تكافؤ فرص الاختيار يحقق المساواة بين الجنسين في العمل

الأحد 2015/04/12
يرتبط تحسين المستوى التعليمي للمرأة برفع مكانتها خاصة في الدول النامية

لندن - النساء يشكلن حوالي نصف سكان العالم وهو ما يفترض فسح المجال لهن في مجال العمل على حد السواء مع الذكور لتحقيق الازدهار والرفاه للجميع، وهو ما دفع مجموعة العشرين للاقتصاديات الكبرى والمنظمات الدولية إلى وضع المساواة بين الجنسين على الأجندة الاقتصادية العالمية لهذا العام، وإلى تعميق البحوث في مسألة عدم تكافؤ فرص الحصول على عمل بين الجنسين، واعتبارها قضية مهمة ومستعجلة وهو ما أكده موقع معهد "شاذم هاوس" للدراسات.

النساء في جميع أنحاء العالم قطعن أشواطا كبيرة لتعزيز حقوقهن وما تزال الطريق طويلة أمامهن لترسيخ حقهن في الحصول على العمل الذي يحقق مكاسب لهن وللأسرة والمجتمع ككل، فالواقع اليوم يكشف أن مشاركة المرأة كقوة عاملة تشهد تراجعا، كما أن مكاسبها ما تزال محدودة، كما تبين أن هذا التراجع لا ينطبق فقط على دول العالم الثالث بل إنه يشمل الدول المتقدمة، إذن فالغرب أيضا مذنب في إيفاء المرأة حقوقها كاملة في مجال العمل.

وأوضح معهد "شاذم هاوس" للدراسات إن وضع النقاش حول هذا الموضوع في إطاره يساعد على تسليط الضوء على الثغرات الأكثر فظاعة في مجال العمل، وكشف مزايا التعليم والحصول على أجر مقابل العمل بالنسبة إلى النساء.

المساواة في تكافؤ الفرص

بادئ الأمر يجب تحديد المقصود بمفهوم المساواة بين الجنسين في مجال العمل، فمن ناحية أولى المساواة لا تتطلب أن تحصل كل النساء على نفس الوظائف التي يعمل فيها الرجال، ولا أن تختار المرأة البقاء في البيت للاعتناء بأبنائها أو بوالديها المسنين. ومن ناحية ثانية المساواة بين الجنسين في مكان العمل لا تعني أيضا أن المرأة والرجل سيقومان بنفس الخيارات، لكن ذلك يعني أنهما يجب أن يحصلا على فرص متكافئة للاختيار وعلى مؤهلات متكافئة تخول لهما النجاح في هذه الخيارات.

تحسن المستوى التعليمي لا يعني الحصول آليا على فرص عمل أفضل، فبلوغ التعليم الجامعي لا يؤدي بصورة آلية إلى الحصول على عمل في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

إن الهوة بين الجنسين تفاقمت بأشكال مختلفة وعلى نحو متزايد، والنساء كما الرجال اتجهن إلى العمل في قطاعات، ومهن وأصناف مختلفة من الشركات، لكن مكاسب المرأة تظل دائما وفي أغلب الحالات أقل من الرجل خاصة في ظل وجود ثغرات ناتجة عن تركيز المرأة على أداء أنشطة منخفضة الأجر.

وشهدت العديد من الدول في العقود الأخيرة، تطورا ملحوظا على بساطته في مجال المساواة بين الجنسين في بعض المهن الأكثر شيوعا، حيث اتجهت النساء نحو الإدارة والمهن الفنية، لكن ذلك لم يحل دون تواصل تركيزهن على اختصاصات مهنية معينة مثل الرعاية الصحية والتعليم، مقابل نقص تواجدهن في بقية القطاعات.

وأكثر من تسعة من بين عشر نساء يعملن كمعلمات في المدارس التحضيرية ومصففات شعر وعاملات تجميل ومساعدات لأطباء الأسنان في عام 1972، ولم تتغير هذه النسبة إلى اليوم، في حين تضاعف عدد الممرضين الذكور أربع مرات منذ عام 1972 بحسب دراسة للتركيبة الجنسية للقطاعات المختلفة في الولايات المتحدة عام 1972.

