تقنين التعددية الزوجية في مصر يساعد على الاستقرار الأسري

قانون الأحوال الشخصية الجديد بشأن التعددية الزوجية ينتصر لكرامة المرأة ويكرس وضعيتها التي تستحقها لكونها صاحبة الحق في تقرير مصيرها.
السبت 2021/03/06
إخفاء الزواج بثانية يجيز عقوبة السجن

أثار قانون تحجيم التعددية الزوجية، الذي يشترط موافقة الزوجة الأولى على الزواج بثانية، جدلا واسعا في الشارع المصري كما أحدث حالة من الانقسام داخل الأسر، خاصة وأن القانون فرض عقوبات زجرية على الزوج الذي يخفي زواجه بثانية تتراوح بين السجن والغرامة المالية. كما يتيح القانون للزوجة، سواء الأولى أو الثانية، حق طلب الطلاق للضرر، لكن رغم أهميته، يبقى غياب الشجاعة عن الكثير من النساء في مواجهة عائلاتهن بطلب الطلاق، عائقا يحول دون تفعيل هذا الحق.

تستعد اللجنة التشريعية بمجلس النواب المصري لمناقشة قانون الأحوال الشخصية المقدم من الحكومة، ويتضمن توقيع عقوبات على الزوج الذي يخفي زواجه الثاني عن شريكة حياته، ويشترط عليه إبلاغها والحصول على موافقتها كتابة قبل تفعيل عقد الزواج، مع موافقة الزوجة الثانية على الارتباط الرسمي به وهو متزوج من أخرى.

الطلاق للضرر

ويتيح القانون للزوجة، سواء الأولى أو الثانية، حق طلب الطلاق للضرر، ورفع دعوى قضائية للانفصال عن زوجها مع احتفاظها بكامل حقوقها من منقولات ونفقة وسكن لها ولأولادها، على أن يعاقب الرجل بالحبس مدة لا تزيد عن عام، أو بمعاقبته ماديا بغرامة تبدأ من 1200 دولار وتصل إلى 3 آلاف دولار في حالة ثبوت إخفاء زواجه.

وتطال العقوبة أيضا المأذون الشرعي الذي يوقع عقد الزواج، في حال لم يلتزم بإخطار الزوجة الأولى بالزواج الثاني أو يتأخر في إبلاغها، ليكون لها حق التصرف وتقرير مصيرها، واختيار العلاقة التي تناسبها، بالاستمرار في الزواج أو طلب الطلاق، وعلى المأذون أن يتحرّى عن زواج الرجل لأول مرة أم أنه لم يسبق له الارتباط رسميا.

أحمد كريمة: مـن حق الرجل الزواج متى شـــاء طالما لديه القدرة للقيام بذلك

يبدو أن الحكومة تهدف من وراء هذا القانون، تحجيم ظاهرة تعدد الزوجات للحد من الخلافات الزوجية التي صارت تهدد الاستقرار الأسري، في ظل استسهال الكثير من الرجال الزواج بثانية وثالثة ورابعة بحجة أن الشرع الإسلامي يبيح ذلك، مع أن الظروف الاقتصادية والمعيشية لا تتيح لهم أن يكونوا مقتدرين ماديا على الوفاء بالتزاماتهم العائلية.

وأحدث القانون حالة من الجدل والانقسام داخل أركان الأسرة الواحدة، فأغلب الرجال يتعاملون مع شرط موافقة الزوجة الأولى قبل الارتباط بثانية على أنه نوع من الإهانة والانتقاص من رجولتهم، وأن الحرية الدينية الممنوحة لهم صارت تحت رحمة النساء، وهذا مرفوض في مجتمع شرقي يفترض أن تكون فيه الكلمة العليا والقرار الأول للرجل وليس للمرأة.

وترى منظمات نسائية أن القانون ينتصر لكرامة المرأة ويكرس وضعيتها التي تستحقها لكونها صاحبة الحق في تقرير مصيرها، ولها حق أصيل في اختيار الطريقة الزوجية التي تناسبها وتحترم آدميتها، حتى لا تعيش حياتها وهي مخدوعة ويتم إجبارها على الاستمرار في علاقة قد ترفضها إذا علمت بحقيقة أن زوجها ارتبط بأخرى دون علمها.

وبالرغم من إقرار قانون الأحوال الشخصية بحق المرأة في المطالبة بالطلاق للضرر، إذا اكتشفت زواج شريك حياتها من أخرى، لكن هناك معوقات كثيرة تحول دون تفعيل هذا الحق، أبرزها غياب شجاعة الكثير من النساء في مواجهة عائلاتهن بطلب الطلاق، والخوف من الوصمة التي تطال المطلقة في محيطها مهما كانت مبرراتها.

قالت آية محمد، وهي زوجة في العقد الثالث من عمرها، إن لها صديقة علمت صدفة بأن زوجها ارتبط بأخرى رسميا دون إبلاغها، وعندما طلبت الطلاق هددتها أسرتها بمقاطعتها وحرمانها من ميراثها وأبنائها وإبلاغها بأنها لن تكون لها عائلة، بدعوى أن طلاقها يعني خراب بيتها، ومن حق زوجها الزواج بأربعة حسب أحكام الشرع.

تعيش الزوجة في محافظة البحيرة شمال القاهرة، أي داخل بيئة يغلب عليها الطابع الريفي، وتحتكم للعادات والتقاليد والأعراف المجتمعية والطقوس الدينية.

وأضافت آية لـ”العرب”، إن المرأة التي يتزوج عليها زوجها، تعيش مأساة حقيقية، فهي في نظر زوجها مجرد وعاء جنسي أو خادمة له ولأولاده، وفي نظر عائلتها مخطئة لأنها قصرت في حقه لذلك تزوج عليها.

