"تكاثروا".. خصوبة مترفة في مجتمعات معدمة

رغم أن النمو السكاني المنفلت يضع أغلبية الدول العربية أمام حلقة مفرغة في غاية الخطورة، إلا أن الأمر ضارب في أعماق المجتمعات الشرقية لأن كثرة الإنجاب في الأصل مرتبطة بالمعتقدات المتوارثة من الجاهلية التي دخلت في تقاليد الدول العربية وعاداتها.
السبت 2017/12/09
فائض عدد

“سيتزوج علي.. سيطلقني.. سيقهرني” كان هذا رد إحدى السيدات على طبيبة أمراض نسائية في إحدى العيادات في مستشفى عمومي، قالت لها إن حياتها في خطر إن هي قررت إنجاب طفلها السادس.

الحقيقة أن هذه المرأة ليست استثناء في مجتمعات تقدس “المرأة الولود”، “منجبة الذكور”.

وتقول الطبيبة إنها كثيرا ما تعاني الويلات لإقناع النساء باستخدام وسائل منع الحمل أو المباعدة بين الولادات.

وأكدت في تصريحات لـ”العرب” أنها باشرت حالة سيدة أنجبت سبع بنات بحثا عن “ذكر منشود”.

وتؤكد أن إقناع السيدات بالتوقف عن الإنجاب أمر بالغ الصعوبة تحكمه عادات وتقاليد، بل تصر بعضهن على أن ذلك من المحرمات.

المرأة الولود

في تقرير ديموغرافي، كتب نيكولاس برستادت وأبورفا شاه الباحثان في معهد “إنتربرايز” الأميركي “هناك فكرة محسوسة ومحسومة على نطاق واسع تتبناها دوائر من المفكرين والأكاديميين والسياسيين في الغرب وأماكن أخرى في العالم، بأن المجتمعات المسلمة بشكل عـام والعربية بشكل خاص مقاومة للانطلاق في مسيرة التغيير الديموغرافي والعائلي الذي حول حياة السكان في أوروبا وأميركا الشمالية ومناطق أخرى ‘أكثر تطورا’”.

وفي الحقيقة يصور الإسلام على أنه دين مناصر للولادة بشكل خاص.

وينظر إلى الزواج وكثرة الإنجاب نظرة مقدسة مدعومة بأحاديث وآيات دينية، ومن أشهرها آية سورة الكهف القرآنية التي تقول إن “المال والبنون زينة الحياة الدنيا”.

ويتم إبراز العامل الديني في النقاش على حساب الطرح الموضوعي للمشكلة.

كما يستحضر البعض النصوص الدينية المقدسة لتبرير الزواج المبكر وتشجيعه في بعض المجتمعات، ومعه قضية تعدد الزوجات التي يجري استحضار مفاهيم ومعتقدات دينية لتبريرها ومنع إيقافها.

الزواج وكثرة الإنجاب يحظيان بنظرة مقدسة مدعومة دينيا

ورغم خطورة مشكلة الانفجار السكاني وتبعاتها الكارثية، إلا أنها مهمشة في برامج الحكومات والنقاش العام وفي وسائل الإعلام في العالم العربي.

كما تلفت النظر أيضا مواقف “التردد وغياب الجرأة لدى المسؤولين لدق ناقوس الخطر تجاه هذه المشكلة”. ويقول الخبير الاقتصادي ناجح العبيدي “العقلية السائدة لدى بعض قوى الإسلام السياسي المتنفذة تراهن لأسباب عقائدية أو ربما لحسابات سياسية وطائفية على استمرار نمو عدد السكان دون ضوابط”.

فالمرأة، في تصور منظر جماعة الإخوان المسلمين الأول حسن البنا، مثلا كائن بشري لا دور له في الحياة سوى الإنجاب والتربية والرعاية؛ فهي مستقيلة من الفعل في الحياة العامة، فوفقا لاختلافها عن الرجل لا يجب أن تتعلم شيئا غير الدين، وما تحتاجه من الحساب والكتابة، أما بقية العلوم كالتبحّر في اللغات والفن ودراسة الحقوق والقوانين فهو عبث لا طائل منه، كما يقول البنا في كتابه، ليرد على أصحاب الرؤى المخالفة بطريقته التبسيطية المخلة المعهودة “ستعلم –أي المرأة – أنّها للمنزل أولا وأخيرا”.

وفي بلدان بها مكونات طائفية مختلفة، كالعراق أو سوريا أو لبنان مثلا، فإن التغيير الديموغرافي يعد هدفا استراتيجيا مشتركا بين كل الطوائف.

ووسط ركام الحرب وفورة الاقتتال الطائفي، تأثر المجتمع بالشحن الطائفي وانزلقت عناصر منه إلى سلوكات طائفية شاذة.

