تقرير خاشقجي يخلق أزمة ثقة بين السعودية وإدارة بايدن

الضغط على السعودية قد يقودها إلى التمسك بمسار تعدد الشركاء والاعتماد على الذات.
الأحد 2021/02/28
ورقة خاشقجي للضغط على السعودية

تشهد العلاقات السعودية الأميركية أزمة ثقة بعد إفراج الاستخبارات الأميركية عن تقريرها بشأن مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي واتهامها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وهو ما قد يعجّل بتصاعد حملة الضغط الأميركية على الرياض التي ستتمسك في مواجهة ذلك بمسار تعدد الشركاء والاعتماد على الذات.

واشنطن - سرّع إفراج الاستخبارات الأميركية عن تقريرها بشأن مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي واتهامها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بتصاعد التكهنات حول تغيرات ستطرأ على العلاقة بين واشنطن والرياض. ويبدو أن البلدين سيصبحان أكثر تحفظا في تعميق علاقاتهما الاستراتيجية وأكثر انتقادا لخلافات بعضهما البعض مع تراجع الدوافع التي تجمعهما.

ويرجّح مراقبون أن يستمر البيت الأبيض في محاولات الضغط على السعودية للانخراط في سياسة خارجية أكثر هدوءا، مع التركيز على توظيف موضوع حقوق الإنسان في الحوار مع الرياض. وسيتعارض هذا الضغط بلا شك مع العديد من مستلزمات المملكة التي ترفض التدخل في شؤونها الداخلية، مما يؤدي إلى مقاومة من جانب الرياض واضطراب في العلاقات طويلة الأمد بين الولايات المتحدة والسعودية.

وأصبح وليّ العهد السعودي نقطة جذب لانتقادات الولايات المتحدة للمملكة منذ اغتيال الصحافي جمال خاشقجي. لكن العديد من القضايا الأخرى كانت تغيّر المشاعر الأميركية السياسية ضد المملكة لفترة أطول، بما في ذلك المخاوف بشأن البرنامج النووي السعودي، وملف حقوق الإنسان بالرغم من الخطوات التي تم قطعها فيه سواء ما يخص وضع المرأة أو التشريعات الخاصة بقوانين القضاء.

وقلّلت إدارات متعددة من العلاقة الاستراتيجية الوثيقة مع المملكة العربية السعودية، بحجّة تراجع الحاجة إلى النفط السعودي، وكلل الأميركيين من صراعات الشرق الأوسط، والرغبة العالمية في تركيز موارد الولايات المتحدة على منافسيها من القوى العظمى (الصين وروسيا).

وفي عهد باراك أوباما، أكدت الولايات المتحدة علنا أنها ستنتقل من الشرق الأوسط نحو آسيا لمواجهة الصين الصاعدة، وحثت الحلفاء الإقليميين على أن يتولوا مسؤولية أمنهم. كما تصادم أوباما مع المملكة العربية السعودية بشأن توقيع الاتفاق النووي الإيراني، الذي عارضته الرياض بشدة لفشله في معالجة مخاوفها بشأن السياسات الخارجية الإيرانية الأخرى.

ثم أقام الرئيس دونالد ترامب علاقة شخصية وثيقة مع الأمير محمد بن سلمان، سعى خلالها لإبرام صفقات أسلحة رفيعة المستوى بينما منع محاولات الكونغرس لوقف مبيعات الأسلحة وغيرها من أشكال التعاون الأخرى مع المملكة العربية السعودية.

صعود ولي العهد إلى العرش قد يؤدي إلى تفاقم التوترات مع واشنطن، لاسيما إذا كان سيدفع نحو عودة السعودية إلى مسار يسعى للتحرر من الحماية الأميركية

ومع ذلك، أدت المخاوف من الانجرار إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط إلى تقييد ردّ إدارة ترامب العسكري على الهجمات المرتبطة بإيران على الأراضي السعودية في السنوات الأخيرة، بما في ذلك ضربات 2019 ضد منشآت النفط التابعة لشركة أرامكو في بقيق وخريص التي انطلقت من إيران، إلى جانب هجمات الحوثيين في اليمن على المدن السعودية والبنية التحتية.

