تقنية بلوك تشين تساعد على توثيق استعمال كل دولار من المساعدات

يقلص دمج التكنولوجيا في سير المعاملات بين المانحين والدول التي يقدمون لها المساعدة نسبة عمليات التحيل وضياع المنح، ويسهل وصولها إلى وجهاتها، فالاستخدام الرقمي يحتوي على عدد من الفوائد، أهمها القضاء على سوء الاستخدام للمساعدات الدولية.
الاثنين 2017/12/04
سرعة وأمان

لندن – يبحث مهتمون بالمنح الدولية التي تسند لقطاع الصحة بوجه الخصوص، عن كيفية ضمان عدم التحيل من خلال دمج التكنولوجيا في عمليات تحويل الأموال من المانحين إلى الدول المستفيدة، بهدف تقليص التبذير والحد من التحيل.

وتأتي تكنولوجيا بلوك تشين (ومعناها الحرفي سلسلة الكتل) المعروفة أكثر باعتماد عملة بيتكوين (هي عملة يمكن مقارنتها بالعملات الأخرى مثل الدولار أو اليورو، لكن مع عدة فوارق أساسية، من أبرزها أنها عملة إلكترونية بشكل كامل تتداول عبر الإنترنت فقط من دون وجود فعلي لها) وغيرها من العملات المشفرة، بإمكانية المساعدة في الحد من عمليات التحيل.

وهذا النوع من التكنولوجيا يسمح للمانحين بإمكانية تتبع الأموال والسلع والعلاجات التي يقدمونها للدول الأخرى، إذ باستطاعة بلوك تشين إحداث تحول في كيفية تمويل المنظمات للبرامج الصحية وتنفيذها وتقليص الضياع وادخار المال وجلب رعاية أفضل للمليارات من البشر.

ضياع مبالغ ضخمة

يتسبب التحيل بشكل سنوي في ضياع مبلغ يناهز 455 مليار دولار من إنفاق العناية الصحية في العالم، وهو مبلغ يتجاوز الناتج المحلي الخام لكل من فنلندا وسيريلانكا مجتمعتين.

وبالرغم من أن جزءا من سوء الاستخدام هذا يحدث في البلدان الغنية، فإن قسطا كبيرا يحدث في البلدان النامية حيث يمكن أن تكون للمال الضائع تكاليف كبيرة بالنسبة إلى الصحة العمومية.

وقدّر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في سنة 2011 أن “الفساد حال دون وصول ثلاثين بالمئة من كل المساعدة التنموية إلى وجهتها النهائية”.

ويرجح وجود رقم مماثل في قطاع الصحة العالمية، فمثلا في سنة 2011 طلب الصندوق العالمي (وهو غرفة المقاصة الأكبر في العالم للتمويلات المتعلقة بعلاج فيروس نقص المناعة/الإيدز والملاريا والسل) من حكومات جيبوتي ومالي وماوريتيوس وزمبيا إعادة قرابة 34 مليون دولار، قال إنها لم تنفق بطريقة جيدة أو تم التحيل في تعليل صرفها أو اختفت بكل بساطة.

وتم إرجاع أموال إلى غافي، وهو ائتلاف عالمي للتلاقيح، من قبل 11 بلدا من أجل إساءة استعمال الأموال، وهذا العام يتوقع استلام 5.4 مليون دولار من الحكومة النيجيرية.

بلوك تشين تسمح للمانحين بإمكانية تتبع الأموال والعلاجات التي يقدمونها للدول الأخرى، تقليصا لنسب التحيل

كما يحدث التحيل وسوء الاستعمال من الجانب المانح، ففي سنة 2014 توصلت جامعة كولومبيا إلى تسوية بقيمة 9 ملايين دولار مع الحكومة الأميركية من أجل التحيل المتعلق بمنح تلقتها الجامعة عن طريق خطة الرئيس الاستعجالية لبرنامج التخفيف من فيروس نقص المناعة/الإيدز.

وهناك مسألة عدم الفاعلية التي كثيرا ما تتأتى من مواطن ضعف أنظمة الرعاية الصحية وليس من ارتكاب الأخطاء، ففي سنة 2016 وجد الصندوق العالمي أن 70 بالمئة من المنشآت التابعة التي زارها في أوغندا نفدت منها الأدوية المضادة للفيروسات الرجعية لمرض فيروس نقص المناعة/الإيدز لفترات لا تقل عن ثلاثة أسابيع خلال السنة الماضية.

وبيّن التقرير السنوي لعام 2017 الصادر عن غافي أن في 19 عملية تدقيق وطنية أجريت خلال العامين الماضيين، 47 بالمئة من البرامج التي كانت هذه المؤسسة قد دعمتها كانت تستخدم التمويلات بشكل غير فعال، و68 بالمئة من هذه البرامج أخفقت في إدارة مخزوناتها من التلاقيح بشكل ملائم.