تراجع فرص عمل المرأة

وتعاني مشاركة المرأة في القوى العاملة من الركود على الصعيد العالمي، حيث انخفضت من 57 إلى 55 بالمئة منذ عام 1990. واستقر المعدل بين دول مجموعة العشرين في حدود 25 بالمئة في عام 2000، و22.5 بالمئة في العقد التالي. وترجع هذه المعدلات إلى التنوع الكبير بين الذكور والإناث في نسب التوظيف، حيث تتراوح النسبة بين 7 نقاط مئوية في كندا لتصل إلى أكثر من 50 نقطة مئوية في الهند والمملكة العربية السعودية.

ولا تختلف هذه التحديات بين دول مجموعة العشرين عن باقي الدول في جميع أنحاء العالم، لأن الفوارق يمكن أن تستمر أو حتى تزداد سوءا مع ارتفاع مستويات الدخل.

وبالنسبة إلى بعض دول مجموعة العشرين، يتمثل التحدي في تمكين المرأة من العمل، كما هو الحال في الأرجنتين وإندونيسيا والهند وتركيا، وعلى نحو كبير، في المملكة العربية السعودية، كما توجد فجوات كبيرة في حجم الأجور، حيث أنها تقارب 20 بالمئة في كندا وتركيا، وبريطانيا، بينما تتراوح بين 30 بالمئة في اليابان، و40 بالمئة في كوريا الجنوبية.

التعليم يعتبر معطى رئيسيا وهاما في حصول المرأة على العمل

فوائد عمل المرأة

من البديهي أن العمل يمنح قيمة ومعنى لحياة الإنسان، فهو ينمي الدخل ويساهم في اكتساب احترام الذات وفي تحقيق السعادة، وهو يساعد على تعزيز مكانة المرأة على نحو أكبر حيث يقدم لها الفرصة لاكتساب مهارات جديدة وتغيير مواقفها وسلوكها وتطلعاتها.

إن الحصول على فرص عمل يمكن أن يغير النظرة التقليدية لدور الجنسين وواجبات ومسؤوليات كل منهما، كما بمقدوره تغيير تطلعات الفتيات والنساء. ويتجلى ذلك في مدى ترابط الخصوبة مع التعليم والحصول على العمل.

فالحصول على فرص عمل جيدة قد يقتضي في بعض الأحيان خفض معدلات الخصوبة، حيث كشفت إحدى التجارب في الهند أن عمل بعض الشابات في مراكز النداء أدى إلى تراجع نسبة المتزوجات بينهن ورغبة المتزوجات منهن في إنجاب عدد قليل من الأبناء.

أما في بنغلاديش، فقد ارتبطت زيادة فرص الحصول على عمل للنساء في قطاع الملابس بنمو سريع في نسب تعليم الفتيات، فبين عامي 1983 و2000، شهدت القرى القريبة من مصانع الملابس زيادة بنسبة 27 بالمئة في معدلات التحاق الفتيات بالمدارس. من ناحية أخرى اكتشف خبراء البنك الدولي أن إصلاح قوانين الميراث في الهند، الذي عزز المكانة الاقتصادية للمرأة أدى إلى التأخير في سن الزواج عند الفتيات.

ويعد تعزيز المكانة الاقتصادية للمرأة نوعا من الاقتصاد الذكي خاصة إذا ما ارتبط بانخفاض معدلات الفقر، وتحسين الخدمات الصحية والتعليم بالنسبة إلى أجيال المستقبل، ويشمل ذلك زيادة الإنفاق على تعليم الأطفال والصحة.

من جهة أخرى تشكل القيود المفروضة على إمكانيات المرأة مؤثرات سلبية على الإنتاجية حيث تصبح الخسائر أكبر، وفي بعض المناطق تصل خسائر الناتج المحلي الإجمالي للفرد إلى 27 بالمئة نتيجة لعدم التكافؤ أمام الجنسين في فرص العمل.

وكشفت دراسة أجرتها شركة “بوز ألن” للاستشارات عام 2012 أن ترفيع الولايات المتحدة لمعدل مشاركة الإناث في القوى العاملة أكثر من الذكور أدى إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5 في المئة. أما بالنسبة للاقتصاديات المترهلة، فيمكن أن يعزز تشغيل المزيد من النساء النمو الاقتصادي من خلال تعويض انكماش القوى العاملة.

