تقنية علاجية جديدة تعدل الجينات البشرية بسرعة وكفاءة

تتطور أبحاث الهندسة الوراثية، يوما بعد يوم، وتتسابق مراكز البحوث على تجربة التكنولوجيات والتقنيات ومراقبة تأثيراتها وأعراضها الجانبية على الحمض النووي. وتعتبر تقنية كريسبر الأقدر، حتى الآن، على تعديل الجينات المصابة رغم الانتقادات التي طالت الباحثين بسبب ما قد تلحقه بالحمض النووي البشري.
الخميس 2017/08/03
تقنية كريسبر قد تضر الحمض النووي جراء تعديله

لندن- كشفت جامعة أوريغون للصحة والعلوم في بورتلاند بالولايات المتحدة أنها أجرت بحثا استعان بتكنولوجيا تسمح بتعديل الجينات في جنين بشري وذلك للمرة الأولى بالبلاد.

وقال موقع تكنولوجي ريفيو الذي كان أول من نشر الخبر “يُعتقَد أن البحث يفتح آفاقا جديدة سواء من حيث عدد الأجنة التي شملتها التجربة أو من ناحية توضيح أن من الممكن تصحيح بعض الجينات المسببة للأمراض الوراثية بكفاءة وأمان”. ووقعت بعض البلدان على معاهدة تحظر هذه الممارسة بسبب مخاوف من احتمال استخدامها في إجراء تعديلات وراثية حتى يحمل المواليد صفات معينة.

وينطوي البحث الذي أشرف عليه شخراط ميتاليبوف رئيس مركز الجامعة للخلايا الجنينية والعلاج الجيني على تكنولوجيا تعرف باسم “كريسبر” فتحت آفاقا جديدة في الطب الجيني بفضل قدرتها على تعديل الجينات بسرعة وكفاءة.

وتعتبر تكنولوجيا كريسبر مثل مقص للجزيئات يستطيع قص الأجزاء غير المرغوب فيها من الجينوم لتحل محلها أجزاء جديدة من الحمض النووي. ونشر علماء في الصين دراسات مشابهة بنتائج متباينة. فقد أوردت صحيفة “نيتشر نيوز” تفاصيل الورقة البحثية التي قام بها فريق صيني بقيادة الباحث في مجال وظائف الجينات، جونجيو هوانغ، في جامعة صن يات سن في غوانغجو.

رغم المخاطر المحتملة، تظهر نتائج استخدام تكنولوجيا كريسبر على الفئران كفاءة وسرعة عاليتين للتعديل الجيني

ووصف العلماء الصينيون كيفية تغييرهم للخريطة الجينية لجنين حصلوا عليه من عيادة تخصيب. وكان الجنين البشري قد حصل على مجموعة إضافية من الكروموسومات بعد تخصيب البويضة بحيوانين منويين.

وحاول العلماء تعديل الجين المسؤول عن “بيتا-تالاسيميا”، وهو خلل مرضي قاتل يصيب الدم، باستخدام تقنية تعديل الجينات المعروفة باسم كريسبر- كاس 9. ووفقاً للدراسة قام الباحثون بحقن 86 جنيناً، من الأجنة غير القابلة للحياة، وانتظروا 48 ساعة لإبدال الجزيئات التي تحل محل الحمض النووي المفقود، وتم الإبدال في 71 جنيناً، وتم فحص 54 منها.

وأوضح العلماء أن العملية نجحت في 28 جنيناً فقط، وأن عدداً محدوداً منها احتوى على المادة الجينية المعدلة. وقال هوانغ “إذا أردت الحصول على جنين طبيعي فيجب أن تصل النسبة إلى 100 في المئة”، مضيفاً “ولهذا توقفنا عن عملنا.. ونحن نعتقد أنه لم يحن بعد موعد الاستمرار في هذه التجارب”.

كذلك أظهرت التجارب ظهور عدد كبير جداً من الطفرات غير المرغوب فيها وبمعدل أكبر بكثير مما ظهر في دراسات سابقة حول التعديلات الجينية على خلايا فئران وأخرى بشرية بالغة.

