تقلص عائدات النفط يفجر صراع مصالح في طرابلس

فايز السراج يرفض سياسات الصديق الكبير المالية لضمان الإنفاق على الحرب.
الجمعة 2020/04/10
صراع علني

تونس - أدى إيقاف قبائل شرق وجنوب ليبيا لتصدير النفط احتجاجا على استخدام حكومة طرابلس لعائداته في تمويل الميليشيات، التي تقاتل الجيش على تخوم العاصمة، إلى تقليص العائدات التي كانت تصب في المصرف المركزي، وهو ما فجر صراعا بين محافظ المصرف المركزي الصديق الكبير المعروف بولائه للإسلاميين من جهة ورئيس المجلس الرئاسي فايز السراج من جهة أخرى.

وبعد أشهر من الصراع غير المعلن بين الطرفين اختار السراج الظهور في خطاب على القناة الرسمية لمصارحة الليبيين بهذا الصراع الذي يبدو أنه يهدد مصالح رجال أعمال محسوبين عليه.

وقال السراج إن الصديق الكبير هو المسؤول عن عدم دفع رواتب موظفي الدولة مؤخرا وعدم إصدار الاعتمادات المستندة للواردات.

وأضاف السراج للقناة الرسمية التلفزيونية أن أكثر ما نخشاه هو أن يمنح المصرف المركزي الاعتمادات لأناس معينين ثم يقفل المنظومة، مضيفا أن السياسات الاقتصادية من اختصاص وزارة الاقتصاد وأن الكبير يتدخل في اختصاصات غيره.

رمزي رجب الآغا: تخلص السراج من الكبير أصبح أمرا مستحيلا
رمزي رجب الآغا: تخلص السراج من الكبير أصبح أمرا مستحيلا

ويعد إصرار الكبير على رفع سعر الرسم على مبيعات الدولار للتجار من 3.70 إلى 5.5 دينار كشرط لإعادة فتح منظومة الاعتمادات التي أقفلها على خلفية تقلص إيرادات النفط أحد أبرز الأسباب لاندلاع الصراع الحالي بين الطرفين.

ويسعى الكبير من خلال رفع سعر الرسم على مبيعات النقد الأجنبي لجني أرباح تخفف من خسائر توقف الإيرادات النفطية، وهو ما سيؤدي مباشرة إلى رفع أسعار المواد الاستهلاكية في الأسواق.

وتعكس تصريحات السراج أن الصراع الحالي هو صراع مصالح بين رجال الأعمال، من جهة، الذين يدافع السراج عن مصالحهم وتيار الإسلام السياسي وأعضاء ميليشياته، من جهة ثانية، الذين يمثلهم الصديق الكبير الذي يسعى لضمان الإنفاق على الحرب في ظل الأزمة الحالية ولو على حساب رجال الأعمال وعامة الليبيين.

ويرفض الكبير صرف المرتبات رغم تأكيد وزير المالية فرج بومطاري وجود تغطية مالية كافية لصرفها والتلويح بإجراءات تقشفية أخرى كرفع الدعم عن الوقود، وذلك لضمان استمرار الإنفاق على الحرب ودعم جبهات القتال بالمال والسلاح والمرتزقة.

وعمقت الأزمة الاقتصادية الصراعات داخل حكومة الوفاق نفسها التي تنقسم إلى فريقين، واحد بزعامة السراج وآخر بقيادة وزير الداخلية فتحي باشاغا المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين. ويؤيد شق باشاغا تنفيذ الخطوات التي يطالب بها الكبير وهو ما عكسه تلويح وزير الاقتصاد الإخواني علي العيساوي برفع الدعم عن الوقود.

وقال مصرف ليبيا المركزي الذي يتخذ من طرابلس مقرا له الأربعاء إن إجمالي الإيرادات النفطية الليبية بلغ 1.9 مليار دينار (1.3 مليار دولار) في الربع الأول من العام الحالي، مقابل حوالي سبعة مليارات خلال نفس الفترة العام الماضي.