ويشير فتحي أبوالعنيين أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس في القاهرة، إلى أنه في ستينات القرن الماضي تنبهت مصر إلى أن الزيادة السكانية تؤثر سلبا علي جهود التنمية، فأطلقت شعار تحديد النسل، لكن هذا الشعار واجه اعتراضا من بعض رجال الدين على أساس أن تحديد النسل يعد بمثابة اعتراض على مشيئة الله وسنة الرسول الذي قال في حديث شريف “تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة”.

650 مليونا عدد سكان المنطقة العربية في عام 2030 وفق الزيادة الحالية

وأكد في تصريحات لـ”العرب” أن بعض رجال الدين تناسوا أن ذلك كان حديثا يتلاءم مع ظروف الدولة الإسلامية حينها التي كانت تعمل على نشر الإسلام وزيادة عدد المسلمين لمواجهة الأعداء، فلجأت الدولة إلى تعديل الشعار ليصبح تنظيم الأسرة ونهضت السياسة السكانية آنذاك على ذلك الشعار، وبدأ الناس يدركون أن تنظيم الأسرة أمر في صالح الأبناء ومستقبلهم.

وقال عبدالحميد الأطرش رئيس لجنة الفتوى المصرية سابقا، إن الحكمة من الزواج هي المحافظة على بقاء النوع الإنساني، لكن الإسلام بيّن أن كثرة الإنجاب دون تنسيق وتخطيط أمر غير مرحب به في الدين، إذ يقول الرسول الكريم “الكثرة المؤمنة خير من الكثرة الضعيفة”.

وأوضح في تصريحات لـ”العرب” أن الإسلام دين حكيم، ولم يرتبط إطلاقا بالخصوبة أو الجنس، لأن كثرة الإنجاب دون تخطيط تعني بناء مجتمع غير قويم، وتنتظره مشاكل اجتماعية خطيرة.

ذكر محبوب

رصدت الدراسات الاجتماعية ظاهرة حب إنجاب الذكور كأهم الأسباب المؤثرة في الزيادة السكانية، ولهذا السبب جذور تمتد إلى الجاهلية، حيث كان التفاخر بكثرة عدد الأبناء، وكان إنجاب الذكور يعتبر حينئذ مصدر العزوة والقوة داخل المجتمع.

وإذا لم تنجب الزوجة ذكرا في المجتمعات الشرقية فإن ذلك يجعلها تستمر في الإنجاب حتى تنجبه، مهما بلغ عدد أفراد الأسرة، ومهما زاد فقرها، لأنها تدرك أن فشلها في ذلك يجعلها معرضة للطلاق أو للزواج عليها وهي محقة في أحيان كثيرة. ورغم أن العلم أثبت أن الزوج هو المسؤول عن تحديد نوع المولود، فإنه يصر في حالة عدم إنجابه الذكر على الزواج من أخرى، وقد يكرر ذلك أكثر من مرة سعيا لإنجاب الذكر، تاركا وراءه في كل مرة عددا من البنات اللائي لا ذنب لهن في قلة عقل أبيهن.

وفي المجتمعات الشرقية تختزل الهوية الذكورية في فحولة الذكر، كما تختزل أنوثة المرأة في قدرتها على الإنجاب.

وفي حربها للسيطرة على الذكر، تَعتبِر النساء الإنجاب العددي وسيلة ناجعة لكبح جماح الرجل وفرملته في التفكير بالزواج من نساء أخريات، لهذا ينتشر منطق الإنجاب العددي بين النساء تحت شعار “قيديه بالأولاد”.

وترتكب النساء حماقات في حق المجتمع، لأن الأولاد ليسوا فقط “أوتادا” لتثبيت خيمة الزواج، كما تعتقد الكثير من النساء.

ورغم أن “الموروثات الإنجابية” أمر يرجع إلى البيئة الفاسدة التي استسقي منها المجتمع، فهي ضاربة بجذورها في الأعماق لا تأكيد على ذلك سوى الأمثال الشعبية والنكت والروايات الثقافية والاستعارات التي يحيا بها المجتمع والتي تتمحور جلها حول فحولة الرجل وخصوبة المرأة.

وكشفت سامية الساعاتي خبيرة علم الاجتماع في مصر، أن المعتقدات الاجتماعية تلعب دورا مهما في ثقافة تحديد أو عدم تحديد النسل، فذوو المستوى الاجتماعي المتوسط والمرتفع على قناعة بأن التنظيم وسيلة حضارية، وتربية طفلين بصورة صحيحة أجدى وأنفع للأسرة والمجتمع.

