تقنين حيازة السلاح يشعل جدلا بين الأردنيين

التمسك بتقليد الأجداد يحمل مجازفة بأرواح الأحفاد بعدما شهدت المملكة ارتفاعا مطردا في معدلات الجريمة.
السبت 2020/02/22
موروث يُجمع النساء والرجال على حبه

يتمسك الأردنيون بحقهم في حيازة السلاح بوصفها تقليدا متغلغلا في عاداتهم وتقاليدهم توارثوه أبا عن جد، إلا أن البرلمان الأردني يختبر هذه العلاقة المتينة بمناقشته مشروعا لتقنين حيازة الأسلحة وضبطه.

عمان – يتفاخر الأردنيون بعادات وتقاليد ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، ويتباين التزامهم بها، ومنها اقتناء وحمل السلاح، الذي يرون أنه يضفي عليهم هيبة.

ووفق دراسة صدرت قبل أيام عن المنظمة البحثية غير الحكومية المختصة بشؤون التسليح، “سمال آرمز سيرفي” ومقرها جنيف، يحتل الأردن المرتبة الرابعة عربيا (بعد اليمن ولبنان والعراق) والثانية والثلاثين عالميا، من حيث انتشار الأسلحة بين المواطنين.

ويشكل السلاح المنفلت في الأردن أحد أكبر الهواجس الأمنية، في ظل معطيات تفيد بأن الأردن يحتل المراتب الأولى في حيازة مواطنيه للأسلحة مقارنة بعدد سكانه. وقد ذكرت دراسة ميدانية أجرتها الجمعية الأردنية للعلوم السياسية العام الماضي، أن نحو 24 في المئة من الأردنيين يملكون أسلحة نارية وأوتوماتيكية.

ويمتلك الأردن سوقا للأسلحة في العاصمة الأردنية عمان كان في مستهل خمسينات القرن الماضي، يتكون من بضعة دكاكين يملكها أشخاص من عائلات أردنية مثل الحوراني وحتر وزكريا والزاهري ومحمد رشيد الطيب، وأصبح اليوم  يضم أكثر من 25 محلا في العاصمة فقط، وفي الأردن كلها 108 محلات.

الأردن ينظم معرضا رياديا للأسلحة والمعدات العسكرية والأمنية، يعد من أكبر المعارض في العالم

وتتجمع أغلب تلك المحال في نهاية شارع طلال وسط البلد، مركز العاصمة الأردنية عمان، عارضة على واجهاتها الزجاجية بنادق صيد ومسدسات وطلقات مختلفة الأنواع والألوان، إلى جانب إكسسوارات الأسلحة ومستلزمات تنظيفها، ويقصدها الباحثون عن الأسلحة المرخصة وهواة جمعها والساعون إلى صيانة أسلحتهم وتزيينها بالإكسسوارات والإضافات.

والأردن ليس استثناء بين الدول في وجود مثل هذه السوق، لكنه الوحيد الذي جعل من سوقه مظهرا تراثيا يجتذب السياح لرؤيته، إلى درجة أن بعض المهتمين بالتراث اقترحوا أن يتم جمع محال هذه السوق في سوق موحدة تعزز تراثها.

قيود غير مسبوقة

حب السلاح لا يفرق بين كبير وصغير
حب السلاح لا يفرق بين كبير وصغير

لكن في الوقت الراهن توجد قيود غير مسبوقة على مشروعية اقتناء وحمل الأسلحة، تقترحها مسودة مشروع قانون معدل، قيد الدراسة في اللجنة القانونية بمجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان)، منذ تحويله إليها في يونيو الماضي.

وقال ليث نصراوين، أستاذ القانون في الجامعة الأردنية (حكومية)، إن “السلاح كان دائما أداة عز وافتخار بين الأردنيين، وحمله يدل على القوة والنفوذ والوجاهة”. وأضاف “إلا أن تعديل القانون يجب أن يترافق مع تغيير في هذه الثقافة المجتمعية، فحمل السلاح يتناقض مع سيادة وهيبة الدولة، وقدرتها على المحافظة على الأمن والأمان”.

وتابع “هناك أسلحة عديدة بين الأردنيين تم توارثها، ووجودها بينهم غير قانوني، على اعتبار أن القانون ينص على أن رخصة حمل السلاح شخصية، تنتهي بوفاة الشخص الطبيعي، وبالتالي تنتهي الرخصة بوفاة حاملها، استنادا للمادة 6 من القانون الحالي”.

ولفت نقيب المحامين الأردنيين مازن ارشيدات إلى أن “حمل السلاح له أصول، ويجب أن تكون هناك ضوابط في حمله واستخدامه”. وأوضح “قديما كان من يحمل السلاح يعرف لماذا يحمله، أما الآن نرى السلاح في الشارع والملاهي الليلية، واختلفت العادات والتقاليد، ولم يعد هناك موروث شعبي في حمل السلاح”.