وأدى رفض السراج لسياسات الكبير إلى شن حملة إعلامية عليه تتهمه بالتقصير في تمويل جبهات القتال، وصلت إلى حد التلويح بإقالته وإعلان حكومة “ثوار” أو حكومة حرب.

ولفت السراج إلى أن المصرف كان عليه أن يعقد اجتماعا لمجلس الإدارة، وهو أمر سيجمع المديرين من مختلف أنحاء النزاع في ليبيا، من أجل مناقشة التغييرات التي قال إن الكبير يسعى لتطبيقها في سعر الصرف.

وقال رئيس لجنة أزمة السيولة في مصرف ليبيا المركزي بالبيضاء (موازٍ) رمزي رجب الآغا لـ”العرب” إن الكبير يرفض عقد الاجتماع لضمان استمرار سيطرته على إدارة المصرف وفقا لتوجهات الإسلاميين، باعتبار أن الاجتماع سيقيد عمله ولن يستطيع مخالفة قرارات مجلس الإدارة بعد ذلك.

ويضم مجلس الإدارة عددا أكبر من الأعضاء الذين يميلون نحو الشرق أكثر من طرابلس، ما يمكن أن يعيق خطط الإسلاميين.

وحاولت السلطات شرق البلاد مرارا إزاحة الكبير الذي تتهمه بتمويل المجموعات الإرهابية وضغطت في 2018 عن طريق قفل موانئ النفط لكنها فشلت.

الصديق الكبير يرفض اجتماع مجلس الإدارة لضمان استمرار سيطرته على المصرف المركزي
الصديق الكبير يرفض اجتماع مجلس الإدارة لضمان استمرار سيطرته على المصرف المركزي

ويقول متابعون إن خطاب السراج  يهدف إلى الضغط على الكبير من خلال تأجيج الشارع ضده بعد أن أصبحت إقالته في الوضع الراهن شبه مستحيلة نظرا إلى غياب جسم تشريعي بإمكانه اتخاذ هذه الخطوة.

ويعاني مجلس النواب الليبي، المعترف به دوليا كجسم تشريعي ومقره في طبرق شرق البلاد، من الانقسام الذي يعيقه عن عقد جلسة كاملة النصاب لإقالة الكبير الذي سبق أن أقاله في 2014 (قبل الانقسامات) لكنه تجاهل القرار واستمر في منصبه مدعوما من الإسلاميين في طرابلس.

وقال الآغا إن “تخلص السراج من الكبير أصبح أمرا مستحيلا وغير مستبعد أن يتسبب الكبير بإقالة السراج باعتبار أن جميع أمراء الميليشيات في طرابلس يتم تمويلهم عن طريقه مباشرة من خلال منحهم للنقد الأجنبي دون إضافة الرسم”.

وأضاف “الكبير أصبح يتدخل في كل كبيرة وصغيرة في أمور الدولة، فتارة يستدعي أمراء الميليشيات في مكتبه لمناقشتهم بشأن الذخيرة والأسلحة وتارة يستدعي عمداء البلديات ويقدم لهم عروضا بفتح الاعتمادات عن طريقهم، وهو ما قد يشكل مصلحة لبعضهم ما من شأنه كسب ولائهم”.

وانتقد السراج تدخل الكبير في صلاحياته من خلال التواصل مع أمراء الميليشيات ورؤساء البلديات والمعنيين بقطاع الصحة متجاهلا مهامه الرئيسية المتمثلة في إنهاء الطوابير أمام المصارف.

وثبّت خطاب فايز السراج التهمة التي يوجهها إليه خصومه خاصة من الداعمين للجيش بأنه ليس سوى واجهة مدنية للإسلاميين مهمته تشتيت الأنظار عن نفوذهم في مختلف القطاعات الحيوية وفي مقدمتها  مصرف ليبيا المركزي.

1