تقليد الآثار بين الحماية وتشويه الحضارات

الاثنين 2013/12/30
بعض التماثيل المصرية الموجودة بمتحف ببرلين

القاهرة - رغم خروج آلاف القطع الأثرية والتحف من مصر إلى العالم بطرق شرعية أو غير شرعية وبالإضافة لما هو معروف منها وغير معروف أو لم يفصح عنه حتى الآن؛ فإنها أضافت للمعرفة الإنسانية معلومات لا يمكن تقديرها بثمن، وقد أُنشئت بسببها أقسام متخصصة ومراكز بحثية عن تاريخ مصر وحضارتها في كثير من الجامعات والمعاهد في أوروبا وأميركا وغيرها، ولكن ما يثير التساؤل هو لماذا أقدمت مصر على استنساخ القطع الأثرية والتحف الفنية الأصلية؟ وما خطورة هذا القرار؟

متحف بروقطين في نيويورك قرر عرض تماثيل حجرية مصرية مقلدة لزيادة الوعي بالأعمال المزيفة في عالم النحت، حيث أعلن المتحف أن المجموعة الثمينة التي يملكها من تماثيل حجرية مصرية قديمة توجد بينها أعمال مزيفة، وقد أثار بعض العلماء بالفعل شكوكا بشأن ما إذا كانت تلك الأعمال أصلية، وكشف تحقيق استغرق ثلاثة أعوام أن 31 عملا نحتيا قبطيا أغلبها إما أدخلت عليها تعديلات أو أنها مزيفة بالكامل، أن بعض الأعمال أعيد طلاؤها أو أعيد نحتها وأن حوالي ثلث التماثيل أعمال حديثة مقلدة مصنوعة من أحجار مصرية.. يذكر أن هذه التجربة قد تدفع متاحف أخرى حول العالم للقيام بنظرة أكثر إمعانا فيما لديها من مجموعات فنية.

إن القرار الذي أقدمت عليه مصر في منع استنساخ القطع الأثرية والتحف الفنية الأصلية -بهدف حماية الملكية الفكرية- يبدو منطقيا لأول وهلة، وله ما يبرره بسبب ثراء مصر بتراثها المادي الذي يعود في جذوره إلى سبعة آلاف سنة، وقد كانت أرض مصر -منذ قرون- مقصدا للباحثين عن الآثار، خصوصا بعد الحملة الفرنسية على مصر، حيث خرجت آلاف القطع الأثرية النفيسة، منها المسلات المصرية التي تتزين بها أشهر الميادين العامة في عدد من العواصم في العالم، والتماثيل الآدمية والحيوانية والموميات والأواني النحاسية والفضية والذهبية والحلي وأدوات الزينة والتحف الإسلامية المتنوعة.

استخراج نسخ طبق الأصل من القطع الأثرية والفنية الأصلية أمر مشروع ويمارس في المتاحف والمواقع الأثرية والتاريخية

وبالعودة إلى الحدث العالمي المتمثل في اكتشاف حجر رشيد، فقد مكث مكتشفه شامبليون ما يقارب من ثلاثين عاما مع علماء آخرين في دراسة رموزه وتفسير وقراءة ما نقش عليه من كتابات هيروغليفية وديموطيقية وإغريقية قديمة، وبذلك أصبحت الكتابة المصرية القديمة معروفة وتدرس في المعاهد والجامعات والمدارس في مصر وفي العالم، وكان اكتشاف حجر رشيد وفك رموزه فاتحة عهد جديد للمزيد من الدراسات والبحوث إذ مهد الطريق للمزيد من الاكتشافات عن مكنون الحضارة المصرية القديمة.

وما يؤرق مسؤولي الآثار وخبراء المتاحف هو التزييف والتدليس، وإبدال القطع الأصلية بالمزيفة، ويقول الدكتور عبد الحليم نورالدين رئيس المجلس الأعلى للآثار الأسبق: إن استخراج نسخ طبق الأصل من القطع الأثرية والفنية الأصلية أمر مشروع ويمارس في المتاحف والمواقع الأثرية والتاريخية، لكنه يكون تحت إشراف الدولة، وهذا ليس في حكم التزييف ولكنه وسيلة للتوثيق والحفظ للشواهد الحضارية في حالة فقدان الأثر الأصلي، وهناك معالم أثرية ثابتة تم نقلها من مواقعها الأصلية، ووضع مكانها مبان طبق الأصل ومن أبرز الأمثلة لدينا بوابة عشتار المشهورة في بابل؛ التي تمّ تفكيكها وإعادة تثبيتها في متحف بيرغامون في برلين هدية من السلطان عبد الحميد إلى الملك فيلهام الثاني، قبل انهيار الدولة العثمانية وقيام دولة العراق الحديثة.

