تقرير المناخ: أيام الحر الشديد ستزداد والأحوال الجوية ستصبح أكثر قسوة

السبت 2013/09/28
دول العالم الثالث الفقيرة الأكثر تضررا بتغيرات المناخ والاحتباس الحراري

لندن- زلازل قوية تفجر مناطق جديدة، أعاصير مدمّرة لا يمكن السيطرة عليها أمطار غزيرة تهدّد الغذاء وحرارة قاتلة ستسبّب الطوفان الكبير نتيجة ذوبان الجليد وستؤدّي إلى فناء جزء كبير من المخلوقات على كوكب الأرض؛ هذا ليس مشهدا من فيلم نهاية العالم «2012»، أو سيناريو فيلم قادم لمخرج الخيال العلمي، ستيفن سبيلبرغ، بل هي الصورة التي يرسمها علماء الجيولوجيا والمناخ حول مستقبل البشرية في السنوات المقبلة في ظل تفاقم الأزمات المناخية نتيجة الاحتباس الحراري.

وسط كرة اللهيب المشتعلة على طول المنطقة من الشرق الأوسط إلى أدغال أفريقيا، وفي ظلّ اهتمام الخبراء بدراسة تداعيات الحرب الباردة الدائرة في المحيط الهادئ بين القوى الآسيوية، وفي قمّة الحرب العالمية على الإرهاب، تتعالى أصوات علماء الطبيعة محذّرة من «إرهاب» جديد يهدّد البشرية، هو «إرهاب» المناخ الذي سيزيد من الحروب ويفاقم الصراعات ويوسّع الهوّة بين الدول الغنية والدول الفقيرة. حالة الطوارئ أعلن عنها مؤخّرا، في العاصمة السويدية، ستوكهولم، علماء ومسؤولون حكوميون من أكثر من مئة دولة اجتمعوا لتدارس التداعيات السلبية لظاهرة الاحتباس الحراري، وضمّنوا ملاحظاتهم في تقرير من ثلاثين صفحة تحت عنوان «التغير المناخي 2013: أساس العلم الفيزيائي».


أسوأ السيناريوهات


بدأت التغيرات المناخية تلامس أسوأ السيناريوهات، وفق ما أفاد به خبراء المناخ في الهيئة الحكومية الدولية الأممية. ووجّه التقرير أصابع الاتهام إلى الإنسان، مشيرا إلى أنه مذنب بنسبة عن 95 في المئة في التسبب في ارتفاع درجات الحرارة منذ منتصف القرن العشرين.

أعّد مئات العلماء تقرير الأمم المتحدة حول الاحتباس الحراري وراجعه مسؤولون حكوميون من أكثر من مئة دولة. ويركز التقرير على تغير درجات الحرارة وارتفاع مستوى المياه في البحار وذوبان أنهار الجليد، وكذلك تأثير العنصر البشري.

وهذا التقرير هو الأول من ثلاثة يتم الإعداد لها من جانب مجموعات عمل في اللجنة الحكومية بشأن التغير الحكومي (آي بي سي سي). ومن المقرر أن تعد المجموعات الأخرى باللجنة تقريرا بشأن آثار التغير المناخي وإجراءات تقليل الظاهرة. وسيتم جمع التقارير الثلاثة في تقرير شامل يصدر في أكتوبر- تشرين الأول عام 2014. وسيتم استخدام نتائج التقرير أيضا في المفاوضات الدولية بشأن المناخ.

ارتفاع حرارة الأرض

مع استمرار المستويات الراهنة المرتفعة لغازات الاحتباس الحراري يقدّر الخبراء ارتفاع حرارة الأرض بين 0,3 درجات في أفضل الحالات، و4,8 درجات في أسوأ التقديرات، مقارنة بالمعدل الوسطي المسجل لدرجات الحرارة بين العامين 1986 و2005.

ويرتبط هذا التباين في التقديرات أساسا بكميات غازات الدفيئة المنبعثة في الجو في العقود المقبلة. قد ارتفعت حرارة الأرض بحوالي 0,8 درجة مئوية منذ الحقبة ما قبل الصناعية.

ووحده الاحتمال المتفائل، أن ترتفع الحرارة 0,3 درجة فقط، يتيح احتواء الارتفاع في حرارة الأرض عند مستوى درجتين مئويتين مقارنة مع الحقبة ما قبل الصناعية. وهو الهدف الذي ينوي المجتمع الدولي تحقيقه.