وهذه المشاكل تعيق أنظمة الرعاية الصحية في البلدان النامية ويساعد الفساد وعدم النجاعة في تفسير معاناة أغلب أنظمة الرعاية الصحية في العالم من نقص في التمويل، واستمرار الكثير من الدول في المعاناة من انتشار الأمراض المميتة التي كان يمكن الوقاية منها مثلما حدث في بلدان غرب أفريقيا أثناء انتشار مرض الإيبولا في سنة 2014.

وبقي المانحون لفترة طويلة جدا وهم يركزون على التعجيل بصرف المنح بدلا من التركيز على تحقيق أقصى قدر من العائدات من الاستثمارات.

كيف يمكن وقف النزيف

هناك عدة أسباب تجعل من التحيل والتبذير منتشرين في قطاع الصحة العالمية، ومنها أن المانحين يميلون إلى إرسال المال إلى وزارات الصحة ومنظمات أخرى على أقساط كبيرة، وذلك في الغالب لأن إرسال أقساط أصغر ينطوي على دفع تكاليف تحويل عالية وأعباء إدارية أكبر. وهذا يخلق فوائض وأهدافا سهلة للابتزاز المالي.

إضافة إلى ذلك كثيرا ما تتميز سلاسل التزويد في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط بالضعف والغموض، وفي بعض الأحيان تمر بالعشرات من التغييرات في المتعهدين قبل أن تصل السلع إلى وجهاتها النهائية. ومن ثم من السهل أن تضيع الأدوية والمعدات أو تتلف، مثلما حصل لـ1.3 مليون جرعة من اللقاح خماسي التكافؤ (وهو نوع اللقاح الذي يحمي من خمسة أمراض) في باكستان في سنة 2015. وكثيرا ما تتجاوز تكلفة تحديد الإخلالات في سلاسل التزويد قيمة السلع الضائعة.

وتحاول الكثير من المنظمات الدولية التعامل مع هذه المشاكل. فمنذ يوليو 2011 أعد البنك العالمي وبنك التنمية الآسيوي والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية وعدة بنوك أخرى قائمة سوداء تضم 368 شخصا وشركة متورطين في الفساد.

إدخال التقنيات الحديثة يسهل على المانحين استعمال العقود الذكية

لكن مثل هذا التدقيق يتطلب الكثير من المال والوقت، إذ يشغل البنك العالمي 417 شخصا لمراقبة الامتثال لمعاييره المالية والتزويدية، وفي تحقيق واحد في حالة مالية في سنة 2010 راجع الصندوق العالمي قرابة 59 ألف وثيقة. والأدهى من ذلك أن المدققين لا يقدرون إلا على تحديد التحيل الذي حدث فعلا ولا يمكنهم تقفي المشاكل خلال تكونها وإيقافها. والنتيجة هي أن المانحين لا يمسكون إلا بجزء يسير من التجاوزات، وبعد أشهر أو سنوات من حدوثها. وعندما يرد المانحون الفعل بتعليق المساعدات يعاني المرضى.

هنا يأتي دور بلوك تشين حيث تخلق هذه التكنولوجيا سجلات رقمية آمنة للمعاملات يمكن تقييمها من قبل مستخدمين مصدق عليهم على شبكة واسعة. وكل معاملة تقر الشبكة بصحتها تضيف “كتلة” جديدة إلى “السلسلة”، وبذلك تحدث سجلا يتعذر محوه بالإمكان تقييمه في الوقت الحقيقي. وهناك الآن عدد من الشركات الكبرى متعددة الجنسيات (انطلاقا من ولمارت وآي.بي.أم إلى عملاق المناجم بي.آيتش.بي بيليتون) تستعمل هذه التكنولوجيا لإدارة سلاسل التزويد، عن طريق تتبع السلع أثناء تنقلها حول العالم.

ويمكن لمنظمات الإغاثة أيضا أن تستخدم هذه التكنولوجيا لمراقبة التموينات الطبية في تنقلها من المصنع إلى المريض. وعلى سبيل المثال يمكن عند اقتراب شحنة لقاحات إلى مقصدها، أن يستعمل كل من مناوليها (انطلاقا من الطاقم الذي يفرغ الشحنة في المطار إلى الساعي الذي يحملها إلى مصحة القرية على دراجة نارية) هاتفا ذكيا ليلصق بها سجلا دائما يحدد الوقت الفعلي للمكان الذي كانت فيه والزمان الذي كانت فيه هناك ومن تعامل معها.

وبهذا الشكل ستصبح كل هذه التفاصيل جزءا من الهوية الرقمية للشحنة مما يخلق سجلا لتعهدها ويجعل من المستحيل سرقة السلع أو استبدالها بسلع مزيفة دون أن يتم إخطار الشبكة.

وتستوعب بلوك تشين الكثير من أنواع المعلومات لذلك يمكن تنزيلها عليها ويمكن كذلك تضمين معلومات مثل تواريخ انتهاء الصلوحية وظروف التخزين.

