تكتيك التنازل الظرفي أتاح للدوحة إنجاح قمتها الخليجية

الخميس 2014/12/11
سيتعين على القيادة القطرية مستقبلا حسم خيارها بين الإخوان ومحيطها الخليجي

لندن - موافقة قطر على بيان ختامي للقمة الخليجية التي احتضنتها متضمّن لبنود مضادة بشكل صريح لجماعات الإسلام السياسي التي تدعمها قد يكون مجرّد تكتيك سياسي آتى ثماره في إنجاح القمّة، لكنّه لا يضمن للدوحة على مدى أبعد تجنّب شبح العزلة عن محيطها.

تباينت اجتهادات المحللّين في وضع عنوان للقمّة الخليجية التي احتضنتها الثلاثاء العاصمة القطرية الدوحة، بين من اعتبرها قمّة للمصالحة، ومن رآها قمّة للتضامن الخليجي، ومن ذهب إلى اعتبارها قمّة لـ“التنازلات القطرية” تجنّبا للعزلة.

ويشير أصحاب العنوان الأخير إلى تنازلات قدّمتها قطر لتسهيل عقد القمّة في عاصمتها وإنجاحها حرصا على عدم تعميق الخلافات بين بلدان مجلس التعاون وتجنّبا لشبح العزلة الذي خيّم على البلد طيلة الأشهر الماضية بسبب خلافات مع بلدان خليجية محورها الأساسي علاقات الدوحة بجماعات الإسلام السياسي.

إلاّ أنّ هؤلاء لفتوا إلى أن التنازلات القطرية قد تكون شكلية وذات هدف تكتيكي ظرفي لا يتجاوز إنجاح القمّة الخليجية.

وتلخّصت التنازلات القطرية أساسا في الموقف من جماعات الإسلام السياسي، ومن جماعة الإخوان المسلمين تحديدا، وتجلّت في موافقة الدوحة على بيان ختامي للقمّة الخليجية جاء مضادّا بشكل صريح للإسلاميين في مصر وليبيا، بل داعما لخصومهم هناك؛ حكومة الرئيس عبدالفتاح السيسي في مصر، وحكومة عبدالله الثني في ليبيا.

وكان لافتا في البيان الختامي لقمّة الدوحة تنصيصه بعبارات صريحة على دعم قادة دول الخليج لـ“مصر وبرنامج رئيسها عبدالفتاح السيسي المتمثل في خارطة الطريق”، مؤكدين “وقوفهم التام مع مصر حكومة وشعبا في كلّ ما يحقّق استقرارها وازدهارها”، علما أنّ قطر ظلت ترفض الإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر وتعتبره “انقلابا” وترفض من ثمة الاعتراف بشرعية الرئيس السيسي وحكومته.

وبذات الوضوح عالج بيان قمّة الدوحة الوضع في ليبيا داعيا كافّة الأطراف الليبية لدعم الشرعية المتمثلة في “مجلس النواب المنتخب”. وبشأن مدى جديّة قطر في تبنّي ما جاء في بيان قمّة الدوحة قال المراقبون إنّ ما اعتُبر “تنازلات قطرية” قد لا يعدو كونه خطوة تكتيكية مرتبطة بإنجاح القمّة الخليجية دون أن تكون لدى القيادة القطرية نية حقيقية -ولا قدرة فعلية- على فكّ الارتباط بجماعات الإسلام السياسي، معتبرين أن العلاقة مع تلك الجماعات أصبحت من أساسات سياسة قطر ومن صميم نسيجها، ومؤكّدين وجود حرس قديم خلف كواليس الحكم في البلاد ساهرين على مصالح جماعة الإخوان ومكانتهم في الدولة.

تكتيك ضمن للدوحة حفظ ماء الوجه وجنبها الظهور بمظهر من يطبق إملاءات دول خليجية أخرى

ومن جهة أخرى اعتبر محلّلون سياسيون ما أقدمت عليه الدوحة خلال القمّة مظهرا لواقعيّتها السياسية ورغبة في حماية مصالحها عبر الانضمام ظاهريا لدول الخليج في دعم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وإدانة الميليشيات الإسلامية في ليبيا، وهي التي جعلت من دعم الإخوان المسلمين خيارا أساسيا لها خلال السنوات الأخيرة.

ويجزم هؤلاء بأن الدوحة لن تقطع علاقاتها مع جماعة الإخوان الذين تعتبر أنّهم مازالوا يشكلون تيارا عريضا في العالم العربي يمكن المراهنة عليه والتعويل على الدعم التركي في ذلك، إلا أنها عازمة على الحد من تداعيات هذا الدعم على مصالحها السياسية والاقتصادية وطموحاتها الرياضية الكبيرة.

ويبدو أنّ تكتيك “التنازل الظرفي” ضمن للدوحة حفظ ماء الوجه وجنبها الظهور بمظهر من يطبّق إملاءات دول خليجية، لكن التنفيذ الحقيقي للانعطافة القطرية الشكلية يبقى موضع تساؤل، لا سيما أن خيار دعم الإخوان المسلمين أو ما يعرف بتيار الإسلام السياسي، بدا متجذرا في السياسة القطرية منذ سنوات، بما في ذلك عبر ذراعها الإعلامية قناة الجزيرة التي بدت في الفترة القليلة التي سبقت عقد القمة تتعمّد تغييب الملف المصري قدر المستطاع تجنّبا لما ينطوي عليه من حرج لقطر.

وفي هذا الاتجاه نقل عن مصدر خليجي قوله “قد تكون قطر قررت تقديم تنازلات شكلية لإنقاذ الأجندة، أي انعقاد القمّة، والانضمام إلى بيانات قد لا تغيّر كثيرا في سياستها”، مضيفا “أن الأشهر المقبلة ستُظهر ما إذا كانت قطر غيّرت فعلا تلك السياسات أم أنّها غير راغبة أو غير قادرة على ذلك”.

وقال المحلل السياسي عايد المناع إن قطر كانت أمام خيار الخروج من مجلس التعاون، إلاّ أنها قرّرت البقاء ضمن البيت الخليجي لأنّ مصالحها فيه، منبّها إلى وجوب عدم الاستعجال في قطف ثمار هذا القرار.

ويجرّ هذا التحليل إلى التساؤل عن مدى قدرة قطر في التمادي بالإمساك بطرفي معادلة تبدو صعبة، وتتمثل في الحفاظ على موقعها ضمن المنظومة الخليجية دون “التضحية” بالعلاقة العضوية مع جماعات الإسلام السياسي.

ولا تبدو مهمّة قطر يسيرة في هذا المجال بالنظر إلى أنّ الدول الخليجية التي فتحت الباب للتصالح مع قطر، راعت بدورها مصلحة الحفاظ على منظومة التعاون ويسرت على الدوحة احتضان قمّة ناجحة، وستكون خلال الفترة القادمة بانتظار تغييرات ملموسة في سياسات قطرية تعتبرها مضادّة لأمن المنطقة واستقرارها.

وعلى صعيد إقليمي أوسع تبدو مصر المعنية بشكل مباشر بعلاقة قطر بجماعة الإخوان، حذرة في الاستجابة لدعوات التصالح مع الدوحة، والصادرة أساسا عن المملكة العربية السعودية، وتريد خطوات ملموسة تبين تغيير قطر لسياساتها تجاهها. وقد تحدّثت مصادر عن أنّ رئيس جهاز المخابرات المصرية اللواء محمد فريد التهامي طرح خلال لقائه مؤخرا في الرياض بولي العهد السعودي الأمير سلمان بن عبدالعزيز ملف مواصلة قطر لتجاوزاتها تجاه بلاده.

3