وهذا الارتفاع المبالغ فيه في حرارة الكوكب سيؤدي إلى تغييرات خطيرة على النظام الأيكولوجي لكوكب الأرض، حيث يتوقع الخبراء أن يؤدي ارتفاع حرارة الأرض إلى ظواهر مناخية قاسية غير قادرين تماما على تحديد ملامحها. وتوقع التقرير المزيد من الموجات الحارة والجفاف والفيضانات وارتفاع تدريجي لمنسوب مياه البحار مالم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف انبعاث الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري.

وزيادة حرارة الأرض 4 درجات مئوية عن معدلات ما قبل الثورة الصناعية يمكن أن يهدد إمدادات المياه لنصف سكان الكرة الأرضية ويتسبب في إبادة نصف أنواع الكائنات الحية من نبات وحيوان ويغرق الشواطئ الواطئة ويتسبب في اندلاع حرب كونية مدمّرة، سلاحها الأساسي المياه ومصادر الغذاء، خاصة بعد استنزاف الثروات الغذائية البحرية وارتفاع نسبة التصحّر نتيجة الجفاف وتأثر الزراعة بالغازات الملوثة في الجو.

وقد يؤثّر ارتفاع درجة الحرارة نتيجة للاحتباس على تعاقب الفصول الأربعة الطبيعي، كما أنه من المحتمل أن يعيش البشر بعد عشرين سنة من الآن فصلين فقط، وهما الصيف والشتاء.

وبحسب توماس ستوكر، نائب رئيس الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، فإن «موجات الحر قد ترتفع وتيرتها، وقد تكون أطول.. ومع احترار الأرض، نتوقع أن تصبح المناطق الرطبة حاليا أشد رطوبة بسبب تساقط الأمطار، والمناطق الجافة أكثر جفافا بسبب احتباس الأمطار عنها، رغم بعض الاستثناءات».

ورفعت هيئة الخبراء توقعاتها لارتفاع مستوى مياه البحر الذي سيكون بين 26 و82 سنتمترا بحلول العام 2100 على ما جاء في التقييم العلمي الجديد لظاهرة التغير المناخي. واعتبرت الهيئة أنه «بات من المرجح كثيرا جدا» أن يكون التأثير البشري هو السبب الرئيسي للاحترار المناخي المسجل منذ منتصف القرن العشرين أي بنسبة يقين 95 ٪ بحسب المصطلحات الدقيقة جدا للتقرير؛ وكان هذا اليقين بنسبة 90 ٪ في تقرير الهيئة الأخير الذي صدر سنة 2007.

ناقوس الخطر

دراسات متخصّصة عديدة، دقّت منذ سنوات ناقوس الخطر، وحذّرت من أن الظواهر المناخية الطارئة نتيجة الاحتباس الحراري تهدّد بفناء ما بين 15 ٪ و37 ٪ من المخلوقات بحلول عام 2050 مع تقدير متوسط يبلغ 24 ٪ منها أي ما يربو عن مليون نوع. فيما أشارت دراسات أخرى إلى أن تغير المناخ يجعل المحيطات أكثر حمضية في اتجاه قد يعرض كل شيء للخطر من المحار إلى المرجان وهو أمر يتعذر إزالته لآلاف السنين.

وفسّر، كريس توماس، أستاذ علوم حماية الأحياء بجامعة ليدز في إنكلترا، في دراسة نشرت في مجلة «نيتشر» أن الانبعاثات الناجمة عن عوادم السيارات والمصانع يمكن أن ترفع الحرارة مع نهاية القرن إلى مستويات لم تشهدها الأرض في فترة تتراوح بين مليون و30 مليون سنة مما يشكل تهديدا للعديد من المحميات، داعيا إلى الاستعانة بتكنولوجيا جديدة ونظيفة لتوليد الطاقة.

وحذّر العلماء من أنه إذا لم يتم التحرك لمواجهة هذا الخطر وتفعيل اتفاقية «كيوتو» للحد من الانبعاث المسببة للاحتباس الحراري ستحدث تلك الزيادة الكارثية في درجات الحرارة ما بين عامي 2050 و2060، في ظاهرة ستمثل واحدة من أكبر حالات الاندثار الجماعي منذ انقراض الديناصورات.

وعلقت كريستينا فيغيرس المسؤولة عن شؤون المناخ في الأمم المتحدة «نعلم أن الجهود الرامية إلى الحد من الاحترار ليست كافية للحد من ارتفاع انبعاثات» غازات الدفيئة، وأهمها غاز ثاني اكسيد الكربون الناتج بشكل أساسي عن النشاط الصناعي.

