تقنيات كريسبر للتعديل الوراثي تعد بحياة خالية من الألم

الهندسة الوراثية يمكن أن تخلق بشرا لا يشعرون بأي ألم أو خوف وهو ما يمكن أن يكون مخيفا أكثر من قنبلة نووية.
الأحد 2019/08/25
بلا إحساس

 لندن - منذ سنوات قليلة، بشّر عالم المستقبليات ديف إيفانز، مؤسس شركة “سترنغفاي”، بثورة في مجال الاندماج بين التكنولوجيا وعلم الأحياء بما يقوي فرص تمتع البشر بحياة صحية وطويلة، وقال إن “المستقبل أصبح أقرب مما نعتقد”، فيما قال جيروين تاس، رئيس قسم الابتكار في شركة فيليبس، “أصبحت التقنيات التي كانت ذات يوم العنصر الرئيسي في أفلام الخيال العلمي حقيقة واقعة بسرعة”.

وفعلا، تشير الدراسات والأبحاث إلى أن ما كان يعتبر خيالا علميا يتحول شيئا فشيئا إلى حقيقة، من تكنولوجيا النانوبوتس التي يمكن أن تزرع في جسم الإنسان وستتدفق سابحة في دمائه لحمايته من الأمراض، إلى الأطراف الاصطناعية التي تحوّل الإنسان السيبورغ إلى واقع، وصولا إلى تقنيات كريسبر للتعديل الوراثي.

عدم الشعور بالألم

على الرغم من أن هناك تجربة سريرية واحدة تهدف لعلاج خلايا الجسم للحد من فقر الدم عبر تقنيات كريسبر، إلا أن هناك العديد من التجارب الجينية الأخرى على لائحة الباحثين. ولا تقتصر أهدافهم على معالجة الأمراض النادرة.

ومؤخرا، أعلن باحثون في مجال تقنية كريسبر للتعديل الوراثي عن اكتشاف السبب الذي يجعل بعض الناس لا يشعرون بالألم. ويقولون إنه خطوة نحو تعديل الجينات التي ستمنع الألم الشديد الناجم عن مرض السكري أو السرطان أو حوادث السيارات دون تعريض المصاب لخطر إدمان المواد الأفيونية.

وانطلقت هذه التجربة من قصة طفل باكستاني كان يضع سكاكين في ذراعيه ويمشي على الفحم المشتعل، وهو بسن العاشرة، دون أن يشعر بأي ألم. لكن المفارقة أن هذا الطفل توفي وهو بسن الـ14 عندما تحداه شخص للقفز من سطح، حيث كان يعلم أنه لن يحس بالألم إن سقط.

نهج كريسبر للقضاء  على الآلام مازال غير جاهز للاختبار على البشر حتى الآن. لكن فكرة الحقنة الواحدة التي يمكن أن تبدد الألم إلى الأبد ستلاقي إقبالا ضخما

انتشرت قصة الصبي الباكستاني، الذي كان يشعر بالدفء والبرد وملمس الأجسام. لكنه لم يكن يشعر بالألم، وذلك بسبب إصابته باضطراب جيني وراثي نادر سنة 2006. وعادت قصة هذا الطفل إلى دائرة الاهتمام بعدما نجح العلماء في اكتشاف سبب هذا الاضطراب عبر تقنية كريسبر للتعديل الوراثي.

ووفق دراسة نشرها موقع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، تحاكي الطريقة الجديدة للقضاء على الألم اضطراب الحمض النووي النادر الذي ظهر على الصبي الباكستاني. وشملت التجارب عددا من الفئران في مختبرات جامعة كاليفورنيا في سان دييغو. وقادت آنا مورينو البحث، وهي تشغل منصب الرئيسة التنفيذية في شركة ناشئة تخطط لتطوير علاج كريسبر للألم.

ذكر البحث، الذي استخدمت فيه تقنية كريسبر لإيقاف جزء رئيسي في الخلايا العصبية التي تنقل الألم في النخاع الشوكي لدى الفئران، أن الفكرة تكمن في حقن السائل الدماغي الشوكي بجزيئات فيروسية تحمل نسخة معدلة من الجينات التي تهدف إلى تعطيل إشارات الألم التي ترسلها الخلايا العصبية.

وبدأت الاختبارات الأولى على البشر في الفترة الأخيرة. وخلال السنة الحالية، بدأت شركة كريسبر في علاج المرضى الذين يعانون من فقر الدم المنجلي، وتخطط شركة أخرى تدعى “إيديتاس ميديسين” لمحاولة عكس العمى الوراثي. ويتضمن البرنامجان تغيير تسلسل الحمض النووي في جينوم الشخص المريض.

