تقرير دائرة المحاسبات وتخريب الترويكا للدولة التونسية

الجمعة 2016/02/19

تعتبر دائرة المحاسبات من المؤسسات الدستورية العريقة في تونس. فلقد نصّ الفصل 57 من دستور 1 يونيو 1959 على إحداث “دائرة المحاسبات” كهيئة مكوّنة لمجلس الدولة إلى جانب “المحكمة الإدارية” وكلّفها بمراجعة حسابات الدولة وبإعداد تقرير في هذا الشأن وأقرّ لها سلطة واسعة.

فالدائرة تختص بالنظر في حسابات وتصرف الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات والمنشآت العمومية وجميع الهيئات مهما كانت تسميتها، والتي تساهم الدولة أو البلديات أو المحافظات في رأس مالها. كما تقوم بتقدير نتائج الإعانة الاقتصاديّة أو الماليّة التي تمنحها الهياكل المذكورة آنفا للجمعيات والتعاونيات والمؤسسات والهيئات الخاصة مهما كانت تسميتها. وفضلا عن ذلك تباشر الدائرة المراقبة على أموال الأحزاب السياسيّة، كما يمكنها إنجاز مهمات لمراقبة حسابات هيئات أو منظمات دولية.

ولقد كانت الحقائق مهولة في التقرير الذي قدمته دائرة المحاسبات الثلاثاء 16 فبراير 2016 في اللقاء الصحافي الذي نظمته لعرض تقريرها السنوي التاسع والعشرين والتقرير عن غلق ميزانية الدولة للتصرّف لسنة 2013 التي عرفت قانون مالية أصليا، وقانونا ماليا تكميليا في ظل نظام الترويكا بقيادة حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة.

وللتذكير فلقد عرفت سنة 2013 حكومتين الأولى ترأسها النهضوي حمادي الجبالي الذي استقال في فبراير 2013 بعد اغتيال الشهيد شكري بلعيد، والثانية ترأسها علي العريض وزير الداخلية في حكومة الجبالي.

تضمن التقرير 3 أجزاء وملاحق وردودا من قبل وزارة المالية. وقد تعلق الجزء الأول بملخص تنفيذ ميزانية الدولة لسنة 2013. فيما كان موضوع الجزء الثاني حول تحليل تنفيذ عمليات الميزانية للتصرف لسنة 2013. أما الثالث فكان تحليلا لموارد ميزانية الدولة ونفقاتها ولميزانيات المؤسسات العمومية الملحقة ميزانياتها ترتيبيا بميزانية الدولة والمراكز الدبلوماسية والقنصلية بالخارج والصناديق الخاصة.

ومن خلاصات التقرير عدم إدراج الحجم الحقيقي للموارد والنفقات وهو ما يقلل من قيمة إيرادات السنة ونفقاتها للميزانية ويحد من مصداقية النتائج التي ينتهي تنفيذ الميزانية للسنة المعنية. والمثال على ذلك الترخيص في إجراء تحويل بمبلغ 1000 مليون دينار تونسي من الرصيد المتبقي لدى البنك المركزي التونسي بعنوان التفويت في قسط من رأس مال شركة اتصالات تونس لفائدة موارد ميزانية الدولة. غير أنّ حساب سنة 2013 والوثائق المصاحبة له لا يتضمن مبالغ بهذا العنوان. وهو ما يتعارض مع مقتضيات الشفافية ومبادئ الميزانية المنصوص عليها بالقانون الأساسي للميزانية.

من جهة أخرى لم يتمّ بالنسبة إلى تصرف 2013 تضمين الميزانية إيرادات ظلّت مسجّلة بحسابات انتظار لدى أمين المال العام. وبلغ فائض المقابيض على المصاريف في موفى سنة 2013، 14.6 مليون دينار تونسي. وفي خصوص النفقات بيّن التقرير أن المبلغ المدرج بالحساب العام ومشروع غلق ميزانية التصرف لسنة 2013 لا يعكس الحجم الحقيقي للمصاريف المنجزة.