وحذَّرَت دراسة جديدة نشرتها جامعة كولومبيا من مخاطر استخدام أداة كريسبر-كاس 9. ووجد الباحثون أنَّ تقنية التعديل الجيني قد تؤدّي إلى طفرات غير مقصودة، وقد تبقى غير مُكتشَفة إذا اقتصر الاستقصاء على الخوارزميَّات الحاليّة.

وقال ستيفن تسانج -أحدُ مؤلّفي البحث- في مؤتمر صحافي عقدته جامعة كولومبيا “نرى أنّه من الضروري أن يراعي المجتمعُ العلميُّ المخاطرَ المحتملةَ التي قد تَنتُج عن استخدام كريسبر كالطفرات غير المقصودة، والتي تتضمن الطفرات النقطيَّة (طفرة النوكليوتيد المفردة) وطفرات المناطق غير المُرمِّزة في الجينوم”.

وتتبّع الباحثون في الدراسة تسلسل جينوم فئران خضعت للتعديل الجيني باستخدام كريسبر في سبيل معالجتها من العمى. وبحث الفريق عن جميع الطفرات المحتملة، حتّى تلك الطفرات التي تغيّر نوكليوتيدًا واحدًا. ووجد الباحثون نحو 1500 طفرة نقطيّة وأكثر من 100 طفرة خبن “حذف” وطفرة غرز “إضافة” في جينوم اثنين من الفئران المُختبَرة.

التجارب بينت ظهور عدد كبير جداً من الطفرات غير المرغوب فيها وبمعدل أكبر بكثير مما ظهر في دراسات سابقة حول التعديلات الجينية على خلايا فئران وأخرى بشرية بالغة

لا تقترح الدراسةُ حظرَ استخدام أداة كريسبر، فعلى الرغم من المخاطر المحتملة، تُظهِر نتائجُ استخدام كريسبر على الفئران كفاءةً عاليةً للتعديل الجيني، إنّما تدعو إلى البحث عن طريقة أفضل لاستقصاء الطفرات والخبن والغرز في الجينوم.

ويقترحُ الباحثون فحصَ تسلسل الجينوم الكامل بدل الاعتماد على الخوارزميَّات المُحَوسَبة التي لم تستطع اكتشافَ الطفرات التي وجدَتها الدراسة. وقال تسانج “نأمل أن تشجّع دراستنا الآخرين على فحص تسلسل الجينوم الكامل لتعقُّب الآثار السلبيَّة لكريسبر، وأن يبحثوا عن أدواتٍ مختلفة وأكثر أمانًا ودقَّةً للتعديل الجيني”.

وأضاف أليكساندر باسوك المشاركُ في الدراسة من جامعة آيوا “تبدو الخوارزميَّاتُ التنبّئية كافيةً عندما تُستخدَم أداةُ كريسبر على الأنسجة أو الخلايا في طبق مخبري، لكنّ فحص تسلسل الجينوم الكامل لم يُجرَّب حتّى الآن لاستقصاء الآثار السلبيّة في الحيوانات الحيّة”.

وكان علماء ومتخصصون في علم الأخلاق قالوا خلال لقاء دولي في الأكاديمية الوطنية للعلوم في واشنطن عام 2015 إن تطبيق تكنولوجيا التعديلات الجينية على أجنة بشرية لأغراض علاجية سيكون أمرا “غير مسؤول” إلى أن تحل مشاكل تتعلق بالسلامة والكفاءة. وسابقا طالب خمسة باحثين بارزين في دراسة نشرتها دورية “نيتشر” العلمية، علماء الأحياء بوقف مثل هذه التجارب بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة والجوانب الأخلاقية.

وقال إدوارد لانفير الرئيس التنفيذي لمؤسسة “سانجامو بيوساينسيز” -ومقرها كاليفورنيا- إن الدعوة إلى الكف عن مثل هذه الأبحاث مبعثها مخاوف من أن هذه الجهود قد تجاوزت الحدود الأخلاقية.

وقال لانفير -وهو كبير المشرفين على هذه الدراسة- إن “البشر ليسوا فئرانا أو كائنات تجارب، وهو أمر لا نسعى إليه.. يجب أن يتوقف البحث”، مضيفا أن الشائعات التي تقول بأن معملا أو معامل باتت على وشك إنتاج جنين بشري معدل وراثيا لا تزال تتردد.

17