تقييمات جديدة لـ"الكماليين".. اعتراف بثورة يونيو وتحضير لموجة أخرى

يستغل جناح ما عُرف بـ”الكماليين”، الذين ينتسبون إلى القيادي الراحل محمد كمال، حالة التذمّر وسط شباب الإخوان للهيمنة وتأكيد جدارتهم بالقدرة على انتشال الجماعة من مأزقها. يحاول هذا الجناح الوصول إلى الاستقلال الكامل، ولا يقتصر نشاطه على العمل المسلح، الذي أبقاه تحت وصاية تيار عزت أو ما يُعرف بالحرس القديم.
الاثنين 2017/05/01
جماعة مطوقة بالعزلة والانقسامات

التقييمات التي أطلقتها جبهة الكماليين بجزأيها الأول والثاني ترمي إلى استحداث حضور سياسي وفكري وإعلامي للجبهة ومحاولة استكمال أدوات إدارة التنظيم، استنادا إلى الإيحاء بامتلاك كوادر تدرك أوجه الخلل، وتمتلك رؤية للتغيير وصولا إلى إحداث إنجازات ملموسة، وهذا ما يجعلها قادرة على التواصل مع كيانات أخرى تقوي الجبهة في صراعها الداخلي بغرض السيطرة على الجماعة وتدعمها في صراعها مع الدولة.

ولأول مرة تعترف جهة محسوبة على جماعة الإخوان بمظاهرات 30 يونيو 2013، حيث وصفت وثيقة التقييمات في جزئها الثاني التي أطلقت السبت 29 أبريل الماضي أعداد مظاهرات يونيو بـ”المليونية”، بينما جرت عادة الإخوان طوال السنوات الماضية على التشكيك في أعداد متظاهري 30 يونيو، والزعم بأنها اعتمدت على خدع ضوئية أشرف عليها المخرج المصري خالد يوسف وأنها لم تتعد الآلاف.

وضمن فقرة “طول مرحلة الصدمة” بالملف الثاني من التقييمات الأخيرة قالت الوثيقة “ومن ناحية من تظاهروا في 30 يونيو فقد تأخروا في الخروج من مرحلة الصدمة بعدما انكشفت لهم الأمور من كونها انقلابا عسكريا استغل مليونيتهم، وعليه فقد تأخر كثيرا في العودة إلى مربع مناهضة الحكم العسكري تحت ضغوط عدم شماتة الإخوان فينا”.

وتسعى جماعة الإخوان، إلى البحث عن شرعية جديدة مع توجه البعض من حلفائها مثل الجماعة الإسلامية للعودة إلى المشهد السياسي تحت ضغوط أزمة الإسلاميين وتبعات فشل التحالف مع الإخوان، ومع محاولات حزب النور السلفي ترسيخ وضعيته كممثل للإسلاميين في المشهد العام.

تحاول جبهة “الكماليين” تدشين حضور الجماعة الجديد على أساس تزعّمها للمسار الثوري المقاوم لما يُطلقون عليه “الانقلاب العسكري”، وهذا حسب تقديراتها يتطلب نيل ثقة شباب الجماعة واجتذاب الكتلة الموالية لعزت، كما يحتم تحسين العلاقات مع كيانات الرفض الثوري لدرجة مغازلة الشباب الذي تمرد على حكم الجماعة وشارك في مظاهرات 30 يونيو 2013 وعزل الجماعة من السلطة، وعدم الاكتفاء بالتقرب من حركة 6 أبريل وجماعة الاشتراكيين الثوريين المعارضتين.

جماعة الإخوان تحاول امتصاص الغضب الشعبي نتيجة الممارسات الإرهابية واستهداف الكنائس ومؤسسات الدولة

تعوّل الجبهة على إحداث انشقاق داخل مشهد 30 يونيو، اعتمادا على أن البعض من رموز هذا التيار يبدي حاليا مواقف رافضة لبعض سياسات الحكومة الحالية، ويفكر “الكماليون” في صفقة مقايضة بالاعتراف بثورة 30 يونيو كموجة ثورية تابعة لثورة يناير 2011، مقابل أن يشاركهم المنشقون عن 30 يونيو موجة ثورية جديدة، وهو ما يقتضي التوحد على هدف إسقاط النظام دون الحديث عن بدائل له قبل إتمام هذا الهدف المشترك.

