تقنية الواقع المختلط تحول وجهة ابتكار سيارات المستقبل

عملاق صناعة السيارات السويدية فولفو ينفرد بعيدا في مزج الحقيقة بالواقع الافتراضي أثناء القيادة.
الأربعاء 2019/08/21
بداية تجربة واعدة

رفع عملاق صناعة السيارات السويدية فولفو سقف طموحات إصداراته الحديثة حينما أعلن عن نجاح تجارب أول تطبيق يمزج الحقيقة بالواقع الافتراضي خلال القيادة، الأمر الذي اعتبره مختصون منعطفا حاسما ينبئ بتسارع زخم توظيف التكنولوجيا في مركبات المستقبل بأكثر مما هو متوقع.

لندن – تتيح تجربة الواقع الافتراضي لعشاق الموديلات المميزة استكشاف التجهيزات الداخلية للسيارة من كافة الأبعاد ومن جوانب مختلفة.

لكن الأمر تطور ليصل إلى إمكانية إسقاط تلك التقنية الآخذة في الاتساع على الواقع الفعلي أثناء القيادة والمعروف بالواقع المختلط.

وكدليل على ذلك نشر عملاق صناعة السيارات السويدية، شركة فولفو، مؤخرا مقطعي فيديو على موقعه الإلكتروني يظهر نجاح اختبارات أول تطبيق يمزج الواقع الافتراضي بتكنولوجيا القيادة الواقعية.

وتقول الشركة، التي ما فتئت تقدّم المفاجآت طيلة السنوات الأخيرة، إنها ابتكرت هذا التطبيق بالتعاون مع شركة فاريو الفنلندية المتخصصة في صناعة أجهزة الواقع الافتراضي المتطورة.

وقد تمت العملية التجريبية من خلال نظارة الواقع المختلط وذلك لاختبار النماذج الأولية وكذلك كافة التصميمات الخاصة بتقنيات السلامة الفعالة، وهو ما سيعزز، وفق المتابعين، مستقبل تطوير صناعة السيارات في العالم.

وتُعتبر فولفو من رواد صناعة السيارات في استخدام الواقع المعزز والمختلط في أعمال التصميم والتطوير، وحتى الآن لم يتمكن أي صانع سيارات آخر من القيام بما قامت به الشركة السويدية.

ومن الواضح أن هذا الابتكار سيجعل الصراع التكنولوجي على أشده بين معظم الشركات الكبرى أكثر من أي وقت مضى، حيث لا تتوانى عن إقحام الواقع الافتراضي في المركبات المستقبلية. 

قفزة ثورية

هنريك غرين: الواقع المختلط يمكّننا من تقييم التصميمات بينما لا تزال على لوحة الرسم
هنريك غرين: الواقع المختلط يمكّننا من تقييم التصميمات بينما لا تزال على لوحة الرسم

اختارت فولفو تقنية الواقع الافتراضي نظرا إلى أنها التقنية الأكثر نضجا والأقل احتياجا إلى البنية التحتية التي تعمل من خلالها والأكثر معايشة من قبل نطاق واسع من الجمهور، وهي تقنية مكتملة يمكن أن تضع المشتري في بيئة مكتملة.

وقرنت الشركة في تطبيقها الأحدث نظارات الواقع الافتراضي بالسيارة بحيث يمكن مواءمة المحتويات الافتراضية في الوقت الحقيقي تبعا لحركات السيارة.

وأتاحت فولفو إمكانية قيادة سيارة حقيقية أثناء ارتداء نظارة الواقع المختلط، والتي تقوم بإضافة عناصر افتراضية بسلاسة، أو تطبيقات كاملة تبدو حقيقية لكل من السائق وحساسات السيارة، بما يسهم في التطوير النموذجي.

وقال هنريك غرين كبير مسؤولي التطوير التكنولوجى في الشركة السويدية إنه “مع هذا النهج من الواقع المختلط يمكننا البدء في تقييم التصميمات والتقنيات بينما لا تزال على لوحة الرسم”.

وأوضح أنه بدلا من الطرق التقليدية المعتادة لتقييم المنتجات والأفكار الجديدة يمكن حاليا اختبار المفاهيم والابتكارات على الطريق.

وأضاف أن “هذا الاتجاه سيحقق توفيرا كبيرا ومحتملا في التكاليف عن طريق تحديد الأولويات، فضلا عن تجنب الإخفاقات في وقت مبكر أثناء عملية التصميم والتطوير”.

وتوفر نظارة الواقع المختلط فاريو اكس.آر 1 التي تم إطلاقها للمرة الأولى نهاية يونيو الماضي، قدرة احترافية في مزج الواقع الافتراضي بالحقيقة بدقة عالية الوضوح، لتقوم بدور ريادي في التقليل الجذري للمدة الزمنية المخصصة للتطوير.

ويرتكز ذلك الأمر على عوامل أساسية من بينها توفير قدرة أكبر على تقييم الخصائص والتصميمات المبتكرة على الفور وبشكل قياسي.