وكشف التقرير أنه تم إدراج اعتماد بميزانية 2012 قدره 120 مليون دينار لتسوية الديون المتخلدة للإدارة. ولكنه لاحظ أن الحساب العام لسنة 2013 لم يتضمن معطيات بخصوص متخلدات للإدارة والسنوات التي ترجع إليها والوزارات التي تعهدت بهذه الديون. واستخلص التقرير أنّ هذه الديون المتخلدة تشكل تجاوزا للاعتمادات المرخص فيها بالنسبة إلى السنوات التي تعود إليها هذه المتخلدات.

وبين التقرير أنه لم يتم الإفصاح عن جملة من المعطيات ذات الصلة بتنفيذ الميزانية في ما يتعلق بالموارد الجبائية وبحجم مستحقات الدولة بعنوان مرابيح المؤسسات والمنشآت العمومية، وبالعدد الجملي للانتدابات المرخص فيها، والعدد الجملي للانتدابات الفعلية، وبعمليات القبض والصرف وغيرها من الإخلالات.

وبيّن التقرير أن نسبة الضغط الجبائي الموجه إلى الطبقات الشعبية والفئات العاملة قد ارتفع بنسبة 21.24 بالمئة وأن عجز الميزانية تفاقم ليبلغ 6.8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي وهو مستوى قياسي لم تعرفه تونس طيلة تاريخها. كما تواصل في نفس السنة ارتفاع نسبة الدين العمومي ليصل إلى 45.7 بالمئة. وتراجع النموّ إلى مستوى 2.3 بالمئة.

كما أشار تقرير دائرة المحاسبات في باب غلق ميزانية الدولة لسنة 2013 والنتائج الأولية لسنتي 2014 و2015 إلى أن المؤشرات الاقتصادية لم تشهد تحسنا، بل تفاقم بعضها على غرار حجم تداين تونس الذي تفاقم بشكل غير مسبوق ليمر من 45.8 بالمئة سنة 2013 إلى 52.9 بالمئة سنة 2015. وهذا الانحدار المستمر ناتج عن الإعاقة الكبيرة التي طالت ميزانية الدولة بسبب سوء تصرف حكومة الترويكا في موارد الدولة وفي الإنفاق العام.

ومن خلال التقرير يتضح أن حكومة الترويكا عجزت عن تنمية مداخيلها بسبب فشلها في حلّ مشاكل الحوض المنجمي أحد أهم ممولي الميزانية. ولذلك استمر تعطيل إنتاج الفسفاط ونقله وتحويله أشهرا متتالية. كما شهدت المؤسسات البترولية في قابس والصخيرة خاصة تذبذبا في الإنتاج مما هدد تغطية السوق المحلية إلى الوقود والغاز الطبيعي في أكثر من مناسبة.

الشيء نفسه تعلق بالمنتوجات الفلاحية لا سيما إنتاج الحليب واللحوم. فلقد تعرضت هذه القطاعات إلى مشاكل في الترويج والخزن رغم توفر الإنتاج. وهو ما دعا الحكومة إلى الالتجاء إلى الحلول السهلة المتمثلة في التوريد. ولكنّ ذلك خلق مشاكل تمثلت في مزاحمة المنتوجات المستوردة للمنتوجات المحلية من جهة، وفي تبديد مخزون الدولة من العملة الأجنبية من جهة أخرى.

ومن الإخلالات الكبرى التي سجلها التقرير ما تعلق بالتصرف في الأعوان لا سيما المستشارين والمكلفين بمأمورية في دواوين بعض وزراء الترويكا. فلقد شابت هذه العمليات شوائب كثيرة نتجت عنها شبهات تبديد للمال العام بما يرقى إلى درجة الفساد.

لقد كان تقرير دائرة المحاسبات مكثفا ودقيقا كعادته. وكشف عن حجم الإخلالات التي شابت ممارسة الحكم وتسيير دواليب الدولة من قبل حكومتي الترويكا. والتقرير كاف لتحفيز المكلف العام لنزاعات الدولة لإثارة دعاو قضائية لاستخلاص حق الشعب التونسي في أمواله وممتلكاته.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

9