تقرير المعرفة العربي: توطين المعرفة عربيا رهان قابل للتحقق

الأربعاء 2015/03/11
إهتمام الإمارات بالابتكار والعلوم يبوئها لتكون مثالا يحتذى لباقي بلدان المنطقة

عمان- ضرورة نقل المعرفة وتوطينها كمدخل للتنمية في الوطن العربي والتعويل على الشباب وتهيئته لإتمام هذه المهمة، رغم ارتفاع سقف التحديات ووجود العديد من المعيقات والعراقيل التي تحول دون ذلك، كانت من بين أبرز النقاط التي كشفت عنها نتائج تقرير “المعرفة العربي” لعام 2014 الذي يعده سنويا المكتب العربي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، وحمل هذا العام عنوان “الشباب وتوطين المعرفة”، بهدف مساعدة المسؤولين والمهتمين على وضع الخطط والاستراتيجيات الكفيلة بتحقيق اندماج فاعل للشباب في عملية نقل المعرفة وتوطينها عربيا.

شهدت العاصمة الأردنية عمان، أول أمس الاثنين، الإعلان عن نتائج تقرير المعرفة العربي لعام 2014 الذي أظهرت نتائجه أنّ من أهم التحديات التي تواجه نقل وتوطين المعرفة في الوطن العربي، هو عملية استنزاف العقول العربية وهجرة الشباب من المنطقة العربية، التي تعتبر من أكثر المناطق تضررا في ما يتعلق بخسارة وفقدان الكفاءات والمهارات الجامعية والعلمية.

وجاءت النتائج لتظهر أنّ أهم التحديات المطروحة تتلخص في توطين المعرفة في المنطقة العربية، بالإضافة إلى ضعف مؤسسات التعليم والتدريب والبحث العلمي وتضخم القطاع العام الحكومي، وضعف القطاع الخاص وبطالة الشباب وهجرتهم، وإغفال الإصلاح والدعم للغة العربية.

ولفتت نتائج التقرير إلى أن عدد الأميّين في المنطقة العربية بلغ سنة 2012 نحو 51.8 مليون أمي عن سن 15 عاما فما فوق، كان النصيب الأوفر من هؤولاء في صفوف النساء، حيث بلغت نسبة المرأة من عدد الأميين 66 بالمئة، وفق أحدث البيانات الصادرة عن منظمة اليونسكو.

مؤشر الابتكار العالمي للعام 2014 يفيد بوجود فجوة حادة بين مؤشرات المنطقة العربية والدول الأخرى


فجوة معرفية متعددة المظاهر


فيما تسعى دول المنطقة العربية إلى الولوج لمجتمع المعرفة، فإن الواقع والمؤشرات ذات العلاقة يدعوان إلى المزيد من القلق. وتبيّن مؤشرات المعرفة واقتصادها التي يعدها البنك الدولي، تواضع التطور في الأداء العربي واستمرار حدة الفجوة بين المنطقة العربية ومناطق العالم الأخرى في مؤشري المعرفة واقتصاد المعرفة خلال الفترة ما بين عامي 2000 و2012.

وعلى الرغم من التقدم الذي حققته الدول العربية في بعض مؤشرات المعرفة، فإنّ مؤشر اقتصاد المعرفة للمنطقة العربية للعام 2012 (الذي احتسب من قبل فريق التقرير بناء على بيانات البنك الدولي وشمل 17 دولة عربية)، يقل كثيرا عن مؤشر اقتصاد المعرفة لدول العالم.

وتبيّن مجمل البيانات المتوفرة أن تقدم المنطقة العربية نحو اقتصادات المعرفة وطمس الفجوة المعرفية ما زال ضئيلا، خصوصا إذا قورن بزيادة المتطلبات التنموية الناجمة عن تغيّرات بنيوية، بما في ذلك تزايد السكان وتغير أنماط المعيشة وتصاعد الكتلة الشبابية وما يرافق ذلك من متطلبات وتحديات وطموحات.

ويعكس ترتيب الدول العربية في تقرير التنافسية العالمية لسنة 2013 – 2014، الأوضاع التنموية سواء الاقتصادية أو الاجتماعية منها، وإلى حد كبير، الأوضاع المعرفية لما تتسم به من فجوات وتباينات، سواء فيما بينها من جهة أو بينها وبين سائر دول العالم من جهة أخرى؛ فمن أصل 148 دولة أدرجت ضمن تقرير التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، يتبيّن أن دول الخليج، احتلت مراتب متقدمة نسبيّا تعكس تقدمها الاقتصادي من جهة وتقدمها على محاور المعرفة من جهة ثانية.

يفيد مؤشر الابتكار العالمي للعام 2014 بوجود فجوة حادة في مؤشرات الابتكار ومؤشرات المعرفة ويتجلى ذلك بالخصوص في قيمة وترتيب وتطور مؤشرات “الابتكار العالمي” بالمنطقة العربية مقارنة بمناطق العالم الأخرى. كما يبيّن المؤشر التفاوت في الأداء في بعض مؤشرات المعرفة عبر البلدان العربية لفائدة بلدان الخليج ذات الاقتصاد النفطي.