الدول العربية أكبر المتأثرين بالتغيير المناخي
لندن- بات التغيير المناخي يشدّ الاهتمام العالمي، بل إنه في بعض الدول الغربية أصبح جزءا من البرامج الانتخابية. وأصبح الاحتباس الحراري قضية تمس الأمن القومي العالمي وهو ملف من ضمن ملفات مجلس الأمن الدولي والمنظّمات العالمية المعنية بالصراعات الدولية.

اللافت للأمر، أنه رغم هذا الاهتمام العالمي، لاتزال هذه القضية بعيدة عن اهتمام السياسي العربي، رغم أن المنطقة العربية تأتي في قلب هذه الأزمة. وبخلاف بعض المشاريع الطموحة حول الطاقة الخضراء في دولة الإمارات العربية المتحدة أو مشاريع الطاقة الشمسية في المملكة المغربية، نادرا ما نسمع عن مشروع أو نشاط عربي يجلب الاهتمام في هذا السياق.

وقد حذرت تقارير علمية وبيئية عديدة من أن الدول العربية ستكون واحدة من أكثر المناطق تأثرا بظاهرة الاحتباس الحراري، خاصة وأنها ضمن دول العالم الأكثر افتقارا إلى المياه.

وتشير التقارير إلى أن المنطقة العربية ستخسر بحلول منتصف هذا القرن 10 في المئة من مواردها المائية.

وأشارت تقارير اقتصادية إلى أن ظاهرة الاحتباس الحراري بمعدلاتها الحالية كلفت الدول العربية خسائر بقيمة 12 مليار دولار في السنوات الثلاثين الماضية. ويهدد التلوث والجفاف بتحويل مدن عدة في المنطقة إلى مدن غير صالحة للعيش، إذ سترتفع حرارة الدول العربية ست درجات في نهاية القرن الحالي.

وذكر تقرير دولي أن التغير المناخي قد يشعل «حروبا بيئية» في الشرق الأوسط بشأن موارد المياه.

وفي قائمة أكثر 12 دولة مهددة بخطر الجفاف، جاءت موريتانيا في المركز السابع، ثم السودان في المركز التاسع، كما ضمت قائمة الدول المهددة بخطر ارتفاع منسوب مياه البحر، كل من مصر في المركز الثالث، تلتها تونس في المركز الرابع، ثم موريتانيا في المرتبة السادسة، وليبيا في المركز الـ12.

وحذر البنك الدولي من أن الأحوال الجوية الأكثر حدة ستصبح الأمر «الطبيعي الجديد» إذا ارتفعت درجات الحرارة بمقدار أربع درجات. وأوضح أن موجات الحر الشديد قد تدمر مناطق تمتد من الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة في الوقت الذي يمكن أن ترتفع مستويات مياه البحر 91 سنتيمترا، وتغرق مدنا في دول مثل فيتنام وبنغلادش.

وأضافت «من أجل الخروج بالبشرية من دائرة الخطر، ينبغي على الحكومات أن تتخذ إجراءات فورية وأن تتوصل إلى اتفاق في العام 2015» في الاجتماع الأممي المقرر عقده في باريس.

وتهدف اتفاقية «كيوتو» إلى تقييد انبعاث غازات ثاني أكسيد الكربون ولكي تصبح سارية المفعول تتطلّب مصادقة الدول المسئولة عن 55 بالمئة من هذه الانبعاثات. وقد وقّعت حتى الآن دول يبلغ مجموع نصيبها من الانبعاث 44 بالمئة ولا يمكن بلوغ نسبة 55 بالمئة دون توقيع روسيا المسؤولة وحدها عن17 بالمئة من هذه الغازات بعد أن انسحبت الولايات المتحدة المسؤولة عن 36 بالمئة منها عام 2001 بحجة أنها مكلفة للغاية وأنها استثنت عن غير حق الدول الفقيرة.

صراعات وحروب

كشفت دراسة، نشرت في عدد شهر أغسطس الماضي من دورية العلوم الأميركية، أن ظاهرة الاحتباس الحراري الحالية يمكن أن تزيد من الصراعات بحلول منتصف القرن الحالي. ووجد الباحثون أن الارتباط بين الصراعات والتغيرات المناخية في الماضي، يمكن أن تشكل دليلا على أن خطر الصراعات بين المجموعات في العالم قد يتضخّم بنسبة 50 في المئة بحلول عام 2050.

