تقليص الإعلان سياسة تقشف أم تصفية حسابات مع الصحف المتمردة

تواجه الصحف الجزائرية أزمة خانقة بعد القرار الحكومي بتقليص الإعلانات الحكومية إلى النصف، في الوقت الذي تعتمد فيه جميع الصحف على الإعلانات للبقاء على الساحة الإعلامية، دون أن تكون هناك خطة حكومية لمواجهة هذا الوضع.
الثلاثاء 2015/11/03
صحف جزائرية عديدة بدأت بتقليص عدد نسخها لتخفيض التكاليف

الجزائر- تواجه العديد من الصحف الجزائرية خطر الإغلاق، بسبب الإفلاس وتراجع إيرادات الإعلانات، لتكون بذلك أول قطاع يدفع فاتورة الأزمة النفطية وتقليص مداخيل البلاد من العملة الصعبة إلى النصف.

ورغم أن هذا الوضع يهدد مئات الصحفيين والمهنيين بالبطالة، إلا أن الحكومة تتفادى البحث عن البدائل الممكنة، ولا يزال وزير الإعلام حميد قرين، يكتفي بإلقاء التهم على الناشرين بالثراء على حساب الصحفيين، ويعاود ترديد شعارات المهنية والاحتراف.

ودخلت عشرات الصحف الجزائرية منذ أسابيع في متاعب مالية، دفعتها إلى التأخر عن تسديد أجور صحفييها وعمالها، والإخلال بالتزاماتها تجاه شركائها في مصالح الضرائب والتأمينات الاجتماعية والمطابع، مما اضطر ملاكها إلى التفكير في الانسحاب من الساحة الإعلامية، لاسيما وأن كل المؤشرات توحي بتقلص الإعلان الحكومي إلى أكثر من 50 بالمئة بداية مع العام القادم.

وتعتمد أكثر من 140 صحيفة محلية بشكل كلي على الإعلان الحكومي، الأمر الذي جعلها في مواجهة مباشرة مع شبح الإفلاس، لأنها لا تمتلك أي بدائل تمويلية أخرى، وعلاوة على ضبابية توزيع حصص الإعلان الحكومي الذي يكتنفه الكثير من الغموض والشبهات، فإن تقليص الاستثمارات الحكومية والإنفاق العام منذ أسابيع تحت تداعيات سياسة التقشف التي باشرتها الحكومة، أدى بصفة آلية إلى تقلص عروض الإعلانات إلى حوالي 40 بالمئة.

وذكرت في هذا الصدد مصادر من داخل الوكالة الوطنية للنشر والإشهار التي تحتكر توزيع الإعلانات الحكومية وتوصف بـ”العلبة السوداء” لـ”العرب” أنه وإلى غاية شهر يونيو الماضي كانت تستقبل الوكالة حوالي 200 صفحة من الإعلانات، والآن تتراوح العروض بين 80 و100 صفحة، مما يضع القائمين في وضع محرج جدا، في كيفية توزيع هذه الكمية على أكثر من 150 صحيفة يومية وأسبوعية.

وأضافت “مسؤولو الوكالة يعملون تحت ضغط شديد، بسبب تدخل مسؤولين كبار من مؤسسات رسمية، لفرض حصة معينة من الإعلانات لهذه الصحيفة أو تلك، ومع تراجع العروض المتوفرة إلى أكثر من النصف، واحتفاظ الصحف الحكومية بحصصها العادية، فإن العناوين الأخرى تقلصت حظوظها، مما يدفعها إلى الإفلاس.

متابعون يرون أن السلطة أطلقت العنان لصدور الصحف المكتوبة، حتى صارت "مهنة من لا مهنة له"

وذكرت مصادر من مطبعة وهران الحكومية لـ”العرب”، أن الصحف التي كانت تعرف بالسحب المرتفع طلبت التقليص، من أجل خفض حجم كلفة الأعباء، في حين يماطل البعض في الالتزام بدفع الديون المترتبة على عاتقه.

