تقييم نفسي واجتماعي للسياسي

الاختبارات النفسية والجسدية الشاملة أصبحت ضرورية لتقييم السياسيين العرب.
الجمعة 2019/11/01
تقييمات لاختيار أحسن

معظم السياسيين في البلدان العربية يعتقدون أنهم يعرفون كل شيء، ويتفاخرون بذلك على شاشات القنوات التلفزيونية ومنصات وسائل الإعلام، ويتباهون بقدرتهم على إدارة الأمور بقبضة حديدية. وهذه هي طريقتهم، وفكرتهم عن السياسة، ويتعاملون مع شعوبهم كما لو كانوا أفراد عصابات، ويحاولون أن يرهبوهم بالتعذيب والقمع والقتل، لكن من داخلهم يشعرون بأنهم محتالون وقد يكتشف أمرهم في أي لحظة.

تبدو السياسة في معظم البلدان العربية قد وصلت إلى طريق مسدود، وبات لزاما بألا تقول صناديق الاقتراع وحدها كلمتها، بل يجب أن يتم تقييم السياسيين نفسيا من خلال ما يعرف بـ”التكنيك النفسي”، أو “اختبار الاستعداد”، وهو تقييم مخصص في بعض البلدان لأغراض التوظيف أو للترقيات، لكن لماذا لا يكون أيضا جزءا من عملية الانتخاب، حتى تكوّن الشعوب صورة نفسية عامة عن المرشحين الذين سيختارونهم، وحتى يتأكدوا من أن أولئك الأشخاص قادرون نفسيا وعقليا على تمثيلهم أفضل تمثيل، ولا ينخدعوا بالكليشيهات الخارجية والشعارات الفضفاضة، ثم يصابون بعد فوات الأوان بالإحباط وخيبة الأمل، وإذا ما طالبوا بحق يصبحون على باطل ويتم إسكات أصواتهم للأبد.

مقترح التقييم النفسي، ربما يكون غريبا بعض الشيء، فمعظمنا لم يعهده في العالم العربي، لكن الاختبارات النفسية والجسدية الشاملة هي عملية متبعة على نطاق واسع في الأرجنتين وفرنسا وعدة بلدان في أميركا اللاتينية وهدفها اختيار الموظفين الأنسب للوظائف، حتى وإن كانت تلك الوظائف لا تتطلب جهدا جسديا أو ذكاء خارقا، فما بالنا بعالم السياسة الذي يحدد مصير شعوب وأمم وأجيال بأكملها.

مع وجود هذا الكم الهائل من الدمار والخراب والفقر والحروب في المجتمعات العربية.. أصبح من الملحّ أن ندرك أن المشكلة الأساسية تكمن في سوء اختيار المواطن للساسة.

علينا الاعتراف أيضا أن المواطن العادي ليس بوسعه معرفة إن كان ذلك الشخص الذي سينتخبه يمتلك المؤهلات التي تخول له ممارسة مهامه السياسية على أكمل وجه، كما أنه من الصعب عليه توقع كيف سيتصرف، فضلا عن أنه من العسير الحكم على السلوك من خلال ما يقوله المرشحون في حملاتهم الانتخابية.

تغيّر النمط السياسي الدكتاتوري يبدأ فقط عندما يعرف المواطن العادي نقاط قوة وضعف السياسي الذي سينتخبه، ومدى استعداده للإقرار بأخطائه وتقبل الرأي والرأي المخالف، وهذا للأسف لا يمكن أن تكشف عنه الشعارات البراقة.

يمكن للبلدان العربية أن تتعلم من هذا النوع من التقييم النفسي بتوظيفه في عملية اختيار سياسييها! لعله يكون ذا فائدة كبيرة في التوصل إلى نموذج سياسي ديمقراطي.

أعتقد شخصيا أنه إذا ما تم توظيف علم النفس في عالم السياسة، سنصل وقتها إلى المرحلة التي يصبح فيها المواطن قادرا على اختيار أفضل السياسيين ممثلين له بعيدا عن الاختيارات العاطفية والمذهبية التي أضرمت النيران في الأوطان العربية وقتلت وشردت الشعوب.

للأسف الانتخابات الحالية متأثرة بشكل كبير بالأفضليات الطائفية والطبقية والعرقية والمذهبية والأيديولوجية، وتغيير كل هذا يمكن أن يكون بطيئاً. لكن في غضون ذلك، لا بأس من أخذ فكرة عن اختبار التوظيف الأكثر شيوعا في الأرجنتين، وهو وضع “شخص تحت المطر”. ومن خلال هذا الاختبار يتم قياس كيف يتصرف الشخص وكيف يتعامل مع شيء غير متوقع، ورغم أن هذا الاختبار قد وجد إقبالا كبيرا من قبل شركات التوظيف فقط، إلا أنني أتوقع أن اعتماده أيضا في عالم السياسة سيساهم في تغير النمط السياسي المتسلط وسيبدأ حينها المواطن في التعرف أكثر على حقيقة المرشحين ولا ينتخبهم بناء على هيئتهم أو وعود دفعهم ضريبة الكلام المجرد.

21