وأضافت لـ”العرب” أن ذوي المستوى الاجتماعي البسيط ينظرون إلى كثرة الأولاد نظرة ليست لها علاقة بالدين، لكن لها علاقة وثيقة بما توارثوه من أفكار وتقاليد، فالعامل البسيط يرى أن كثرة الإنجاب مصدر دخل له، فعندما يبلغ الطفل أو الطفلة خمس أو ست سنوات يبدأ بالنزول إلى سوق العمل لمساعدة والده ووالدته. وهكذا تحولت كثرة الإنجاب إلى ثروة عند قطاع كبير من البسطاء، لكن ذلك يمثل نقمة على المجتمع، لأنه يضاعف من الوظائف الهامشية، ويخلق جيلا غير متعلم ومشوها وبالطبع يؤدي إلى زيادة حدة المشكلات وما ينجم عنها من أمراض اجتماعية.

خصوبة وفقر

الفقراء يمثلون حاليا ما بين ثلث حتى نصف عدد سكان البلدان العربية

يعود نمو السكان المسلمين على مستوى العالم، وفق تقرير لمركز بيو إلى “تضخم شريحة الشباب” بالإضافة إلى وجود معدل خصوبة كلية أعلى بين النساء المسلمات.

وفي عام 2009 ارتفع تعداد سكان المنطقة العربية لأكثر من 350 مليون نسمة، بزيادة 38 مليون نسمة عن تعداد الولايات المتحدة الأميركية. ثم وصلت نسبة الخصوبة في العالم العربي خلال العام 2010 إلى 2.4 في المئة، وهي نسبة أعلى من تلك التي شهدتها الدول الآسيوية ودول أميركا اللاتينية.

وفي مصر ودول عربية أخرى مثل العراق وسوريا والأردن والسعودية يتضاعف عدد السكان كل 20 إلى 25 سنة تقريبا. ففي بلاد النيل على سبيل المثال يقدر هذا العدد حاليا بأكثر من 100 مليون نسمة مقابل أقل من 35 مليون نسمة أواسط سبعينات القرن الماضي.

وإذا ما استمر معدل الزيادة على حاله فسوف يصل سكان الدول العربية إلى 650 مليونا في 2030.

إلا أن معدل الزيادة يختلف من دولة عربية إلى أخرى، فتونس ولبنان مثلا أنجزا الكثير في مجال السياسة السكانية وحققا التحول الديموغرافي، أي أنهما بلغا مستويات خصوبة ووفيات منخفضة، مما يرفع معدل السن في كلا المجتمعين. وتلى هذه المجموعة سائر الدول المغاربية التي وصلت إلى شوط متقدم جدا من التحول الديموغرافي، تتبعها بلدان لا تزال في مرحلة متوسطة من التحول الديموغرافي، مثل الدول الخليجية وسوريا والأردن.

وما يميز هذه المجموعة هو كون نسبة الوفيات فيها انخفضت بشكل ملحوظ، غير أن معدل الخصوبة لم ينخفض مثلما فعل في المجموعتين السابقتين. وفي ذيل الترتيب تأتي الدول الفقيرة مثل جيبوتي والسودان والصومال التي تتميز بمستويات عالية في مجال الخصوبة والوفيات والزيادة السكانية.

وتكمن خطورة الانفجار السكاني الأساسية في التهام ثمار معدلات النمو المتواضعة. كما يجبر الحكومات على إنفاق الاحتياطات واللجوء إلى المزيد من الاقتراض لتوفير متطلبات العيش الضرورية، وهو الأمر الذي يساهم في تفشي الفقر والبطالة والمعتقدات الخرافية وغياب الاستقرار السياسي والاجتماعي. كما يعيق تحديث وصيانة البنية التحتية والتعليمية التي لا يمكن دونها الحديث عن تنمية مستدامة تكسر دوامة الفقر والبطالة والتخلف الاقتصادي.

ومع تزايد النمو السكاني غير المنضبط يتزايد عدد الفقراء الذين يمثلون حاليا ما بين ثلث حتى نصف عدد سكان البلدان العربية، باستثناء البلدان النفطية التي لديها عدد قليل من السكان.

بقعة ضوء

مع الإقرار بالدور القوي للتقاليد والمعتقدات الدينية، فإن تجارب دول ذات مجتمعات متدينة ومحافظة مثل تونس أظهرت إمكانية التغلب على تأثير الموروث الاجتماعي والديني من خلال نهج سياسة اقتصادية واجتماعية يتم تنفيذها بهدوء ونفس طويل.

وتعود هذه السياسة إلى أيام عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة وخاصة في ستينات وسبعينات القرن الماضي. ففي ذلك العهد تم اعتماد سياسة ليبرالية منعت تعدد الزوجات وقدمت حوافز للعائلات التي تحد من النسل.

وقد ترتبت على ذلك صدامات مع قوى دينية رافضة لسياسة تحديد النسل منطلقة من أن تعاليم القرآن تمنع ذلك. وقد واجه بورقيبة تلك القوى من خلال منع أنشطتها التحريضية ضد سياسته في الجامعات ووسائل الإعلام.

صحافية من تونس

13