وإذا تلقى الممرضون والأطباء والمرضى جميعهم معرّفات رقمية موحدة، مثلما يفعل أغلب مواطني الهند عبر برنامج التعريف البيومتري لذلك البلد، يمكن للأطباء السريريين توثيق تفاصيل كل لقاء مع المريض. وعن طريق تسهيل تنزيل المعلومات عن المواعيد يمكن لتكنولوجيا بلوك تشين في النهاية أن تساعد على توثيق كيفية وزمن ومكان استعمال كل دولار من المساعدات.

ومن شأن هذه المنظومة أن تحتوي على عدد من الفوائد، فبالإضافة إلى تقليص سوء الاستخدام والابتزاز سيسمح استخدام بلوك تشين للمديرين بمشاهدة متى انتهت صلوحية الأدوية، مما يعطيهم الفرصة لتنبيه الأطباء والحيلولة دون استعمالها.

كما أن استعمال بلوك تشين بإمكانه مساعدة الوكالات المانحة على معرفة متى يكون نقص الموظفين سببا في تأخر توزيع المساعدات ومتى يكون الأطباء السريريون بصدد استعمال الأدوية بشكل غير مناسب، مثلما حدث في أوغندا حيث وجد تدقيق أجراه الصندوق العالمي سنة 2016 أن أعدادا من المنشآت كانت تستعمل أدوية فيروس نقص المناعة/الإيدز لمعالجة التهاب الكبد “ب”.

وبوسعها هذه التقنية أيضا أن تكشف متى تنقص الكميات مما يساعد على الحيلولة دون نفاد المخزون، وذلك عن طريق ترشيد سلاسل التزود وتسهيل مراقبتها، حيث يمكن لتقنية بلوك تشين المساعدة في تحرير التمويلات المخصصة للتصرف على المرضى. وكل هذا يعطي المرضى المزيد من الثقة بقدرتهم على الوصول إلى الأدوية الصحيحة عند الحاجة إليها.

إرسال الأموال باستخدام بلوك تشين من الممكن أن يساعد على قطع مساحات شاسعة من التعقيد

وباستطاعة اعتماد بلوك تشين كذلك أن يجعل وزارات الصحة أكثر فعالية، فعوضا عن تحويل أقساط كبيرة من الأموال إلى الوزارات، حيث يجب على المسؤولين عندها الإشراف عليها، يمكن للمانحين استعمال ما يسمى العقود الذكية التي تطلق المعاملات عندما توفي الأطراف المعنية بشروط معينة لترسل آليا الأموال إلى المزودين والمنشآت الطبية وهم بصدد إنجاز العلاجات والخدمات. وذلك من شأنه أن يحد من فرص الابتزاز ويخفف جزءا كبيرا من العبء الإداري عن الموظفين الذين يقضون وقتا أطول من اللزوم في إدارة المنح.

الصحة الجيدة والثراء

أشار كل من البنك العالمي وصندوق النقد الدولي والأمم المتحدة والوكالات التنموية التابعة للولايات المتحدة والمملكة المتحدة إلى أنها مهتمة باستخدام تقنية بلوك تشين في برامج الإغاثة التابعة لها.

ومع ذلك لن يستثمر المانحون الكبار في برامج تعتمد على بلوك تشين حتى يثقوا في صلابة التكنولوجيات المعتمدة. والحال أن “إثيريوم”، وهي المنصة الأنسب لمثل هذا العمل، ربما مازالت تشكو من عدد من العيوب التقنية والخاصة بالأمان. وبالتالي على هذه الشركات وغيرها أن تجري برامج تجريبية تستعمل هذه التكنولوجيا للكشف عن هذه المشاكل المحتملة ومعالجتها، كما يجب أن تصبح المعاملات المعتمدة على بلوك تشين أكثر نجاعة في استهلاك الطاقة، فمثلا تتطلب بيتكوين (وهي العملة الأبطأ والأكثر أمانا من بين العملات المشفرة) طاقة أكثر بآلاف المرات في كل عملية مما تتطلبه البطاقات الائتمانية.

واقترب الإنفاق العالمي على الرعاية الصحية في سنة 2016 من ثمانية ترليون دولار، أو قرابة عشرة بالمئة من الناتج الداخلي الخام العالمي. ومن المفترض أن يصل ذلك الرقم إلى 18 ترليون دولار بحلول سنة 2040. وترجمة هذا الاستثمار إلى صحة ورخاء تتطلب وضع حد للتحيل وتجاوز الحواجز أمام التمويل العادل والمتاح. وهنا تقدم تكنولوجيا بلوك تشين طريقة للبداية.

ومن بين الأسباب التي جعلت بلوك تشين تلقى الكثير من الاهتمام كمنصة لتطوير التطبيقات والخدمات المالية هو الشفافية والثقة المضمنة فيها.

وقال ماركوس تريتشر المدير العالمي للحسابات الاستراتيجية في ريبل المالية (أكبر شركة صرافة إماراتية) الذي يختبر تجربة لا تحصى في إرسال الأموال على الصعيد العالمي باستخدام قوة بلوك تشين متحدثا في سيب بلندن حول التعطيل الرقمي والتكنولوجيا “باستخدام تقنية بلوك تشين من الممكن قطع مساحات شاسعة من التعقيد”.

12