تقييد حق الوصول إلى المعلومة يهدد حرية الإعلام التونسي

يخشى الصحافيون في تونس أن يتحول قرار رئاسة الوزراء بمنع الموظفين العموميين من التحدث لوسائل الإعلام أو إعطاء معلومات أو بيانات، إلى مبرر لتقييد عملهم، وإخفاء المعلومات الأساسية التي يحتاج إليها المواطن، وهو ما يخالف نصوص الدستور ويهدد حرية الصحافة المكسب الحقيقي في تونس.
الاثنين 2017/01/30
عودة إلى النضال الصحافي

تونس – تتواصل ردود الفعل الغاضبة في الوسط الإعلامي التونسي، بعد قرار الحكومة بمنع الموظفين الرسميين عن الإدلاء بتصريحات أو نشر أو إفشاء معلومات أو وثائق رسمية عن طريق الصحافة أو وسائل الإعلام، ما يعتبر خرقا للدستور وتهديدا لحرية الصحافة والإعلام.

ووصف النوري اللجمي رئيس الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري “الهايكا“، السبت، مضمون المنشور المتعلق بالتعامل مع وسائل الإعلام، بـ“الـمزعج والمقلق” باعتباره يهدد مكاسب حرية الإعلام وحق الوصول إلى المعلومة.

وأضاف أن الهيئة تعتزم توجيه طلب إلى الحكومة لتقديم توضيحات بشأن المنشور الذي أصدرته والمتعلق بكيفية تعامل الوزارات والمؤسسات والمنشآت مع وسائل الإعلام.

بدورها تفاجأت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين، ببيان رئيس الحكومة والموجه إلى الوزراء وكتاب الدولة، لتنظيم عمل خلايا الإعلام والاتصال في الوزارات والمؤسسات، والذي تضمن في نقطته الأولى مطالبة الموظفين الرسميين بالامتناع “عن الإدلاء بأي تصريح أو مداخلة وعن نشر أو إفشاء معلومات أو وثائق رسمية عن طريق الصحافة أو غيرها من وسائل الإعلام حول مواضيع تهم وظيفتهم أو الهيكل العمومي الذي يعملون به من دون الإذن المسبق والصريح من رئيسهم المباشر أو رئيس الهيكل الذي ينتمون إليه”.

واعتبرت النقابة أن مضمون هذه النقطة يتعارض بصفة صريحة مع أحكام المرسوم المتعلق بالوصول إلى الوثائق الإدارية للهياكل العمومية ومع أحكام القانون الأساسي الجديد لعام 2016 والمتعلق بالحق في الوصول إلى المعلومة.

وأضافت النقابة في بيان رسمي صادر عن نقيبها ناجي البغوري، أن هذا “المنشور بصيغته الحالية يعرقل عمل الصحافيين في الحصول على المعلومات الضرورية المتعلقة بتسيير الهياكل العمومية ويحد من حق المواطنين في الإعلام والوصول إلى المعلومة”.

ونوهت بأنها إذا كانت تتفهم سعي الحكومة لتنظيم عمل خلايا الإعلام والاتصال العائدة لها، إلا أن هذا التنظيم يجب أن يكون في اتجاه تسهيل عمل الصحافيين وخاصة نفاذهم السهل إلى المعلومات، واحترام المكاسب التي حققتها تونس في هذا المجال منذ الثورة.

عماد الخميري: أي مرسوم يحد من الحق

في الوصول إلى المعلومة مخالف للقانون

كما أن حق الوصول إلى المعلومة الذي أصبح حقا دستوريا منذ عام 2014 والذي تم تدعيمه بمقتضى القانون الأساسي الجديد المتعلق بالوصول إلى المعلومة، يخوّل لكل شخص طبيعي أو معنوي بما في ذلك الصحافيون، الوصول إلى جميع المعطيات والوثائق والمعلومات التي بحوزة المؤسسات العامة عدا ما تم استثناؤه بصفة صريحة بمقتضى القانون.

