تقليد "بيت الأسود".. مناسبة سنوية لإثارة الاتهامات العنصرية في هولندا

المحتفلون الذين يمثلون دور "بيت الأسود" يواجهون خلال مسيرتهم عشرات المحتجين من الجانبين، مؤيدين ومعارضين.
الخميس 2018/12/13
الاحتجاجات تقف بوجه الاحتفالات

لم تنجح هولندا في حسم الجدل الذي يثار سنويا مع الاحتفال بأعياد الميلاد بشأن شخصية “بيت الأسود” مساعد “سينتركلاس”، النسخة الهولندية من بابا نويل، حيث يرى فيها البعض إساءة للهولنديين السود واستحضارا لصور عن العبودية.

زاندام (هولندا) – تجدد الجدل في هولندا مع تجمع الآلاف من السكان المبتهجين في مدينة زاندام الهولندية استعدادا للاحتفال السنوي بقدوم “سينتركلاس” وهو النسخة الهولندية من بابا نويل، بشأن المساعد العابث (لسينتركلاس) الذي يرافقه في جولاته، ويعرف باسم “بِيتْ الأسود” نظرا لسواد وجهه، حيث من المفترض أنه جاء من بلاد المغرب.

ويقوم هولنديون بتقمص شخصية هذا المساعد بشكل تنكري بعد طلاء وجوههم باللون الأسود، وشفاههم باللون الأحمر الزاهي كنوع من المرح، بالإضافة إلى وضع شعر مستعار (باروكة) يمثل النمط الأفريقي.

ويرى البعض أن المساعد الذي يدعى “بِيتْ الأسود” يعد رمزا يعبر عن العنصرية، بينما يرى البعض الآخر أنه يمثل تراثا يعود لعهود قديمة، غير أن أولئك المحتفلين الذين يمثلون دور “بِيتْ الأسود” ويتقمصون شخصيته يواجهون خلال مسيرتهم العشرات من المحتجين من الجانبين، مؤيدين ومعارضين. وقد تم نشر المئات من قوات الشرطة في موقع الاحتفال للحفاظ على سلمية الحدث في مدينة زاندام، غير أن الشرطة لم تنجح في الحفاظ على الهدوء بنفس القدر في بعض المدن الهولندية الأخرى، مثل “جرونينجن” و“إيندهوفن” و“روتردام”، حيث أدت المظاهرات والمظاهرات المضادة إلى حدوث مشاجرات واحتجاز العديد من الأشخاص.

وشهدت هولندا في سنوات سابقة جدلا مشابها بشأن شخصية “بيت الأسود”، فعلى سبيل المثال في العام 2013 تظاهرت جمعيات ومنظمات حقوقية في أمستردام خلال مهرجان “سينتركلاس” ضد شخصية بيت الأسود أو “زفارت بيت” كما يعرف بالهولندية، معتبرة أن طريقة تصوير الشخصية تتسم بالعنصرية ومن شأنها الإساءة للهولنديين السود واستفزازهم. وتطالب منظمات حقوقية منذ سنوات بالتخلي عن تقليد تصوير “زفارت بيت” أو تغييره، لكن قسما آخر من الهولنديين لا يعتبرون أن تمثيل هذه الشخصية فيه أي إساءة عنصرية أو حتى مجرد تلميح لذلك.

وتزايد عدد الهولنديين الذين أعربوا عن استعدادهم لقبول تعديل على شخصية “بيت الاسود”، حيث بيّن استطلاع للرأي أجرته مؤسسة محلية أن 44 بالمئة من الأشخاص الذين تم استجوابهم يؤيدون تغيير مظهر الشخصية التقليدية، مقارنة بنسبة 32 بالمئة عند إجراء المسح الأخير قبل عامين.

وفي 5 ديسمبر من كل سنة تحتفل هولندا بسينتركلاس. ووفقا للعادة التراثية، يقوم القديس “سينتركلاس” بزيارة هولندا قادما من إسبانيا في منتصف نوفمبر من كل عام، حيث يصل إلى الميناء على متن باخرة، وبرفقته مساعدوه، أصحاب الوجوه السوداء، ثم يمتطي فرسا يمر به عبر شوارع المدن الهولندية لتوزيع الحلوى على الأطفال.