ويمكن البناء على ذلك، بأن القانون منصف للمرأة، لكن المستفيدة منه هي الزوجة التي تمتلك شجاعة استثنائية، ولديها قدرة التحمل على خسارة كل شيء، ومواجهة المجتمع والعائلة بجرأة، ومستعدة لفقدان بعض المكتسبات المادية نظير الحفاظ على كرامتها واستقلالية قرارها، لا أن تظل ذليلة منكسرة ومُكرهة على القبول بالأمر الواقع.

لكن ما يثير مخاوف المنظمات النسائية، أن يرسل مجلس النواب قانون الأحوال الشخصية قبل أو بعد مناقشته إلى المؤسسة الدينية لإبداء الرأي في المسائل المرتبطة بالنواحي الشرعية، لأن الكثير من فقهاء وعلماء الدين هاجموا بعض نصوص القانون بضراوة، خاصة ما يرتبط باشتراط موافقة الزوجة للرجل على أن يتزوج من أخرى، باعتبار ذلك مخالفا للشرع.

وسبق أن أصدرت دار الإفتاء المصرية قبل أسابيع قليلة، تحريما صريحا بـأن تكون هناك اشتراطات على الزوج قبل الارتباط بأخرى، سوى القدرة المادية وتحقيق العدل بين الزوجات، وكان ذلك في ذروة الحديث عن حتمية موافقة الزوجة الأولى، ما يعني إمكانية رفض المؤسسة الدينية لهذا النص والمطالبة بحذفه أو تعديله بما لا يجعل الرجل تحت رحمة المرأة.

تشريع عصري

أغلب الرجال يتعاملون مع شرط موافقة الزوجة الأولى قبل الارتباط بثانية على أنه نوع من الإهانة
أغلب الرجال يتعاملون مع شرط موافقة الزوجة الأولى قبل الارتباط بثانية على أنه نوع من الإهانة 

قال أحمد كريمة أستاذ الفقه بجامعة الأزهر لـ”العرب”، إن المؤسسة الدينية لا يمكن لها أن توافق على قانون يخالف الشرع، وليس من حق البرلمان تمرير نصوص ترتبط بنواح شرعية دون موافقة الأزهر وجهات الفتوى، باعتبار أن الدستور نص على أن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، ومن حق الرجل الزواج متى شاء طالما لديه القدرة والحق للقيام بذلك.

ويرى متخصصون في العلاقات الأسرية، أنه يصعب الوصول إلى تشريع عصري يحكم العلاقات الأسرية ويبعدها عن الهيمنة الدينية، دون إقرار قانون مدني في كل نصوصه، لأنه لا يمكن التحجج بالدستور في تكريس التعددية الزوجية تحت غطاء شرعي، رغم أن الإسلام رهن التعددية بشروط منها العدل والمساواة وتوافر الأسباب المقنعة لذلك، وعدم خداع أي زوجة.

يقول هؤلاء، إنه أمام الضغوطات الاقتصادية التي طرأت على الأسر العربية، جراء جائحة كورونا ، فلن يكون بوسع الكثير من الرجال أن تكون لديهم القدرة على الوفاء بالالتزامات العائلية، والمساواة بين الزوجات ،  على المستويين المادي و العاطفي، وشرط المعرفة المسبقة، مطلوب لتحدد كل زوجة، هل ستتحمل الظروف المقبلة عليها أم لا.

وترفض بعض الأصوات الاعتراف بأن موافقة الزوجة على ارتباط الرجل بأخرى، تكريس للعدل الزوجي. لكن المعضلة في اشتراط القانون أن يكون طلب المرأة للطلاق قبل مرور عام على الزواج الثاني، وأغلب الرجال يلجأون إلى إرسال الخطاب بعناوين خاطئة، ويصدر حكم المحكمة لصالح الرجل بدعوى أنها بذلك قبلت بزواجه.

العقوبة تطال حتى المأذون الشرعي الذي يوقع عقد الزواج في حال لم يلتزم بإخطار الزوجة الأولى بالزواج الثاني

وترتبط مخاوف بعض المتحفظين على القانون، من أن التطبيق الحرفي لنصوصه يجعل من الزواج العرفي ظاهرة يصعب السيطرة عليها، لأن أغلب الزوجات لن يوافقن على الزواج بأخرى، ولن تكون هناك جرأة عند الكثير من الرجال لطلب موافقة زوجاتهم الأوليات على الزواج الثاني، وبالتالي قد يكون الارتباط السري بوابة خلفية للتحايل على القانون.

وأيدت أسماء عبدالعليم، وهي استشارية في العلاقات الأسرية ذلك الرأي، بأنه لا بديل عن غلق الثغرات التي قد تغذي ظاهرة الزواج العرفي لسلبياته الكثيرة على الاستقرار الأسري، فهناك مشكلات في تسجيل الأبناء لرفض بعض الرجال الاعتراف بهم، ومنغصات أخرى مرتبطة بحقوق المرأة نفسها، لأنها لا تكون مسجلة عند الحكومة بأنها متزوجة من الأساس.

ولفتت إلى “ضرورة وجود عقوبات موازية يتم فرضها على من يلجأ إلى الزواج السري للتنصل من الالتزام باستفتاء رأي شريكة حياته في الارتباط أكثر من مرة، إذا كانت هناك إرادة للوصول إلى علاقة أسرية لها قدسية ومحصنة من الانهيار، ولا يمكن إصلاح شيء ليكون ذلك مقدمة لانتشار ظاهرة أكثر سلبية داخل المجتمع، كنوع من التمرد على قانون الأحوال الشخصية”.

21