وأمام هذا الوضع الهش يبقى قطاع الصحافة المكتوبة في الجزائر يواجه مصيره لوحده، في ظل غياب تنظيمات نقابية ومهنية للصحفيين والناشرين، وعدم اهتمام الحكومة بمخاطر الإفلاس التي ستدفع مئات الصحفيين والمهنيين إلى البطالة، مما أدى بحوالي 20 صحيفة إلى التوقف عن الصدور، وينتظر التحاق العشرات بالقائمة مع تحصيل المستحقات الشهرية من وكالة النشر والإشهار بداية من الشهر الحالي، الذي يعد أول الشهور المالية المتأثرة بتقلص الإيرادات الإعلانية نتيجة سياسة التقشف الحكومية.

وأمام تهم الاحتكار والنفوذ التي تلاحق وزير الإعلام، من بعض الصحف الخاصة المتمردة على الخط السياسي للسلطة مثل “الخبر” و”الوطن”، يحرص حميد قرين في مختلف تصريحاته على “عدم التدخل في تسيير شؤون المؤسسة الوطنية للإشهار (الإعلان)، أو في طريقة توزيع الإعلان على الصحف”، وقال بأنه وزير الإعلام وليس وزير الإشهار، عندما طلب منه مؤخرا عدد من ناشري الصحف النظر في حصصهم المتقلصة من الإعلانات.

وفيما يعترف الوزير بأن مقومات الصمود أمام الأزمة لا تتوفر إلا لعدد محدود جدا من الصحف، إلا أن وزارته وحتى الحكومة لم تبحث القضية، ولا التشاور مع المعنيين لإيجاد بدائل تضمن مناصب عمل لمئات الصحفيين والمهنيين.

140 صحيفة محلية تعتمد بشكل كلي على الإعلان الحكومي

ويرى متابعون أن السلطة أطلقت العنان لصدور الصحف المكتوبة، حتى صارت “مهنة من لا مهنة له”، من أجل تعويم المشهد الإعلامي وكسر تأثير الصحف المعارضة على الرأي العام المحلي، ولهذا وجدت نفسها في مأزق حقيقي، فبعد أن كانت تعتمد على عائدات الإعلان الحكومي خلال حقبة الانفراج المالي لدعم تلك الصحف، تريد إعادة صياغة جديدة للمشهد بالتخلص من الكم الهائل من العناوين التي ثبت امتصاصها للثروة دون افتكاك الرأي العام من الصحف المعارضة، ولأن الغلق الإداري أو التوقيف يضر بصورة الحكومة، فإنه ليس أحسن بالنسبة إلى الحكومة، من فرصة تقليص الإعلان للتخلص من هذا “العبء”، وهو ما يفسر إدارة ظهر الحكومة لصرخات الناشرين والصحفيين.

وصرح ناشر صحيفة طلب عدم الكشف عن هويته، خشية أن يكون ضحية تصفية حسابات توزيع الإعلانات الحكومية بأن “التخبط الحكومي في تسيير قطاع الإعلام بصفة عامة والصحافة المكتوبة بشكل أدق، هو وليد رؤية ضيقة للوضع السياسي في البلاد، فإرساء الديمقراطية والحريات لن يكون إلا بتحرير الإعلام وتنظيمه وليس بتسييره، وبما أن النزعة الأحادية باتت تتكرس تدريجيا، فإن حال الإعلام لن يستقيم ولا أمل في إصلاحه”.

وتابع، “الصحف الحكومية العريقة التي يفترض منافستها لصحف عالمية وإقليمية، هي الأخرى ذات سحب محدود ولا تستعمل إلا في الاشتراكات الرسمية المفروضة أو التغليف في المحلات التجارية، إلا أنها تحصل على الأضعاف المضاعفة مما نحصل عليه نحن”.

وعن تقلص عروض الإعلانات المذكورة، شدد المتحدث على أن المسألة تتعلق بالشفافية وبالعدل في التوزيع، والتشاور لإنقاذ القطاع بدل اختراقه وتحويله إلى لوبيات، ولا تتعلق بتقلص المعروض، وإذا كانت هناك أزمة فلابد أن توزع أعباؤها بالتساوي بين الجميع، وليس على البعض فقط من غير المسنودين في هرم السلطة.

18