جيروين تاس: أصبحت التقنيات التي كانت ذات يوم العنصر الرئيسي في أفلام الخيال العلمي حقيقة واقعة بسرعة
جيروين تاس: أصبحت التقنيات التي كانت ذات يوم العنصر الرئيسي في أفلام الخيال العلمي حقيقة واقعة بسرعة

وذكر باحثون أميركيون أنه يمكن لتقنيات كريسبر أن تساعد على القضاء على الآلام المزمنة مثل ألم أسفل الظهر إلى الأبد بحقنة واحدة. وهذا أمر ممكن إذا نجحت في تخفيف إشارات السيتوكينات في الجهاز المناعي، وذلك وفقا لتقرير نشر في مجلة علاج الجينات البشرية في يوليو.

وترجع العديد من هذه الآلام إلى تنكس الأقراص الفقرية، حيث تتلاشى الغضاريف بين الفقرات، وتفقد قدرتها على امتصاص الصدمات وتقليل الاحتكاكات بين العظام، مما يصعّب حركات ضرورية مثل الانحناء. وبمرور الوقت، تتقلص الغضاريف بين الفقرات لأنها تفقد الماء. وعلى الرغم من اسمه، لا يصنّف تنكس الأقراص الفقرية ضمن لائحة الأمراض، إذ يعتبر جزءا طبيعيا من الشيخوخة. ويمكن أن يؤثر الألم المزمن على حياة الأفراد اليومية.

تحاول العلاجات تخفيف الألم بدلا من منع مصدره. وتشمل مضادات الالتهاب مثل الأسبرين والإيبوبروفين والمنشطات، والعلاج الطبيعي، والجراحة لإزالة جزء من الغضروف المتضرر.

لكن، اختار روبرت بولز، وزملاؤه في أقسام الهندسة الطبية الحيوية، وعلوم الأورام، وجراحة العظام في جامعة يوتا نهجا مختلفا. وقرروا تعديل الجينات المسؤولة عن الالتهاب وليس عن مكونات الغضاريف.

 وأوضحت الدراسات التي أجريت على الحيوانات مسؤولية بعض بروتينات الجهاز المناعي على آلام الظهر، بما في ذلك عامل نخر الورم ألفا، وعدة إنترلوكينات (آي 1، ب1، 2، 4، 6، 10، 12، 17) والإنترفيرون سي. وتتوفر الأدوية القوية التي تعطل مستقبلات عامل نخر الورم في السوق، وذلك لعلاج داء كرون وتخفيف حدة أعراض التهاب المفاصل الروماتويدي والصدفية.

وركز الباحثون على السيتوكينات الرئيسية باعتبارها وراء تنكس الأقراص الفقرية. تعمل هذه البروتينات على إشعال خلايا القرص بين الفقرات مع الالتهاب وتدهور النّسيج خارج الخليّة وموتها المبرمج. وبدلا من تكرار المحاولات السابقة ونشر أجسام مضادة لمنع إنتاج السيتوكينات، استهدف الباحثون العامل النووي المعزز لسلسلة كابا الخفيفة في الخلايا البائية النشطة الذي يلعب دورا في الاستجابة المناعية.

ويعد الناقل الفيروسي في الجينوم البشري مفتاح الاستجابة الدائمة. وكتب الباحثون “توفر هذه الطريقة إمكانية التمتع بتأثيرات مدى الحياة”. وقللت الشحنة التي أدخلتها كريسبر الالتهاب بالفعل، وعززت بقاء الخلية، وأوقفت تدمير الأنسجة خارجها. وبعبارة أخرى، نجحت التجربة.

الجين المسؤول عن الألم

القضاء على ألم أسفل الظهر إلى الأبد بحقنة واحدة
القضاء على ألم أسفل الظهر إلى الأبد بحقنة واحدة

يمكن أن يزيد علاج الآلام من شعبية كريسبر، حيث يعاني 20 بالمئة من الأميركيين من ألم مزمن، وفقا لمراكز مكافحة الأمراض. كما يسلط المشروع الضوء على قدرة العلماء على تحديد أسباب بعض الميزات التي تتمتع بها نسبة قليلة من الأشخاص من خلال دراسة الاضطراب الجيني ومحاكاته حتى يصبح متوفرا لمن يحتاج تأثيراته.بدأ التدافع نحو جيل جديد من العلاجات التي تخفف الألم عندما ركز العلماء على الجين المسمى “أس.سي.أن 9 آي”، المسؤول عن الجزء الموجود في الأعصاب التي تنقل إشارات الألم إلى الدماغ.

وجاء الدليل الذي أبرز دور الجين المركزي من أشخاص يعانون من متلازمات وراثية غير منتشرة، حيث تسببت بعض الطفرات في هذا الجين إلى تضخيم شعور بعض الناس بالألم. وكان الصبي الباكستاني أحد أفراد عائلة تحمل خللا عطّل الجين “أس.سي.أن 9 آي” بالكامل.