وشدد على أنه “يجب أن تكون هناك ضوابط في حمل السلاح، ولكن إلغاء حمله بالمطلق أمر غير صحيح”.

شق واسع من الأردنيين يرى أن الوقت حان لإنهاء مظاهر السلاح المنفلت الذي تسبب في خسائر بشرية فادحة سواء خلال الاحتفالات أو النزاعات

وفي عام 2014 زاد عدد قطع السلاح المرخصة بالمملكة عن 120 ألفا، فيما قدرت إدارة المعلومات الجنائية في 2013 عدد الأسلحة الموجودة في المملكة، التي يقارب عدد سكانها سبعة ملايين نسمة، بنحو مليون قطعة، بحسب إحصاءات وزارة الداخلية.

وشهدت المملكة ارتفاعا مطردا في معدلات الجريمة، الأمر الذي جعل الدولة تدق ناقوس الخطر، خاصة وأن نسبة كبيرة تقارب 92 في المئة من الجرائم جرت بأسلحة نارية غير مرخصة، فضلا عن تحول السوق السوداء في المملكة إلى مصدر أساسي لتزويد التنظيمات الجهادية بالأسلحة للقيام بعمليات إرهابية في الداخل.

وتحظر المسودة على الوزراء وأعضاء مجلس الأمة (البرلمان بشقيه) حمل السلاح، على عكس القانون الحالي. كما تحظر على أي شخص التعامل ببنادق الصيد الأوتوماتيكية العاملة بوساطة مخزن ذخيرة ثابت أو متحرك يتسع لأكثر من طلقة.

وتستثنى من الحظر القوات المسلحة والأمن العام وقوات الدرك والمخابرات العامة والدفاع المدني، وأي موظف أو مستخدم في الوزارات والدوائر الحكومية والمؤسسات الرسمية العامة والمؤسسات العامة والبلديات سُلمت إليه بندقية الصيد الأوتوماتيكية بمقتضى وظيفته.

وتتوسع المسودة في العقوبات المقترحة لكل من يخالف أحكام القانون، وتمنح وزير الداخلية صلاحية إلغاء رخص وتصاريح حمل الأسلحة أو اقتنائها للأشخاص الطبيعيين، دون بيان السبب.

وتجيز اقتناء السلاح الأثري دون ترخيص، عندما يثبت بعد فحصه مخبريا عدم إمكانية استخدامه. وتحظر أيضا تصدير الأسلحة والذخائر أو إعادة تصديرها إلى خارج الأردن، إلا بموافقة مجلس الوزراء، شريطة أن تكون تلك الأسلحة والذخائر مسجلة في السجل العام.

ولا تُمنح الموافقة، إذا لم يكن المستخدم النهائي للأسلحة حكومة الدولة المستوردة أو جيشها أو إحدى مؤسساتها الحكومية أو شخصا مرخصا له للتعامل بها، وفقا لتشريعات تلك الدولة.

استحسان ونفور

 الأردنيون يتمسكون بحمل السلاح والمفاخرة به
التمسك بحمل السلاح والمفاخرة به

أفاد نصراوين أن “القانون الحالي، المنظم لاستخدام الأسلحة والذخائر، هو قانون قديم صدر عام 1952، ويتضمن نصوصا وأحكاما لا يُقبل أن يتم تطبيقها حاليا”.

وأوضح “لا يُعقل أن يُسمح لأي وزير عامل أو سابق أو أعضاء مجلس الأمة بحمل السلاح، ليس هناك أي مبرر للإبقاء على النص الذي يعطيهم هذا الحق”.

وتابع أن “القانون الحالي يجيز ترخيص الأسلحة الأتوماتيكية، وأيضا هذا يثير التساؤل عن حاجة الأردنيين لذلك”.

وشدد على أنه “إذا ما أردنا التمسك بسيادة القانون، وبأنه لا يجوز للشخص أن يستوفي حقه بذاته، نصل لنتيجة أنه لا مبرر للإبقاء على الأسلحة في أيدي الأردنيين”.

وتباع بنادق الصيد وعتاد المسدسات والخراطيش للمواطن الأردني الذي يحمل رقما وطنيا ويخلو سجله من القيود الأمنية، ويكون البيع بموجب فاتورة تقدم مع السلاح إلى الأجهزة الأمنية، بهدف مباشرة إجراءات الفحص والترخيص.