ونقلت شبكة «سي ان ان» عن المشرف على الدراسة الباحث في جامعة كاليفورنيا، سولومون هسيانغ، قوله إن هذا الارتباط «يغير كيفية تفكيرنا حول قيمة تفادي التغير المناخي، ويجعلنا نتخذ خطوات في كيفية الاستثمار لتجنب الاحتباس الحراري».

أظهرت الدراسة التي عمد هسيانغ وفريقه إلى التعمق من خلالها في الأبحاث حول الحضارات منذ 10 آلاف سنة قبل الميلاد، أن ارتفاع الحرارة يرتبط بالسلوكيات العدائية غير المؤذية، والسلوكيات العدائية الجدية مثل العنف المنزلي، والاعتداء، والاغتصاب. كذلك، أشارت الدارسة إلى أن عناصر الشرطة تستخدم القوة بشكل أكبر بسبب زيادة الحرارة.

وكشفت دراسة للعالم الجيولوجي المصري خالد عودة أن العالم سيشهد في الفترة القادمة تغيرات مناخية ستهز العالم على الصعيدين الاقتصادي والسياسي حيث ستؤدي ظاهرة الاحتباس الحراري إلى اختلال بيني كبير، فالمدن الساحلية والدول الساحلية ذات الأراضي المنخفضة عن سطح البحر، ومناطق الدلتا وكثير من الجزر بالمحيط الهادئ والأطلسي والهندي مهدّدة بالغرق مع ارتفاع مستويات البحار، أما المناطق القريبة من خط الاستواء فقد تصبح صحاري تستحيل الحياة فيها.

ومن مخاطر الاحتباس الحراري أيضا تطوّر قوة العواصف والأعاصير المدمرة نتيجة زيادة درجة حرارة سطح البحر، إضافة إلى ضربها أماكن لم تكن تضربها من قبل، وتكونها في أماكن لم تتكون فيها قبلا، ويؤكد العلماء استحالة صد الأعاصير أو تغيير مسارها أو تفاديها حين تتشكل.

وقد نُسبت شدة إعصار كاترينا الذي ضرب الولايات المتحدة في 2005، في جزء كبير منها، إلى ارتفاع درجة حرارة المياه في خليج المكسيك. وفي واحدة من تطورات تغير التضاريس، انفصلت في عام 2008 قطعة مساحتها 160 ميلا مربعا عن ساحل أنتاركتيكا بعد أن ذابت تماما الثلوج التي تربطها بأنتاركتيكا؛ فيما أشارت تقارير دولية إلى أن درجات الحرارة القياسية التي سجّلت على مدى العقد بين 1999- 2009 تسبّبت في وفاة آلاف الأشخاص.

كما يؤدي الاحتباس الحراري إلى أضرار صحية وظهور أمراض جديدة بسبب زيادة نسبة الغازات السامة في الجو والتي تضر بالإنسان والحيوان والنبات. ويجمع العلماء عدم معرفتهم بالخطورة الكاملة للتغيرات المناخية، ولكن الإشارات تحذر من إمكانية حدوث كوارث.

وتؤكد عديد الدراسات أن سقوط الأمطار قد ينخفض هذا القرن بمقدار الخمس أو أكثر في جزء من أفريقيا وأميركا الوسطى والبحر الأبيض المتوسط وساحل أستراليا.

وتذكر دراسة صادرة عن مكتب الأرصاد الجوية بمركز هادلي في بريطانيا، أن «التغييرات الطارئة على البحر الأبيض المتوسط إشارة واضحة ومتسقة على حدوث جفاف شديد في كل النماذج التي نقوم بها تقريبا».

وانخفاض بنسبة 20 بالمئة أو أكثر في معدل هطول الأمطار سيزيد من خطورة أزمة المياه، وسيؤدي إلى هلاك المليارات بسبب العطش، خاصة مع تضاعف عدد سكان الأرض، ودخول المياه مجال الصراعات والحسابات السياسية والاستراتيجية.

المناخ أكبر خطر على أسعار الغذاء

تؤثر التغيرات المناخية وغزارة الأمطار على الإنتاج الزراعي وبالتالي على أسعار المواد الغذائية، والتي تؤثر بدورها في مشكلة الأمن الغذائي، خاصة في دول العالم الثالث، ويؤدي الاختلال في ميزان العرض والطلب وتأثر دول كثيرة بهذه التغيرات إلى الصراعات حول مصادر الغذاء.