ودعت النقابة رئاسة الحكومة إلى تقديم التوضيحات الضرورية حول الغموض الوارد في بعض نقاط المنشور وطالبتها بمراجعة النقطة الأولى منه بما يتلاءم مع النصوص القانونية سارية المفعول والدستور التونسي الجديد.

وأبدى العديد من الصحافيين والإعلاميين قلقهم من تطبيق هذا القرار وانعكاساته عليهم، لا سيما بعد عدة حالات تم فيها منع الصحافيين من تغطية حوادث في مؤسسات حكومية، كما جرى الاعتداء على صحافيين في بعض الأحيان، وأحدها عندما حاولت صحافية التصوير قرب مستشفى حكومي وجرى منعها وضربها من قبل موظف عام في المستشفى.

واعتبر الصحافيون أن هذا المنشور الحكومي سيساهم في زيادة هذه الحالات وتبريرها تحت مسمى “أوامر حكومية”.

واعتبر عماد الخميري، رئيس لجنة الحقوق والحريات بمجلس نواب الشعب التونسي، أن المنشور الصادر عن رئيس الحكومة والذي يحد من حق الوصول إلى المعلومة، مخالف للدستور وللتراتيب الجاري بها العمل بهذا القانون.

وأفاد الخميري بأن قانون حق الوصول إلى المعلومة قانون أساسي صادق عليه مجلس نواب الشعب، ويعتبر ترتيبه من أعلى المراسيم الحكومية، مضيفا أنه بناء على ذلك يحق للصحافيين وحتى المواطن العادي الوصول إلى المعلومة على مستوى الهياكل العمومية والمؤسسات والإدارات.

وتابع الخميري أن أي مرسوم يصدر تبعا لهذا القانون يجب أن يراعي ما جاء في بنوده، قائلا “إن كلّ من يقيد هذا الحق مخالف للدستور وللقوانين المنظمة لحق الوصول إلى المعلومة”. وبين رئيس لجنة الحقوق والحريات أن تفعيل هذا القانون يكون بإرساء هيئة الوصول إلى المعلومة، مشددا على أن أي مرسوم يحدّ من الحق في الوصول إلى المعلومة مخالف للقانون ويمكن الطعن فيه.

من جهتها ردت رئاسة الحكومة على الانتقادات، وأوضحت في بيان لها الجمعة، أن المنشور الموجه إلى أعضاء الحكومة حول تنظيم العمل بقطاع الإعلام والاتصال، “ينص صراحة وفي فقرته الأولى على تمكين الصحافيين من الوصول إلى المعلومة وإبلاغها إلى المواطنين في أفضل الظروف”.

وقال البيان إن المنشور يذكر بما تتضمنه مدونة سلوك وأخلاقيات الموظف العام والمتمثلة أساسا في “عدم إفشاء معلومات أو وثائق رسمية حول مواضيع تهم وظيفة الموظف العمومي، دون إذن مسبق من رئيسه المباشر”. كما ينص المنشور صراحة على “عدم نشر معلومات مغالطة أو غير صحيحة حول موضوع يهم الهياكل العمومية”. وقد جددت رئاسة الحكومة تأكيدها “الالتزام التام بقانون الوصول إلى المعلومة وعدم التراجع عن حرية الرأي والتعبير التي تعد المكسب الأساسي من الثورة التونسية”، مبينة أن “قنوات الاتصال تظل مفتوحة مع الإعلام الوطني والدولي والمجتمع المدني وأن الدولة تسخّر جميع جهودها وإمكانياتها لإنارة الرأي العام وإعطاء المعلومة الصحيحة”.

وأضافت في البيان أن “التنسيق داخل الإدارات العمومية التي تعد مصدرا للمعلومة، الهدف منه بناء خبر صحيح يحترم أخلاقيات الموظف العمومي والمهنة الإعلامية”.

يذكر أن المنشور منع على الموظف العمومي “القيام بتصريحات، مهما كان نوعها، تتعارض مع التكتم المهني والحفاظ على المصلحة العليا للدولة والامتناع أيضا عن عرقلة الإفصاح عن وثائق رسمية يتوجب أو يسمح نشرها”.

18