تكتيك حركة النهضة للحكم في تونس بعد الانتخابات القادمة

الثلاثاء 2014/04/22

بعد الولادة العسيرة للدستور التونسيّ الجديد في 26 يناير 2014 الماضي، والذي حاز على توافق تاريخي بين أكبر التشكيلات السياسية والمدنية والاجتماعية التونسية، وقعت المصادقة التوافقية أيضا على الهيئة العليا المستقلة للانتخابات برئاسة الجامعي المختص في القانون الدستوري شفيق صرصار. ولكن هذه الهيئة التوافقيّة الوليدة مازالت مكبلة ولم تشرع في أعمالها بسبب التعطيل الذي شاب عملية سن القانون الانتخابي الجديد الذي ستستند إليه الهيئة في تنظيم الانتخابات الرئاسية والتشريعية التونسية القادمة.

ولكن المخاوف من تأجيل الانتخابات إلى ما بعد سنة 2014 هذه بدأت تتبدد نسبيا بعد أن شرع المجلس الوطني التأسيسي في مناقشة فصول القانون الانتخابي منذ 18 أبريل الجاري. وهذا القانون كانت قد اقترحته مجموعة من الجمعيّات المدنيّة المهتمّة بتنظيم الانتخابات ومراقبتها.

ومن المهم أن نتساءل؛ هل ستكون الانتخابات هي المحدد الوحيد لمستقبل تونس وشعبها؟ وهل ستكون تجليا كاملا لإرادة التونسيين ولاختياراتهم الديمقراطية؟ وهل لحركة النهضة تكتيك للحكم لمرحلة ما بعد الانتخابات؟ وهل لحكومة الكفاءات التي أفرزتها توافقات الحوار الوطني دور تلعبه بعد الانتخابات؟

يوم أعلن حسين العباسي الأمين العام للاتحاد العام التونسيّ للشغل والناطق الرسميّ باسم الحوار الوطنيّ عن اسم السيّد مهدي جمعة رئيسا للحكومة التوافقيّة الجديدة في 14 ديسمبر 2013 الماضي، عقد راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة ندوة صحفيّة رحّب فيها بالتوافق على اسم مهدي جمعة ووصفه يومها بـ«الفارس». وفي أحد اللقاءات التلفزيونية قال الغنوشي إنّ مهدي جمعة يمكن أن يحتفظ بمنصبه رئيسا للحكومة بعد الانتخابات القادمة. ولا أحد أعار تلك التصريحات اهتماما على جدّيتها.

ومباشرة بعد مغادرة الترويكا الحكومة التونسية، زار الغنوشي الولايات المتّحدة الأميركية وحصل على بعض الأوسمة وعقد بعض الاتفاقيات، وعاد ليعلن بعد الزيارة أنّ حركة النهضة حركة تونسيّة ولا علاقة لها بالتنظيم الدوليّ للإخوان المسلمين لاسيما بعد تصنيفه تنظيما إرهابيا في مصر وبعد انقلاب المواقف تجاهه من قبل الولايات المتحدة ودول الخليج باستثناء قطر التي تعرّضت لضغوط كبيرة من أجل رفع دعمها عن الإخوان. ومنذ أيام أعاد الغنوشي في برنامج تلفزيوني ما كان قاله من قبل من رغبة حركة النهضة في أن يستمرّ مهدي جمعة في رئاسة الحكومة التونسية بعد الانتخابات. وورد في صحيفة تونسية ما يشبه نقدا ذاتيا صدر عن حركة النهضة أهم ما فيه الاعتراف الضمني بالفشل في تجربة الحكم والشعور بالأسف لاستهلاك القيادات التاريخية للحركة في الحكومة.

كمّا أدى رئيس الحكومة التوافقية التونسية مهدي جمعة زيارة إلى الولايات المتحدة الأميركية مطلع أبريل 2014 الجاري كانت مسبوقة بزيارة أخرى للخليج العربي. ومما رشح عن هذه الزيارة هو اطمئنان الولايات المتحدة لجمعة باعتباره رجل دولة وخبيرا بالشأن الاقتصادي. ولكنّها لا ترغب في عقد علاقات شراكة استراتيجية مع حكومة مؤقتة كما هو شأن حكومة السيد مهدي جمعة. وهو ما يعني ضرورة البحث عن حل لتجاوز معضلة “المؤقت” هذه التي وجدت فيها الحكومة التونسيّة نفسها. وممّا أثار استغراب الرأي العام في تونس وجود اسم مهدي جمعة في استطلاعات الرأي لرئاسة الجمهورية التونسية، مع أن خارطة الطريق التي أوصلته إلى رئاسة الحكومة تشترط عدم ترشح أي عضو من أعضاء حكومته في الانتخابات المقبلة. فما هو تكتيك حركة النهضة، إذن؟