وبناء عليه، فإن الدور الرئيس الذي يُمكن أن يضطلع به الشباب العربي في سبيل تقليص الهوة بين مجتمعاتهم والمجتمعات المتقدّمة معرفيا، كان أساس الرؤية المقترحة بهدف صياغة منظومة التحرك المطلوبة لإدماج الشباب في نقل وتوطين المعرفة بالمنطقة العربية التي عرضها التقرير.

ووفق تلك الرؤية، تم التوصل إلى جملة من الاستنتاجات المهمة مفادها أن التنمية الإنسانية وبناء مجتمع المعرفة في المنطقة العربية، يواجهان تحديات كبيرة أهمها التعامل مع “الفجوة المعرفية” وثانيها “الطفرة الشبابية” وما تنطوي عليه من أبعاد تتعلق بفرص العمل والبطالة وبناء القدرات.

أما التحدي الثالث فهو إصلاح “البيئات التمكينية الداعمة” بما تشمله من نظم التعليم والتدريب، وبما في ذلك الحريات بمفهومها الأوسع والنظم والقوانين الناظمة والحامية لعمليات الإدماج الفاعل للشباب العربي في عمليات نقل المعرفة وتوطينها.

وعلى الرغم من الإنجازات الحاصلة في بعض الدول، فإن الفجوة المعرفية التي تعاني منها المنطقة العربية بشكل عام، تتسم بغياب المحرك الرئيس الذي يسمح بالولوج إلى اقتصاد ومجتمع المعرفة لإحداث تنمية حقيقية.


التحديات وسبل التجاوز


تتنوع تحديات البيئات الحاضنة سواء في نوعها أو حجمها أو حدتها بين دولة عربية وأخرى، على أن السمة العامة هذه لتحديات تتمثل بشكل عام في ضعف مؤسسات بناء رأس المال البشري (بالأساس فئة الشباب) وعلى رأسها مؤسسات التعليم والتدريب والبحث العلمي، وتضخم القطاع العام الحكومي في التشغيل غير المنتج الهادر لطاقات الشباب، ناهيك عن قدرات الدولة المستندة على التوجهات الريعية المتبناة في معظم الدول العربية، وما يرافق ذلك من تأثير سلبي مضاعف على عمليات التنمية، وضعف القطاع الخاص الذي ينعكس بدوره على ضعف الصناعات التحويلية، وضعف قطاع ريادة الأعمال، وبطالة الشباب وهجرته أو نزيف العقول العربية، وأخيرا فجوة الحريات بمفهومها الأوسع المشتمل على ضعف المساءلة والشفافية وضعف حوكمة المؤسسات.

هذه التحديات تفرض على الدول العربية أن تتعامل مع مرتكزات المعرفة جميعها، وهو ما يوفر ويخلق فرص العمل والاندماج الفاعل للشباب. وتلعب الإصلاحات الضرورية لمؤسسات الإنتاج وبناء السياسات وتنمية الثقافة، دورا كبيرا كبيئات تمكينية حاضنة لكل هذه المتغيرات.
امتلاك الشباب العربي لمعارف العولمة ومهاراتها الطريق الأمثل لتحقيق أهداف دمجه في سيرورة نقل المعرفة وتوطينها

وقد أبرزت الثورة المعرفية التي يعيشها العالم اليوم أهمية رباعية المعرفة والشباب والتنمية والعولمة، وكشفت كذلك عن أهمية توطين المعرفة واستخدامها ودمج الشباب لضمان الفاعلية الإيجابية لعلاقات الارتباط بين أطراف هذه الرباعية، وهو ما يتطلّب اعتماد سياسات وصياغة استراتيجيات إدارة المعرفة وإدارة المؤسسات، وتأسيس نظم الحكم الرشيد والعدل الاجتماعي، إذ أنّ النجاح في بناء مجتمع المعرفة في المنطقة العربية، يكمن في مدى قدرة الدول الساعية إلى تحقيق هذا الهدف على بناء تنظيمات وآليات وشبكات لاستدامة نشر المعرفة المضمرة والصريحة، وبناء الشبكات وتقديم نماذج اقتصادية متقدمة.

ولا شكّ أنّ ثمة ضرورة أمام كل دول المنطقة العربية لإحداث التنمية الثقافية المستنيرة الداعمة للحداثة وطرق التفكير العلمي والنقد والإبداع، وكذلك بناء القواعد الاجتماعية والسياسية التي تمكن الشباب من توسيع فرص اختياراته واندماجه في الاقتصاد التنافسي العالمي، خاصة أن ذلك سيؤدي إلى استكمال مشروع النهضة الذي من دونه سيكون من الصعب بناء مجتمع المعرفة، وإنجاح عمليات نقل وتوطين المعرفة لتحقيق هذا الهدف.


فرصة تاريخية لبناء مجتمع المعرفة


تمر المنطقة العربية حاليا بمنعطف تاريخي تتمتع فيه بالثروة الشبابية إلى جانب الثروة المالية، وهو منعطف يتميز أيضا بتصاعد الثورة المعرفية والتكنولوجية التي يعيشها العالم المتقدم، والمتاحة بحكم الطبيعة العولمية للمعرفة والتي يمكن الوصول إليها إن توفرت الإرادة السياسية والمجتمعية الحقيقية، وبحكم طبيعة الواقع الليبرالي السائد في العالم على الرغم من وجود العديد من العوائق والمكبلات.