تشير المعطيات العلمية إلى أن ظاهرة الاحتباس الحراري وما ينجم عنها من دمار قد تتأثر به مساحات شاسعة من شمال أوروبا وجزء كبير من أميركا وقد يقود ذلك إلى سعي هذه الدول إلى الحصول على مواقع بديلة وثرية بالموارد في مناطق أخرى في العالم، لتخلق التغيرات المناخية «استعمارا» جديدا وخاصة في دول العالم الثالث التي تعتبر المناطق الأكثر تضررا.

الحلول لتجنب الكارثة


يشير الموقع الخاص بمشكلة التغيير المناخي التابع للأمم المتّحدة أن هذه الظاهرة بدأت تتشكّل في القرن التاسع عشر وبدأ العلماء يلاحظون أن تراكم غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي للأرض يمكن أن يؤدي إلى حدوث «ظاهرة الدفيئة» وارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض. وبدأت بالفعل عملية ملموسة في هذا الاتجاه وهي أحد الآثار الجانبية لعصر التصنيع وما نتج عنه من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون وغيره من الغازات الدفيئة.

وبحلول منتصف القرن العشرين، زاد النشاط البشري من انبعاث هذه الغازات إلى حد كبير، وأخذت عملية «الاحترار العالمي» في التسارع. واليوم، يتفق كل العلماء تقريبا على أننا أمام خيارين: إما أن نوقف هذه العملية ونعكس مسارها أو أن نواجه موجات متتابعة من الكوارث الطبيعية المدمرة التي ستغير الحياة على وجه الأرض كما ألفناها.

الأرقام والإحصاءات والمؤشرات لا تعطي صورا متفائلة أو مبشرة بواقع قضية الاحتباس الحراري على مستوى العالم.. لكن الصورة المخيفة التي نقلها العلماء عن مستقبل الأرض، يمكن تجنّبها، إذا ما تم وضع استراتيجيات للتكيف بفعالية مع تأثير تغير المناخ، ودفع التنمية المستدامة والعمل على الحد من انبعاث الغازات الملوثة للجو بشكل حاسم.

وتقول الأمم المتحدة في تقارير حول التغيرات المناخية إنه يمكن أن يؤدي التبكير باتخاذ تدابير لتحسين التنبؤات المناخية الموسمية والأمن الغذائي وإمدادات المياه العذبة والاستجابة في حالات الكوارث والطوارئ ونظم الإنذار المبكر بالمجاعات والتغطية التأمينية إلى الإقلال إلى أدنى حد من الضرر الذي ينجم عن تغير المناخ.

وأظهرت دراسات عديدة، من بينها دراسة نشرت في مجلّة «نيتشر» في يناير الماضي، أنه يمكن تجنب كثير من الآثار المدمرة للتغير المناخي ما بين 20 و65 في المئة من الآثار السلبية بحلول نهاية القرن.وقال نجيل أرنيل، مدير معهد ووكر بجامعة ريدينغ: «إن بحثنا يحدد بشكل واضح مزايا خفض انبعاثات الغازات الحبيسة وتقليل الآثار المدمرة للفيضانات وإتلاف المحاصيل بشكل خاص». يذكر أن حكومات العالم حثت في عام 2010 على الحد من الانبعاثات للحيلولة دون ارتفاع درجات الحرارة أكثر من درجتين مئويتين، ولكن المستويات المستهدفة حاليا للحد من الانبعاثات يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع الحرارة بواقع أربع درجات مئوية أو أكثر بحلول 2100.

وتوصلت الدراسة إلى أنه يمكن تخفيف الآثار السلبية، مثل تراجع إنتاج المحاصيل الزراعية والتعرض لفيضانات الأنهار، بما يتراوح بين 40 و65 في المئة بحلول 2100 إذا تم الحرص على عدم تجاوز ارتفاع درجات الحرارة درجتين مئويتين فقط. وأضافت أنه يمكن خفض متوسط الارتفاع العالمي في منسوب مياه البحار إلى 30 سنتيمترا بحلول 2100 بالمقارنة بما بين 47 و55 سنتيمترا.

واتفقت نحو 200 حكومة على صياغة معاهدة تحت رعاية الأمم المتحدة بنهاية 2015 لمكافحة ارتفاع درجة حرارة اليابسة من خلال التحول من استخدام الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة وعوامل أخرى.

6