محليا، ساعد تقدّم الولايات المتحدة على مستوى مصادر الطاقة البديلة وزيادة إنتاج النفط الصخري في تقليل الحساسية الاقتصادية والسياسية الأميركية لأمن النفط في المملكة العربية السعودية.

وستكون إدارة بايدن أكثر صراحة في انتقادها لقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وسياسات المملكة الداخلية والخارجية التي قد تقوّض حقوق الإنسان كما تراها الولايات المتحدة. ولأسباب تشمل نفوذ السعودية الاقتصادي في الولايات المتحدة، من غير المرجح أن تشعر الرياض بحاجة ملحة للاستجابة لتغييرات في السياسة تتجاوز الاسترضاء الرمزي.

وبينما تركز الولايات المتحدة على معايرة سياساتها، من غير المرجّح أن تخاطر بعلاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية الجوهرية مع السعودية بمحاولة تجاوز الضغوط الخطابية والدبلوماسية على المملكة لتعديل سلوكها. وستكون السعودية، المدعومة بقاعدة محلية قومية متنامية، منفتحة على تغيير بعض السياسات والانخراط في تنازلات رمزية بشأن قضايا مثل حقوق الإنسان، لكنها لن تسمح للضغط الأجنبي بتحديد أجندتها السياسية الشاملة.

وتبقى سياسة السعودية الداخلية مرنة في مواجهة الضغوط الخارجية، بسبب نسيجها الداخلي المتماسك حول السلطة كرؤية دينية ونظام حكم وخاصة النظام الاجتماعي الذي وفر الرفاهة للناس. وتاريخيا، صعّب الهيكل القبلي والعائلي الضيق في المملكة على الغرباء التدخل في البلاد. كما أدى المد المتصاعد من القومية السعودية إلى جعل المواطنين العاديين أكثر حذرا من النفوذ الأجنبي.

وفي 2015، قدّرت وزارة التجارة في الولايات المتحدة توفّر 165 ألف وظيفة أميركية بفضل الصادرات إلى المملكة العربية السعودية. وقد بلغ استثمار المملكة الأجنبي المباشر إلى الولايات المتحدة 13.2 مليار دولار في 2019، مع توظيف 8.500 عامل في الشركات المملوكة للسعودية. كما أن لصندوق الاستثمارات العامة السعودي حوالي 12.8 مليار دولار من الأسهم الأميركية اعتبارا من فبراير 2021.

وقد يؤدي صعود وليّ العهد المحتمل إلى العرش إلى تفاقم التوترات مع واشنطن، لاسيما إذا كان سيدفع نحو عودة السعودية إلى مسار يسعى للتحرر من الحماية الأميركية وبناء منظومة للاعتماد على الذات اقتصاديا وعسكريا، حيث يعدّ الملك سلمان وأنصاره المقربون بمثابة “الضوابط والموازين” لنفوذ وليّ العهد وسياساته، الذي يدير الكثير من الشؤون اليومية في المملكة.

وتعتمد خطة رؤية 2030 في المملكة العربية السعودية جزئيا على الاستثمار الأجنبي للمساعدة في تحقيق أهداف التنمية في السياحة والبناء والتصنيع وخطط التنويع الأخرى. وقد أعاقت المخاطر المستمرة على سمعة بعض الشركات الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة، وهو أمر أدى اغتيال خاشقجي إلى تفاقمه.

وفي 2019، فشلت المملكة في تحقيق هدفها للاستثمار الأجنبي المباشر البالغ 10 مليارات دولار، إذ لم تحقق سوى 4.6 مليار دولار، رغم تقدّم رتبة السعودية في تقرير سهولة ممارسة الأعمال التجارية الصادر عن البنك الدولي في 2020.

4