51.8مليون أمي في سن 15 عاما فما فوق في العالم العربي خلال سنة 2012، وفق اليونسكو

ويعني توفّر ثلاثية الثروة المالية والثروة الإنسانية-الشبابية والثورة المعرفية العالمية، أنّ فرصة العالم العربي لإحداث انطلاقته متاحة، لا بل مطلوبة وبقوة، وهي فرصة لتنتقل فيها دول المنطقة من اقتصاد ريعي تقليدي إلى اقتصادات المعرفة ومن طفرة شبابية إلى كنز ديموغرافي يستثمر في الشباب الفاعل اقتصاديا واجتماعيا بما يمتلكه من تجهيزات وفعاليات معرفية مبنية على أسس المعرفة والمهارة والقيم، لبناء إنسان عربي جديد في عالم جديد، ينعم بالحرية والعزة والرفاهية.

ويعتمد أيّ تحرك مستقبلي نحو تحقيق الاندماج الفاعل للشباب في عمليات نقل المعرفة وتوطينها على توفر عناصر رئيسة أربعة؛


* أولا:

تعزيز نظم تمكين الشباب العربي.


* ثانيا:

تقوية نظم توطين المعرفة بما في ذلك عمليات نقلها وإنتاجها وكذلك توظيفها بشكل ناجع لتعزيز التنمية الإنسانية.


* ثالثا:

توفير البيئات الحاضنة والداعمة لكل من العنصرين السابقين.


* رابعا:

توفير الآليات المطلوبة على أرض الواقع لتحقيق التفاعل الإيجابي بين النظم الثلاثة السابقة للتحرك الفاعل والمؤثر من جانب الشباب العربي لنقل المعرفة وتوطينها وتوظيفها، وصولا إلى الهدف الأسمى وهو بناء مجتمعات واقتصادات المعرفة وتحقيق التنمية الشاملة المستدامة في أرجاء المنطقة العربية.

ويتطلّب الإبحار في بحار المعرفة سفينة تمتلك بنية قوية وقاعدة متينة ومحركات تعمل بانتظام وشراعا يقودها إلى شواطئ التقدم والنهضة. وهو تشبيه مجازي يصور مسيرة المجتمعات العربية في غمرة التحديات المحلية والإقليمية والعالمية؛ أما بنية السفينة، فهي البيئات التمكينية القوية الحاضنة والداعمة لكل مفردات النهضة التي تتطلع إليها الدول العربية.

تواضع الأداء العربي لا ينفي إمكانية ردم الفجوة المعرفية

أمّا قاعدة السفينة فتمثّل منظومة البنى والعمليات والمؤسسات الأساسية لنقل المعرفة وتوطينها وتوظيفها، والتي يرتكز عليها شراع يمثله الشباب، وهم أيضا بمثابة الربان في هذا التصور المجازي، أمّا محركات السفينة فهي الآليات التي تمكن الشباب من المهارات والمعارف والقدرات المؤهلة في هذه السيرورة المعرفية.

ومن ثمة فإن سفينة المجتمعات العربية تمتلك ميزات تنافسية بفضل سواعد أبنائها الشباب وهي قادرة على الإبحار ومجابهة ومواجهة التحديات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتشق البحار بفضل المعرفة والإمكانات وتتوجه برؤى وسياسات واستراتيجيات سليمة وبناءة في مسارها بفضل ما يمتلكه أبناؤها الشباب من قدرات ومهارات.

سفينة قوية بجسمها وشراعها، وقاعدتها من نظم العلم والمعرفة والبحث والتطوير تحقّق الرخاء للإنسان في المنطقة العربية على مرتكزات المعرفة وأسس العدالة الاجتماعية.

وبذلك تعدّ الرؤية النقدية الإيجابية المتبناة في تقرير المعرفة العربي الثالث، دعوة ملحة إلى اغتنام الفرصة السانحة لدمج المعرفة والابتكار والتقدم التكنولوجي بوصفها رافعة للتنمية، مع التركيز على قطاع الشباب والأجيال الناشئة.

ومازالت الفرصة قائمة وقوية لإعداد الشباب وتكوينه ودمجه دمجا فاعلا في توطين المعرفة، والمساهمة في بناء التقدم. فالمعرفة هي الرافعة في بناء مجتمع جديد يسهم بفاعلية في حركة تقدم العالم في إطار العولمة الجديدة.

امتلاك الشباب معارف العولمة ومهاراتها وقيمها في إطار رؤية عربية للولوج إلى مجتمع المعرفة، هو الطريق الصحيح والأمثل لتحقيق أهداف دمج الشباب في سيرورة النقل والتوطين، بما يحقق تقدم دول المنطقة العربية باتجاه إرساء التنمية الإنسانية المستدامة القائمة على أسس المواطنة الإيجابية والعدالة الاجتماعية.

6