هذه المعطيات تفضي إلى أن المساواة بين الجنسين في العمل لا تتطلب نفس الأنماط والمحصلات بالنسبة إلى الرجال والنساء، لكن ينبغي أن تشمل نطاقات متشابهة في الفرص المتاحة والخيارات، وحقيقة الأمر أن هذا التساوي لا يجب أن يعد إشكالا نظرا للمزايا الاقتصادية التي تمنحها فرص العمل للنساء ولعائلاتهن وللاقتصاد عموما.

المساواة بين الجنسين في العمل لا تتطلب نفس الأنماط والمحصلات بالنسبة إلى الرجال والنساء، لكن ينبغي أن تشمل نطاقات متشابهة في الفرص المتاحة والخيارات

المرأة بين المنزل والعمل

في جميع أنحاء العالم لا تزال المرأة تتحمل عبء الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال. وتوضح دراسة أجريت عام 2013 حول التوازن بين العمل والحياة لدى أعضاء هيئة التدريس في جامعة هارفارد عمق هذا التحدي، فعندما يكون الأساتذة غير متزوجين وليس لديهم أطفال، تبرز المساواة بين الذكور والإناث منهم، حيث يقضي كل منهم نفس عدد الساعات في العمل وفي المنزل. ولكن الأمر يختلف بشكل كبير في حال وجود أطفال. فالأستاذة (المرأة) تقضي 20 ساعة عمل زائدة من العمل في الأسبوع تقسمها بين العناية بالأبناء وأداء الواجبات المنزلية عن تلك التي يقضيها الرجل.

ولا يزال العمل بدوام جزئي يعتبر بالدرجة الأولى الأمر المحبذ بالنسبة للنساء وذلك لتحقيق التوازن بين العمل والأسرة، ويتميز اقتصاد الدول المتقدمة، حيث المسارات الوظيفية محددة بين الجنسين، بتطبيق نظام العمل بدوام جزئي واعتماد انقطاع المسار المهني للاهتمام بالأطفال، في حين ترتفع مخاطر الفقر عند بلوغ النساء سن الشيخوخة.

دور التعليم في الحصول على عمل

التعليم يعتبر معطى رئيسيا وهاما في حصول المرأة على العمل، وهو ما يتجلى في الدول النامية، حيث أصبحت المرأة المتعلمة قادرة على مواجهة المجتمع وما يفرضه عليها من خيارات كالتي تتعلق بالزواج كما انخفضت مخاطر العنف الأسري وأصبح بمقدور المرأة التنقل للعمل خارج المنزل. وترتبط المكاسب التعليمية للمرأة بشكل مباشر بتحسن الصحة الإنجابية، ففي مناطق مثل إندونيسيا، ارتبط تحسن المستوى التعليمي لدى الإناث بتراجع الولادات وبالتالي تراجع نسبة الوفيات.

غير أن تحسن المستوى التعليمي لا يعني الحصول آليا على فرص عمل أفضل. فالحقيقة أن بلوغ التعليم الجامعي لا يؤدي بصورة آلية إلى الحصول على عمل في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حيث لم تؤد التحسينات التي شهدها مجال التعليم إلى تحقيق مكاسب في مجال عمل النساء.

ولا يعتبر بلوغ المستوى الجامعي كافيا، حيث كشفت بعض الإحصائيات أنه في حال كان العمل نادرا، فالرجل أحق من المرأة بالحصول عليه وفي أستراليا يفكر واحد من بين 10 أشخاص بهذه الطريقة بينما في تركيا تبلغ نسبة الذين يفكرون هكذا 60 بالمئة و70 بالمئة في المملكة العربية السعودية. أما في الاتحاد الأوروبي فيعتقد 30 بالمئة من الأشخاص أنه من حق الرجل الحصول على عمل.

وتوسيع نطاق حصول المرأة على فرص عمل حول العالم يعتبر أمرا بالغ الأهمية لتحقيق مكاسب اقتصادية للنساء والعائلات والمجتمعات كما أنه يعزز مكانة المرأة على نطاق أوسع، لكنه يتأثر إلى حد كبير بالسياق المؤسسي والسياسي والثقافي لكل بلد ولكل مجتمع.

20