كما أن الكثير من التماثيل والمنحوتات الحجرية والرخامية التي نشاهدها في المدن التاريخية في أوروبا -تحديدا- هي إما نسخ أصلية أو طبق الأصل، وغالبا ما تعمل الدول على حفظ النفيس منها في مستودعات خاصة حفاظا عليها من السرقة والتشويه.

ويؤكد الباحث الأثري بسام الشماع أن هناك آثارا مزيفة بالمتاحف المصرية ترفض الحكومة الإفصاح عنها؛ لأن هذا قد يضرّ بالسياحة وبالاقتصاد.. كما أن كشف هذه الآثار يتطلب لجنة من خبراء الآثار للكشف عنها ومعرفة المسؤول عنها، مؤكدا على أن هناك تقليدا للآثار ممتد منذ القدم، وقد يكون عدد من المخربين هم الفراعنة أنفسهم، حيث أقدموا على تشويه مقابر أسلافهم القتلى، أو إعادة كتابة التاريخ عنهم.

ونذكر كأمثلة لهذه الوقائع؛ عندما جاء الإغريق لمصر، قاموا بالشخبطة على المعالم الأثرية، كما فعل الرومان من بعدهم، كما كتب مسيحيو أوروبا أسماءهم على اللوحات الخام في المعابد القديمة الكبرى، كما فعل الجنود الفرنسيون في حملة نابليون على مصر في نهاية القرن 18، وأيضا فعل البريطانيون من بعدهم، والكثير منهم قام بسرقة آثار الدولة المصرية والقطع الصغيرة ونقلها إلى بلدانهم، وقاموا بتقليدها بشكل رائع يصعب على الأشخاص وقتها معرفة الأصلي من التقليد.

القطعة الأصلية لحجر رشيد الموجود بمتحف بريطاني

وأكد د. مختار الكسباني أستاذ الآثار الإسلامية والتاريخ بكلية آثار القاهرة، أن بعض المتاحف والمعابد المصرية تحتوي على آثار صغيرة مزيفة، نظرا لاعتبارات الأمن القومي والبعد التاريخي لهذه الآثار النادرة، وبين الكسباني أن تزوير المنتج الأثري يكون عن طريق الشركات التجارية الكبرى، لأن تكلفتها تقدر بمئات المليارات من الدولارات، فمثلا استطاعت شرطة لندن منع تزوير تمثال مصري عام 2003، حيث كان يحاول البعض نحت امرأة لتكون واحدة من بنات فرعون أخناتون وزوجته الملكة نفرتيتي، وهناك أيضا متحف الآثار كيلسي الذي يضمّ مجموعات أثرية تحتوي على عدد من القطع المزوّرة، وبعض الآثار المشكوك في قيمتها الأصلية. وفي كثير من الأحيان تظهر هذه القطعة المزوّرة مصادفة، عندما يرغب الخبراء في إقامة تجارب علمية على بعض الآثار، خاصة وأن المزورين لديهم خبرة ودراية واسعة بجوانب في التزوير؛ على سبيل المثال هناك تمثال صغير من الحجر الجيري يرجع إلى العصر البطلمي في مصر قبل الميلاد، في عام 1925 تمّ شراؤه من قبل أحد المتاحف وبناء على فحص دقيق، تبين أن التمثال مزوّر، لوجود تفاصيل غير موجودة في التاج والثعبان الممتد على طول وسط الرأس.

ويرى عصام السعيد أستاذ الآثار بجامعة الإسكندرية، أن فن التزوير شهد تطورا على نحو متزايد في التاريخ المعاصر لأن بعض الدول الأثرية تقوم باعتماده لمحاولة إنقاذ تراثها الأثري، ورغم أن هذا النوع من تزييف الآثار يمكن أن يسبب خسارة مالية كبيرة للدول في حال تمّ اكتشافه من قبل السياح الذين ينفقون أموالهم ويأتون لمشاهدة روعة الآثار والتاريخ القديم، وليس مشاهدة الآثار المزيفة، وبالتالي هناك تقنين لهذه المحاولات خاصة وأن بعضهم لديه القدرة في تشويه الدراسة التاريخية للفن والممتلكات الثقافية.

12