ويرتدي الأشخاص الذين يتقمصون شخصيات “بِيتْ الأسود” سراويل وقبعات ذات ألوان متنوعة ومبهجة، بالإضافة إلى وضع أقراط دائرية ذهبية في آذانهم وهي كانت تعد في ما مضى رمزا للعبودية. ومن الناحية التراثية كان “بِيتْ الأسود” يسعى لإثارة خوف الأطفال الذين يقنعهم آباؤهم بأنه سيقوم بضربهم وحملهم بعيدا داخل جوال إذا ما ارتكبوا سلوكا سيئا.

ويقول جيري أفريي وهو ناشط بارز في مجموعة تسمى “ابعدوا بِيتْ الأسود” إن هذه الشخصية “تمثل نوعا من العنصرية… غير أن الأشخاص الذين يحتفلون بهذا المهرجان ليسوا عنصريين”.

وتقول المجموعة الأخرى المؤيدة لشخصية “بِيتْ الأسود” إن هذه الاحتفالات ليست أكثر من مجرد “مهرجان للأطفال”، كما أن شخصية “بِيتْ الأسود” جزء متكامل من الهوية الهولندية، مثل زهور الزنبق وجبن إيدام.

سوء الفهم حول تاريخ تراث "بِيتْ الأسود" يعد مسألة شائعة في هولندا
سوء الفهم حول تاريخ تراث "بِيتْ الأسود" يعد مسألة شائعة في هولندا

غير أن سوء الفهم حول تاريخ تراث “بِيتْ الأسود” يعد مسألة شائعة في هولندا، وقد ظهرت هذه الشخصية في القرن التاسع عشر فقط، وقبل ذلك كان القديس “سينتركلاس” يظهر في دول أوروبية أخرى بمفرده أو بجوار مساعد له.  وقامت رابطة للمهرجانات في بلدة فريشن الألمانية بتغيير اسمها وتعهدت بوقف العروض بالوجوه السوداء، بعد أن غادرها ثلاثة من أعضائها.

وتأسست الرابطة قبل أربعة عقود تحت اسم “فرنشنر نجركوب” الذي يمكن ترجمته حرفيا إلى “رؤساء الزنوج لبلدة فريشن”، وغيرت المجموعة اسمها ليصبح “فيلدي فرنشنر”، وبدلا من أداء عروض بعد طلاء الوجوه باللون الأسود، قرر أعضاؤها ارتداء ملابس ترمز إلى الحيوانات خلال احتفالات هذا العام.

وفي وقت سابق الشهر الجاري، رفضت محكمة هولندية طلبا تقدمت به مجموعة مناهضة للعنصرية لحظر صور “بِيتْ الأسود” من برامج التلفاز الوطني، حيث دفع رئيس المحكمة بأنه تم تقديم الطلب قبل وقت قصير من بدء الاحتفال، وقال إنه يجب أن يكون هناك المزيد من المناقشات مستقبلا حول هذه القضية لما لها من أبعاد ثقافية حساسة.

وأضاف القاضي في بيانه الختامي حول الطلب “ليس هناك شك في أن صورة بِيتْ الأسود آخذة في التغير، والمهم هو أن يستمر النقاش حول هذه المسألة”.

وتقول ميريل، وهي من سكان العاصمة الهولندية أمستردام وأم لطفلين، إن طفليها صغيران بحيث لا يفهمان الطبيعة العنصرية لهذا اللباس التنكري. ويحب أحد طفليها، واسمه ويبي ويبلغ من العمر سبعة أعوام، أن يرتدي ثيابا مثل “بِيتْ الأسود” ويختار طلاء بني اللون، بدلا من الوجه الأسود، عندما يضع مستحضرات التجميل الخاصة بالاحتفال، ويقول إن “اللون الأسود بوجه ‘بِيتْ الأسود’ هو ناتج عن السناج (السخام) حيث أنه يمر عبر مدخنة المدفأة لتوزيع الهدايا على الأطفال… أليس ذلك واضحا؟”.

وفي عام 2015، طالبت اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري التابعة للأمم المتحدة ومقرها في جنيف الحكومة الهولندية بإدخال تعديلات على تقليد “سينتركلاس” في ما يتعلق بشخصية “بيت الأسود” باعتباره يعكس “صورة نمطية سلبية”.

وقبل دعوة اللجنة أقرت أعلى محكمة إدارية في هولندا بأن شخصية “بيت الأسود” يمكن أن تظهر على الملأ، جنبا إلى جنب مع بابا نويل وأنه لا يحق لأي عمدة مدينة أن يمنع تصوير هذه الشخصية.

13