وتؤكد الشركة السويدية أن النظارة تأتي بميزة منفردة عن سابقاتها، إذ أضيفت إليها كاميرات عالية الوضوح إلى جانب سماعات الرأس لتتمكن من مسايرة الواقع المختلط.

وأشارت إلى أن كل تلك الخصائص تتيح لمصممي ومهندسي الشركة تقييم جميع مواصفات النظارة في بيئة المحاكاة من أجل تطوير أكثر السيارات أمانا.

وتسمح نظارة اكس.آر 1 أيضا لمهندسي فولفو وخبراء السلامة بتطوير وتقييم حلول السلامة الفعالة بسهولة أكبر.

أما عن تقنية تتبع العين عالية الدقة المدمجة داخل النظارة فهي تيسر تتبع وتقييم كيفية استقبال عين المستخدم لبرامج التشغيل لكل الوظائف الجديدة المدمجة في السيارة.

ولا يقف الأمر عند ذلك الحد، بل تعمل على تتبع ما إذا كانت تشتت الانتباه بأي طريقة، ليضمن هذا النموذج القائم على التكنولوجيا قياسا لمستويات تشتيت الانتباه، وتعزز قدرة الشركة السويدية على تطوير قدرات جديدة دون التأثير على انتباه السائقين.

وتعليقا على هذا الإنجاز الأول من نوعه قال نيكو إيدن الرئيس التنفيذي لشركة فاريو إنه “منذ البداية كانت رؤيتنا تتمثل في ابتكار منتج يمكنه دمج الحقيقة في الواقع الافتراضي”.

وأضاف “اليوم تؤكد الأساليب المتقدمة، التي تستخدم بها فولفو نظاراتنا الجديدة، أن تقنية فاريو تتيح الأشياء التي كانت مستحيلة في السابق بشكل لا يصدق”.

ولم يخف إيدن سعادته بهذا الابتكار عندما أكد بالقول خلال مؤتمر صحافي “لقد بدأنا جنبا إلى جنب مع فولفو حقبة جديدة من الاستخدام التقني للواقع المختلط”.

ولم تؤكد الشركة ما إذا كانت هذه التقنية الجديدة ستقتصر على سياراتها أو أنها ستكون متاحة لشركات السيارات الأخرى ومطوري المحتوى مستقبلا.

ويؤكد زكي فصيح الدين الرئيس التنفيذي لصندوق تمويل البحث التقني لفولفو أن فاريو تعد مثالا نموذجيا لنوع الشركات التي يمكن الاستثمار فيها خاصة وأن تقنياتها المبتكرة تقدم الكثير من الآفاق للجيل القادم من السيارات الذكية.

صراع محتدم

شركة هولورايد الناشئة استطاعت مع أودي اعتماد تقنية الواقع الافتراضي حيث تريد تحويل الرحلات إلى تجارب قريبة من الحقيقة ضمن الجيل الجديد من المركبات
شركة هولورايد الناشئة استطاعت مع أودي اعتماد تقنية الواقع الافتراضي حيث تريد تحويل الرحلات إلى تجارب قريبة من الحقيقة ضمن الجيل الجديد من المركبات

شكل العام الجاري منعطفا مهما لمستقبل صناعة السيارات بعد أن استعرضت مجموعة من الشركات عضلاتها بابتكارات تكنولوجية فريدة من نوعها تعتمد على الواقع الافتراضي خلال معرض لاس فيغاس للإلكترونيات، الذي أقيم في شهر يناير الماضي.

ورغم الطفرة في استخدام الذكاء الاصطناعي في السيارات، إلا أن الأمر تجاوز ذلك بعد أن أظهرت شركات جموحا أكبر في استخدام ما توفره التكنولوجيا من خدمات في كل التجهيزات التي تحتويها المركبة وتوظيف جانب منها في أشياء عملية أخرى.

ولفتت شركة أودي الألمانية الأنظار عندما أزاحت الستار عن منصة طورتها شركة هولورايد الأميركية الناشئة تضم أفلام الواقع الافتراضي وألعاب الفيديو والمحتويات التفاعلية في سيارتها إي-ترون الكهربائية.

وتؤكد الشركة الشهيرة أنها تهدف من المنصة إلى إتاحة عالم من الترفيه الافتراضي لركاب المقاعد الخلفية على غرار ما يتوفر لهم على الأريكة في غرف المعيشة.

وبإمكان الركاب استعمال نظارات واقع افتراضي مرتبطة بكمبيوترات في صندوق الأمتعة.

ولكن النظام سيعمل في المستقبل بواسطة نظارات واقع افتراضي مشابهة لنظارات أوكولوس الجديدة، والتي لا تحتاج إلى كمبيوتر خارجي.

وفي الوقت نفسه سيتم توصيل نظارة الواقع الافتراضي بمستشعرات في السيارة، بحيث إذا كانت المركبة تجتاز منعطفا جهة اليمين، فإن المركبة في العالم الافتراضي ستتجه نحو اليمين.