وقال مقرر اللجنة القانونية في مجلس النواب، أحمد فريحات، إنه “بعد الدراسة الأولية لمشروع القانون، وجدنا أنه لا يلبي المتطلبات، ولا يعالج المشكلات المتعلقة بحمل الأسلحة غير المرخصة واقتنائها، وبالتالي لن تتم مناقشته، وتم إرجاؤه لمرحلة ثانية”.

ووفقا للمنتقدين، فإن اللجنة ترغب بترحيل المشروع المثير للجدل إلى البرلمان المقبل، حيث تنتهي الدورة البرلمانية الراهنة في 30 أبريل المقبل.

وقال زميله في المجلس، القانوني المخضرم ونقيب المحامين الأسبق، صالح العرموطي، إن “أي مشروع قانون يحال لأي لجنة، عليها البت به بأسرع وقت، ومن حق المجلس التنفيذي أن يطالب بإنجاز المشروع وتحويله إلى المجلس ومناقشته، ولا يجوز أن يتأخر”.

القانون الحالي يجيز ترخيص الأسلحة الأتوماتيكية
القانون الحالي يجيز ترخيص الأسلحة الأتوماتيكية

وأضاف العرموطي أنه “وفق القانون الداخلي (للمجلس) الأصل من اللجان هو إنجاز جميع المهام الموكولة إليها قبل حل المجلس، وألا يتأخر أو يُرحل أي مشروع قانون، ويتم الإنجاز أولا بأول؛ فالأصل أيضا هو أن يعمل المجلس لآخر يوم في عمره”.

ويرى شق واسع من الأردنيين أن هناك مبالغة في تصور الدوافع من سحب الأسلحة، مشددين على أنه حان الوقت لإنهاء مظاهر السلاح المنفلت الذي كبد خسائر بشرية فادحة سواء خلال الاحتفال بمناسبات اجتماعية أو في النزاعات بين العشائر، وحتى خلال مداهمات القوى الأمنية لاعتقال مطلوبين، مشيرين إلى حادثة عجلون في فبراير الماضي.

وتعد حفلات الزواج من أكثر المناسبات التي تشهد إطلاق الرصاص، وتعود الظاهرة المستشرية في أغلب الدول العربية غالبا إلى التقاليد العشائرية. وهذه الظاهرة تعتبر نقطة التقاء للأردنيين مع عدد كبير من الدول العربية التي لا تزال تصر على إطلاق النار في الكثير من مناسباتها، على الرغم من وقوع العديد من الحوادث التي ذهب ضحيتها دون وجه حق عدة أشخاص بسبب الخراطيش الطائشة.

ويتمسك عدد من الأردنيين بحمل السلاح والمفاخرة به، لاسيما عند تلبية دعوات حفلات الزفاف والمناسبات الخاصة كالنجاح أو الأعياد. ويصر الشباب أيضا على الاحتفاظ بعادات آبائهم وأجدادهم.

غير أن بعض الأردنيين بدأوا في تغيير وجهة نظرهم حيال هذا الموروث وأبدوا مباركة لتفعيل القانون الجديد بسبب ما أضحى يتهدد المنطقة من هجمات إرهابية وجرائم، آملين في أن يؤدي قانون حيازة السلاح وحظره على بعض العناصر، إلى تنظيم تداوله داخل المملكة الأردنية، وأن يحفظ سلامة المواطنين.

ويوجد في المملكة الأردنيّة متحف الدبابات الملكي، وهو متحف عسكري يقع في عمّان، ويعد الأول من نوعه عربيا، وواحدا من أكبر المتاحف التاريخيّة للدبّابات ومن أكثرها تنوعا في العالم. تم افتتاحه في 29 يناير 2018.

ويضم نحو 110 دبّابات ومُدرَّعات أردنيّة وعربيّة وأجنبيّة معروضة بترتيب زمني، بالإضافة إلى صالة مُخصَّصة للصناعات العسكريّة المحليّة.

وخصص جزء كبير من مساحة المتحف للتراث العسكري الأردني من خلال عرض الآليّات العسكريّة التي اُستخدمت في الأردن والمنطقة. وتُظهر هذه المعروضات الأثر الذي أحدثته الحروب على التحوّلات التي شهدها تاريخ الأردن عبر توفير تجربة تثقيفيّة وتفاعليّة للزوّار باستخدام تقنيّات مرئيّة ومسموعة. ويذكر أن الأردن ينظم معرضا رياديا للأسلحة والمعدات العسكرية والأمنية، وهو معرض “سوفكس”، الذي يعد من أكبر معارض الأسلحة في العالم.

في عام 2014 زاد عدد قطع السلاح المرخصة بالمملكة عن 120 ألفا
في عام 2014 زاد عدد قطع السلاح المرخصة بالمملكة عن 120 ألفا

 

17