أثارت نتائج الاختلافات الواضحة في هذه الجينات الوراثية اهتمام شركات الأدوية. واعتبر الجين مثاليا لتحديد تأثيرات المسكنات. وحتى الآن، لم تحقق الجهود المبذولة لمحاكاة تأثير الخلل الجيني القدرة على الشعور بالألم عبر الأدوية التقليدية نجاحا.

وتقول إحدى الشركات، وتدعى جنينتك، إنها تبحث عن أدوية تستهدف الجزء الناقل للألم دون غيره. ووصفت مؤخرا كيفية الاستعانة بالسموم المستخرجة من العقارب والعناكب

لمحاولة تحقيق هذا الهدف. وتعمل شركتان، وهما فوياجير وكودا، على إيجاد علاجات محتملة أخرى للألم.

جون وود: فكرة العلاج مثيرة، ومتأكد من أنها ستنجح، لكنها ستحمل عددا من المشاكل ويمكن أن تخلق جدلا قويا
جون وود: فكرة العلاج مثيرة، ومتأكد من أنها ستنجح، لكنها ستحمل عددا من المشاكل ويمكن أن تخلق جدلا قويا

وحاول الباحثون توظيف العلاج الجيني لتخفيف نشاط هذا الجزء من قبل. وتمت التجربة سنة 2005 باستخدام تقنية أخرى لتعديل الجينات. ومع ذلك، يبقى التقرير الجديد أول من تحدّث عن استخدام كريسبر لعلاج آلام الفئران. ويقول جون وود، من كلية لندن الجامعية، “تشير البيانات المستخرجة من الحيوانات إلى أنك ستشعر بالحرارة، لكن الألم لن يكون ملحوظا”. ويرى في استخدام كريسبر للعلاج “تقدما كبيرا”.

لكن، أنطونيو ريغالادو، الباحث في معهد ماساتشوستس، يرى أن هناك بعض الجوانب السلبية في تعديل القدرة على الإحساس بالألم. فرغم أنها لا تبدو مرتبطة بهذه الحاسة، يعاني الأشخاص الذين يحملون طفرة الحمض النووي التي تحد من قدرتهم على الشعور بالألم قدرة أقل على تحديد الروائح. ودون ألم، لا يعرف هؤلاء متى يصابون. ويلفت ريغالادو إلى أن عددا من أفراد الأسرة الباكستانية كانوا يعرجون بسبب أطرافهم المكسورة، وفقد بعضهم أجزاء من ألسنتهم بعد أن قضموها.

تبقى جل الأسئلة حول ما إذا كان كريسبر حلا مفيدا لعلاج الآلام دون إجابة. ولم تحدد الورقة البحثية المدة التي سيستغرقها العلاج قبل أن يبدأ تأثيره ونتائجه على الألم الموجود، وهو أمر لم يطلع عليه الباحثون. كما يعدّ العلاج الجيني مكلفا لتقنيته العالية. ويمكن أن يصل ثمن العلاج الواحد 2.1 مليون دولار. ويقول وود “سيرى المستثمرون هذا المجال منصّة للمقامرة. إن فكرة العلاج مثيرة، وأنا متأكد من أنها ستنجح… لكنها تحمل عددا من المشاكل ويمكن أن تخلق جدلا قويا”.

الجنود الخارقون

صورة

من المرجح أن تثير خطط السيطرة على الألم اهتمام الجيوش التي تبحث عن تقنيات تسمح للجنود بمواصلة التحرك والقتال لعدة أيام بعد إصابتهم. وهذا ما يراه بيتر موراي، الذي ينتمي إلى وحدة البحث والتطوير الطبي التابعة للجيش الأميركي. تساءل موراي “هل يمكن أن نخلق مسكنا يمكن أن يعالج الألم الحاد بعد الإصابة دون أن يتعارض مع الإدراك أو القدرة الحركية؟”.

سنة 2017، أخبر فلاديمير بوتين الطلاب في مهرجان للشباب في سوتشي أن الهندسة الوراثية يمكن أن تخلق جنودا لا يشعرون بأي ألم أو خوف، وهو ما يمكن أن يكون “مخيفا أكثر من قنبلة نووية”.

بالإضافة إلى الطفرة التي تحد من القدرة على الشعور بالألم، يمكن أن يسمح خلل جيني لوحدة المراقبة الجوية أو الجندي العادي بالتخلي عن النوم عبر تقليص ساعاته لمدة لا تتجاوز أربع أو خمس ساعات يوميا. ومع تقدم تقنيات العلاج الجيني ومحاولات التخفيف من تكلفته، قد يتمكن الأطباء من تعزيز قدرات الأشخاص عبر عمليات روتينية.

يبقى نهج كريسبر لتخفيف الآلام غير جاهز للاختبار على البشر حتى الآن. لكن فكرة الحقنة الواحدة التي يمكن أن تبدد الألم إلى الأبد ستلاقي استقبالا ضخما في السوق.

17