وبالإضافة إلى ذلك سيتمكن النظام أيضا من تحليل بيانات الملاحة، وبالتالي سيتم ضبط طول لعبة الواقع الافتراضي مع وقت الرحلة المتوقع.

ويرغب البعض من الزبائن أو أصحاب السيارات الجديدة في إضفاء لمسة شخصية على الموديل، الذي وقع عليه اختيارهم، وذلك للتعبير عن تفردهم وتميز أسلوبهم ولمساتهم.

واستجابة لهذه الرغبة، تقدم العديد من شركات السيارات للزبائن إمكانية اختيار تجهيزات السيارة من خلال بعض التقنيات الحديثة مثل نظارات الواقع الافتراضي.

ويقول الخبير هانز جورج مارميت إن العدد المتزايد في الطرازات وأنواع الهياكل والمحركات والتجهيزات لم تنتج عنه زيادة الاختيارات فقط، وإنما زاد من صعوبة اختيار السيارة أيضا.

وسيلة ترفيه

نيكو إيدن: تقنية فاريو تتيح الأشياء التي كانت مستحيلة في السابق بشكل لا يصدق
نيكو إيدن: تقنية فاريو تتيح الأشياء التي كانت مستحيلة في السابق بشكل لا يصدق

ركز المصنعون منذ فترة طويلة على ضبط السائقين وجعلهم يجلسون منتبهين لسير السيارة، لكن مع انتقال الصناعة إلى المركبات المستقلة أصبح السائقون ركابا، وبرزت مشكلة كيفية التعامل مع منسوب الملل الذي قد يصيبهم.

وتأمل الشركات، وفي مقدمتها نيسان اليابانية، في منح السائق والركاب متنفسا يشغلون به أنفسهم خلال الرحلات، وخاصة منها الطويلة، عبر تقديم خدمات الترفيه المعتمدة على الواقع الافتراضي.

وخلال معرض آسيا للإلكترونيات الذي أقيم الشهر الماضي في مدينة شنغهاي الصينية، اجتمع كبار المسؤولين في قطاع السيارات للنظر في هذه المسألة بجدية أكبر.

وذكرت مصادر مقربة من الشركات حينها أن عمالقة الصناعة شرعوا بالفعل في اعتماد شخصيات الرسوم المتحركة الشهيرة وغيرها من تجارب الواقع الافتراضي لتوفير المزيد من التسلية للسائقين والركاب.

ونسبت صحف صينية إلى كبير مديري الأعمال الرقمية في أودي بوريس مينرز قوله إنه “بمجرد انتفاء الحاجة إلى القيادة بعد الآن، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو ما نوع الأشياء التي يمكن أن نقدمها داخل السيارة؟”.

وحاليا، تعكف شركات مثل فولكسفاغن وديملر الألمانيتين وفورد الأميركية على البحث في كيفية اعتماد تكنولوجيا السيارات المستقلة بشكل أكبر في السنوات المقبلة.

ولكن ما زال يتعين على هذه التكنولوجيا الجديدة التغلب على العقبات التنظيمية، كما أن عدة دراسات تُشير إلى أن الأمر سيستغرق وقتا لكسب ثقة الناس في الاستسلام للسيارات ذاتية القيادة.

وتبدي هولورايد تركيزا شديدا على تقنية الواقع الافتراضي، حيث تريد تحويل الرحلات إلى تجارب قريبة من الحقيقة ضمن السيارات المستقلة، من خلال تسليط الضوء على برنامج متكامل يأخذ الركاب في رحلة تحت الماء.

ويسمح هذا البرنامج للركاب بالسباحة مع الحيتان والأسماك أثناء سفرهم إلى وجهتهم، حيث يتم تسجيل الحركات بواسطة كمبيوتر مثبت في صندوق خلفي.

وسيعمل الكمبيوتر على نقل وإرسال البيانات إلى نظام الواقع الافتراضي، ويضبط ما يشاهده الركاب من خلال نظارات مخصصة لذلك.

وقد عرضت نيسان بالفعل خلال الأشهر الماضية في المعارض التي شاركت فيها مجموعة من نظارات الواقع الافتراضي التي يمكن للسائقين والركاب استخدامها.

وتقدم تلك النظارات معلومات في الوقت الحقيقي، وتعرض شخصية رسوم متحركة تتحدث مع مرتديها.

ويقول المسؤول في مركز أبحاث نيسان تيتسورو أويدا إن الشركة تريد تلبية احتياجات الناس العاطفية لأن الأمر سيتغير كثيرا إثر انتشار السيارات ذاتية القيادة، حيث سيكون التفاعل بين السائق والراكب أكبر.

ويقول خبراء إنه كلما ارتفع سعر السيارة الذكية زادت تكلفة إعداداتها، ولذلك تقوم شركتا لاندروفر وجاغوار البريطانيتان، على سبيل المثال، بتأسيس قسم يعرف باسم كومسيونغ سويت.

17