تعالج تقييمات جبهة محمد كمال، مؤسس تيار العنف الذي لقي مصرعه في مواجهة مع قوات الأمن في أكتوبر 2016، أداء الجماعة في فترة ما بعد ثورة يناير، وتتضمن اعترافا بالإخفاقات والأخطاء التي ارتكبتها الجماعة خلال فترة ما بعد عزل الرئيس الإخواني محمد مرسى، وهو المبدأ الذي ترفضه جبهة عزت، بما يُعطي لـ”الكماليين” حضورا أقوى داخل الحالة الثورية الخامدة.

ويتناول الجزء الثاني من التقييمات ملفين، الأول متعلق بالإطار التنظيمي متضمنا أربع نقاط تقييمية، بالتأكيد على عدم وجود تجانس داخلي للجماعة، لوجود مجموعات متمايزة “فكرا وسنا وأداء وظروف تنشئة”، ولغياب الرغبة في عدم حسم حالة التناقضات الفكرية والتنظيمية بينهم. وهو ما أدى إلى جمود حركي أوقف الجماعة في مربع اللاإنجاز نتيجة تنازع تيارين يتسم أحدهما بالمرونة السياسية، فيما الآخر أكثر تشددا من الناحية التنظيمية يتوجّس غالبية الوقت من أصحاب التوجهات غير الإسلامية.

أما الملف الثاني فتم تخصيصه لإخفاقات ما بعد عزل مرسي تحت عنوان “وقفات هامة ما بعد الانقلاب”، متضمنا ثماني نقاط ومنها “طول مرحلة الصدمة”، و”المصطلحات التي عززت الأزمة كتوصيف الصراع الدائر حاليا بفقه المحنة والفتنة” وهو ما “يجعلنا أمام حالة من حالات الغياب عن الواقع والتحليق في عالم غيبي مربوط بانتظار الفرج”، وعدم استثمار الحراك الداخلي والخارجي في “ترسيخ وصف الانقلاب” و”الاستسلام لوضعية العسكر والإخوان كصراع ثنائي وليس صراعا بين ثورة وانقلاب”.

وكشف خبراء في شؤون الحركات الإسلامية أن الجماعة تحاول امتصاص الغضب الشعبي نتيجة الممارسات الإرهابية واستهداف الكنائس ومؤسسات الدولة، بتغليف ممارساتها العنيفة بصبغة ثورية والذهاب نحو تحالفات خارج الحالة الجهادية.

وشدد محمد جاد الزغبي، الخبير في شؤون الحركات الإسلامية، على حاجة الجماعة إلى إبقاء قواعدها على أمل حدوث ما يعيدها إلى المشهد السياسي، بالنظر إلى شيوع الإحباط في أوساط شبابها مع مرور سنوات تعرض خلالها أعضاء الجماعة لمآس قاسية دون إنجاز حقيقي ملموس.

وأوضح الزغبي لـ”العرب” أن الجزء الثاني من تقييمات الكماليين يتضمن مسعى للإبقاء على تماسك الجماعة والحيلولة دون انهيارها، بضخ دماء جديدة في المسار الثوري، وافتعال موجة ثورية ثالثة، يرونها متممة لموجتيْ يناير ويونيو مع التأكيد على تصويرها داخل الحالة الثورية بهذا التسلسل، خروجا على منهجية الانفصال والعداء التام بين مسار 25 يناير و30 يونيو التي سارت عليها جماعة الإخوان طوال السنوات الماضية.

وترى جبهة “الكماليين” ضرورة استنساخ رؤية مفكري مسار 30 يونيو بالتلازم والترابط مع ثورة يناير، حيث اكتشفوا أن الترويج لهذا الترابط كان أحد أهم عوامل نجاح وتماسك واستمرار مسار 30 يونيو.

وترى الجبهة أنه لا مفر من البناء عليه بتهيئة القواعد لتخفيض سقف مطالب الإخوان، فالتحالف مع الطيف الثوري من خارج الإسلاميين سيخضع الجماعة لشروط عدم المطالبة بعودة محمد مرسي للحكم، ولا تمانع الجبهة من التضحية بمطالب الإنفراد بالسلطة مقابل توفير عوامل نجاح الموجة الثورية الثالثة التي تجهّز لها.

وسط هذه التقديرات، تتجاهل الجبهة أن النظام المصري يحكم قبضته على الكثير من مفاتيح الأمور في مصر، وهو ما يجعل أمنياتها الثورية خيالية لأنها تصمم على قراءة التطورات بعيدا عن الواقع.

13