إذا جمعنا عناصر التحليل هذه وشرعنا في تأويلها فإننا سنخلص إلى تبين ملامح التكتيك النهضوي للمرحلة القادمة. فحركة النهضة تقر ضمنيا بما تسببت فيه تجربة الترويكا من تخريب للدولة التونسية في مستوى الإدارة والميزانية العمومية وتمركز الإرهاب. كما أنّها تعرف أن الريح غير مواتية من أجل استئناف حكم التمكين لها ولمشروعها الاستخلافي القروسطي بسبب تغير المواقف الدولية وكذلك الدور الاستراتيجي لمصر التي عرفت ثورة شعبية عارمة ضد دستور الإخوان الفرعوني انتهت بالإطاحة بهم.

كما تأكدت النهضة من أن القوى الحية في المجتمع التونسي لاسيما قياداته الاجتماعية (اتحاد الشغل) والاقتصادية (اتحاد الصناعة والتجارة) والسياسية (الجبهة الشعبية أساسا) لن تقبل باستفراد الترويكا بالسلطة وانحراف النهضة بأهداف الثورة نحو العفو التشريعي وصندوق التعويضات. وتعرف قيادة حركة النهضة أن من أكبر أخطائها استهانتها بالقوى الثورية وباليسار التونسي أساسا وتعاطيها الأرعن مع اتحاد الشغل.

لهذا كله لم تعد لحركة النهضة الرغبة في إعادة تجربة الحكم ولا القدرة على ذلك أصلا. ولم يعد الواقع الدولي مناسبا لحكم الإسلاميين عموما، فلا أحد يدعمهم أو يشجعهم عدا تنظيم القاعدة. بقي لحركة النهضة أن تتموقع في المشهد السياسي التونسي بهدوء وأن تحافظ على وجودها الشرعي فيه وأن تعمل على الفوز بنسبة من المقاعد البرلمانية تضمن لها التحالف المؤثّر في الحكم في تونس المستقبل.

لن تقدم حركة النهضة مرشحا للرئاسية- في اعتقادي- لأن الرئاسة مفرغة من السلطة التنفيذية الواسعة أولا، ولأن لها رمزيتها التمثيلية الكبيرة التي تجعل الرئيس أهم شخصية وطنية ثانيا، وحركة النهضة ترغب في التواري عن صدارة المشهد الآن. كما لن تكون الحركة متلهفة لإعادة المشاركة في تجربة الحكم بسرعة. وليست لها الثقة الكاملة في دعم حزب آخر يتولى الحكم وحده كنداء تونس مثلا. ماذا بقي لها، إذن؟

بقي للحركة أن تحاول اللعب على توافقات الحوار الوطني بالسعي إلى التأثير من أجل دفع أحد أهم إفرازاته وهو السيّد مهدي جمعة إلى الاستمرار في الحكم بتوريطه في اتفاقات دولية تشترط الاستمرار في الحكم لما يزيد عن الخمس سنوات. سيكون ذلك، طبعا، بعد تجاوز عقبة شرط عدم الترشح التي وضعتها خارطة الطريق. وهذا ما يفسر غمزات الغنوشي لجمعة بإمكانية الاستمرار في منصبه بعد الانتخابات. ولكن سيكون ذلك من باب التوافق أو التزكية أو الترشيح المباشر من قبل حركة النهضة. وكما قبلت النهضة بالتخلي عن الحكم، ظاهريا على الأقل، ستقبل بمنحه لمرشح توافقي لو فازت في الانتخابات المقبلة فوزا أغلبيا. وسيكون كل ذلك رصيدا سياسيا إيجابيا لصالحها تؤكد من خلاله محاولتها الدرامية في إثبات وطنيتها وانقطاعها عن الولاء للخارج وللتنظيم العالمي للإخوان المسلمين.

ولكن ما مدى ديمقراطية هذا السيناريو؟ وما هي إرادة الشعب التونسي فيه؟ وهل يقبل مهدي جمعة إدراجه القسري هذا في تكتيك النهضة؟ وهل يقبل تولّي منصبه بعد الانتخابات مع ما وجده من صعوبات وعجز في الميزانية وتفاقم للمديونية؟ وما هي الشروط المحتملة لذلك القبول لو تم؟ وهل سيكون جمعة في موقع المنقذ، أم الشمّاعة والبرواز؟ وما موقف بقية الأطراف السياسية المتلهفة على الحكم من هذا السيناريو؟


كاتب وباحث سياسي تونسي

8