تقوية مصر لسلاحها البحري جزء من التعاون العربي الأمني والاقتصادي

فتح الاهتمام المتنامي بتسليح الجيش المصري خلال السنوات الأخيرة الباب أمام العديد من التساؤلات حول الأهداف العسكرية المصرية، ومن أهم هذه الأهداف كيفية التعامل بكفاءة أكبر مع خطر الإرهاب القادم من خارج الحدود، وتحديدا من الداخل الليبي، إضافة إلى معالجة العديد من القضايا والملفات العربية التي تفرض وجود قوة عسكرية تكون سندا قويا وداعما للتمدد العربي على المستوى الإقليمي.
الجمعة 2017/09/08
تنويع السلاح البحري المصري كان حلما بعيد المنال

حظيت القوات البحرية بنصيب الأسد من تطوير التسليح في مصر، وركّزت أغلب الصفقات المصرية الكبيرة في مجال السلاح منذ العام 2014 على تحديث الأسطول البحري الشمالي إلى جانب تدشين أسطول آخر جنوبي يستطيعان معا أن يشكلا “كمّاشة” لحماية الأمن القومي المصري والعربي، وهو ما انعكس على ترتيب سلاح البحرية الذي أصبح الأقوى بمنطقة الشرق الأوسط والسادس على المستوى الدولي، بحسب موقع “غلوبال فاير” المتخصص في الشؤون العسكرية.

وتسلّمت مصر مؤخرا غواصة ألمانية ثانية من طراز 209 في حفل أقيم بميناء كييل الألماني، ضمن صفقة تم توقيعها منذ العام 2011 تتضمن الحصول على أربع غواصات، حصلت القاهرة على الأولى منها خلال العام الماضي، فيما تتبقى غواصتان من المقرر أن تتسلمهما قبل نهاية 2020.

اللواء عصام الدين بدوي، الأمين العام لاتحاد الموانئ العربية، والذي كان قائدا لسلاح الغوّاصات المصري سابقا، قال في حواره مع “العرب”، “إن الاتجاه ناحية البحر في مجال التسليح يشمل أهدافا عربية مشتركة، وتتشارك فيه دول منها تونس وليبيا والمملكة العربية السعودية، بالتالي فإن مثل هذه الصفقات لا تكون بمعزل عن تلك الدول، فهي تستهدف أساسا تأمين خليج عدن وباب المندب من التهديدات الإيرانية”.

كما أن الصفقات تأخذ بعدا عسكريا آخر تجاه الغرب، بحيث تكون ظهيرا عسكريا لتأمين الحدود البحرية الليبية مع تونس جنوبا، والتي يتم استغلالها في تحركات العناصر الإرهابية سواء إلى مصر أو إلى تونس.

وأضاف بدوي أن نوعية الصفقات التي تمت لا تستهدف حماية الأمن القومي المصري فقط، ولكن الأبعاد العسكرية للتطورات التكنولوجية الموجودة بها تجعلها تقوم بأدوار هجومية ودفاعية في إطار التعاون العسكري العربي المشترك، وهو ما يظهر من خلال التدريبات المصرية السعودية المتتالية والتي يشارك فيها الأسطول الغربي السعودي.

الغواصة الألمانية “تايب” التي تم استلامها مؤخرا تستطيع الإبحار لمسافة 11 ألف ميل بحري، وتصل سرعتها إلى 21 عقدة، ولها القدرة على إطلاق الصواريخ والطوربيدات، وتم تزويدها بأحدث أنظمة الملاحة والاتصالات بما يمكنها من حماية أمن وسلامة السواحل والمياه الإقليمية والاقتصادية.

وكشف بدوي أن التدريبات المشتركة بين الجانبين المصري والسعودي تتجاوز حماية حدود البحر الأحمر وتمتد لتأمين خليج عدن ومدخل باب المندب، وهو أمر يجرى استخدامه سياسيا ضد النفوذ الإيراني في اليمن، كما أنه يمثل ردعا مباشرا لها في حال وجود نوايا إيرانية بالتواجد عسكريا في أي من بلدان الخليج.

وعلى مدار الثلاث سنوات الماضية عززت القوات البحرية المصرية قدراتها من خلال تزوديها بحاملتي طائرات من طراز “مستيرال” الفرنسية، وفي أغسطس الماضي حصلت مصر على لنش الصواريخ الهجومية من النوع “آر كا أي 32” الروسي إلى جانب ثلاث قطع بحرية أضيفت إلى الأسطول الشمالي خلال عام 2015.

