التي تمكّنها من النهوض بوظائفها ومهماتها في التصدي للفكر الظلامي.

13