اللواء عصام الدين بدوي: الهدف من امتلاك سلاح هجومي هو استخدامه بشكل دفاعي لحماية الحدود

وأضحت الاستثمارات الاقتصادية البحرية المصرية التي تمتد على مسافات تصل إلى 200 ميل بحري، بحاجة إلى قوة عسكرية رادعة تحميها، وهو ما ظهر من خلال الاستعانة بالغواصات الهجومية بحيث تصبح منصة متحركة للأسلحة يمكنها الوصول إلى أي مكان.

وأكد بدوي أن أغلب الصفقات التي أنجزتها مصر في المجال البحري يغلب عليها الطابع الهجومي، خاصة في ما يتعلق بسلاح الغواصات، وهي مسألة قصدت من ورائها القيادة السياسية الحالية أن تكون ذراعا طائلة تؤمّن المصالح الاقتصادية الممتدة عبر البحر، وتحديدا بعد اتفاقيات تعيين الحدود مع قبرص واليونان والسعودية، ما أعطى أهمية كبيرة للتنقيب عن الغاز الطبيعي.

وشدد في الوقت ذاته على أن الهدف الأساسي من امتلاك سلاح هجومي هو استخدامه بشكل دفاعي في حماية الحدود وحقول الغاز المكتشفة، والتي تجري في مساحة تصل إلى 125 كيلومترا في البحر بعد ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص، إلى جانب استغلالها لتكون ظهيرا عسكريا للعمليات التي يقوم بها الجيش المصري بين الحين والآخر في شبة جزيرة سيناء شرقا وعلى الحدود مع ليبيا غربا.

ولفت الخبير العسكري المصري المتقاعد إلى بُعد آخر للتسليح البحري يتعلق بالتهديدات العسكرية المرتبطة بالتنقيب عن الغاز والمتمثلة في الجانب التركي، حيث تتعارض مصالح تركيا مع التنقيب المصري داخل حقل “ظهر” بالبحر المتوسط (شمال الدلتا)، والذي من المقرر ضخ أول خطوط إنتاج له مطلع العام 2019.

وتوقع أن يكون للقوات البحرية المصرية دور كبير على مستوى القارة الأفريقية، من خلال تواجد الأسطول الجنوبي المصري قبل منطقة حلايب وشلاتين والتي تقع على الطرف الأفريقي للبحر الأحمر، لمواجهة أخطار التنظيمات الإرهابية وتجارة البشر والهجرة غير الشرعية، وهو ما يتكامل سياسيا مع الرغبة المصرية في لعب أدوار عسكرية وسياسية أكبر مع دول القرن الأفريقي، خاصة في السودان وجنوب السودان والصومال وإريتريا وجيبوتي.

وأشار بدوي إلى أن الصفقات العسكرية البحرية المصرية مع دول أوروبا، وتحديدا ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، ترتبط أيضا بأهداف استراتيجية لتلك الدول تسعى من ورائها للتعامل مع الهجرة غير الشرعية، وهو ما ركزت عليه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خلال زيارتها للقاهرة في مارس الماضي، مشيرا إلى أن القوات البحرية المصرية تتدخل إما بالإنقاذ وإما بالمنع أو بتقديم المعلومات بشأن العناصر التي تتسلل إلى أوروبا.

كما أن تنويع السلاح البحري المصري كان حلما بعيد المنال، لأن التعامل مع الدول الغربية في استيراد الغواصات تحديدا كان مقتصرا على روسيا. وبحسب الأمين العام لهيئة الموانئ البحرية العربية، فإن الصفقات العسكرية مع أوروبا صبت في صالح دخول مصر طرفا دوليا فاعلا في مواجهة الإرهاب.

وتنبع أهمية الأسطول المصري من كونه أقدم الأساطيل البحرية بالمنطقة، إذ يرجع تاريخه إلى أكثر من 60 عاما، فمنذ الإعلان الملكي عن إنشاء قاعدة بحرية، كان لمصر أول سلاح غواصات في الشرق الأوسط، وخلال الفترة الحالية فإن انتقال العديد من المعارك التي تخوضها مصر باتجاه البحر أضفى المزيد من الأهمية على أدوار سلاح البحر.

12