تكرار المشهد الحكومي العراقي في لبنان..

الاثنين 2014/01/13

من الأفضل للبنان، وحتى لإيران في حال كانت تريد التصالح مع نفسها ومع محيطها ومع العالم، اقتناع القيمين على النظام فيها بأنّ الإصرار على تحويل الوطن الصغير “محمية” تدار من طهران سيقضي على البلد. لن يبقى شيء من لبنان في حال تابعت إيران السير في نهج يصبّ في استخدام البلد “ساحة”، أي ورقة تصلح، بين أوراق أخرى، في التفاوض مع من كانت تسميه إلى ما قبل فترة قصيرة “الشيطان الأكبر”.

تبدو السنة 2014 سنة كلّ المخاطر على لبنان، خصوصا أنّ الجانب الإيراني يسعى بكلّ بساطة إلى تكرار المشهد العراقي فيه. وهذا يعني صراحة أن الحكومة اللبنانية يجب أن تتشكّل في طهران على غرار تشكيل الحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي في السنة 2010.

لم يكن ممكنا تشكيل تلك الحكومة العراقية، إلا بعد الرضوخ للرغبة الإيرانية في عدم تمكين الدكتور إياد علاوي من التفكير حتى في وزارة برئاسته. كان هناك فيتو إيراني على علاوي الذي كان من حقه تشكيل حكومة بموجب الدستور المعمول به وفي ضوء نتائج الانتخابات النيابية التي أجريت في السابع من آذار- مارس من تلك السنة. لكنّ إيران أثبتت، بموافقة أميركية طبعا، أنّها هي التي تقرّر من يحقّ له تشكيل حكومة، ومن يحقّ له دخول الحكومة، وماذا تعني هذه الفقرة أو تلك من الدستور العراقي.

لم تكن من حاجة حتّى إلى تشكيل حكومة كاملة مكتملة في العراق. وضعت الحقائب الأساسية التي لم يوجد من يشغلها في عهدة رئيس الوزراء الذي تبيّن مع الوقت أنه لا يستطيع إلّا أن يكون في الخطّ الإيراني، وجزءا لا يتجزّأ من السياسة الإيرانية.

من لديه أدنى شكّ في ذلك، يستطيع العودة إلى التغيير الذي طرأ على مواقف المالكي من النظام السوري. كان المالكي يؤيد قبل سنوات قليلة مثول بشّار الأسد أمام محكمة دولية بسبب أدلّة على إرسال النظام السوري انتحاريين إلى العراق. انتهى رئيس الوزراء العراقي شخصا لا يعترض بأيّ شكل على إرسال أسلحة إيرانية إلى النظام السوري، عن طريق العراق، وإلى داعم، بطريقة أو بأخرى، لإرسال ميليشيات مذهبية عراقية إلى الأراضي السورية لمساعدة النظام في التخلّص من شعبه.

لا يمكن الاستخفاف بمنع إيران الرئيس ميشال سليمان ورئيس الوزراء المكلّف تمّام سلام من تشكيل حكومة لبنانية. صرنا في مطلع السنة 2014 ولبنان من دون حكومة، في حين جرى تكليف تمّام سلام بتشكيل الحكومة في أبريل الماضي، أي قبل تسعة أشهر.

لم يعد الموضوع مرتبطا بمنع رئيس الجمهورية الماروني ورئيس الوزراء المكلّف السنّي من تشكيل حكومة انطلاقا مما ينصّ عليه الدستور بشكل صريح. الموضع أكبر من ذلك بكثير. الحكومة اللبنانية تشكّل في طهران وليس في أي مكان آخر ومن لا يعجبه ذلك، عليه الاتعاظ من تفجير الوزير السابق محمّد شطح الذي سعى، في الفترة التي سبقت اغتياله، إلى إقناع القوى الكبرى بالعمل على صدور قرار جديد عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في شأن “تحييد” لبنان. يضمن نصّ مشروع القرار المقترح إغلاق حدود لبنان مع سوريا في وجه السلاح والمسلحين الآتين منها وفي وجه المسلّحين المنطلقين من الأراضي اللبنانية في اتجاهها. كانت فلسفة القرار الجديد تقوم على فكرة “أنّ مهمّتنا الكبرى هي تحييد لبنان وحمايته مما يحدث في سوريا، بغض النظر عن شعورنا تجاه الشعب السوري”.

كان ذلك سببا كافيا لاغتيال محمّد شطح الذي قال أيضا في آخر حديث له أدلى به إلى إذاعة “صوت لبنان” التابعة لحزب الكتائب الذي يرأسه الشيخ أمين الجميّل: “لا يمكن الحديث عن سيادة الدولة في حال وجود سلاح في يد بعض المجموعات داخلها. وهذا هو السبب الأساسي لعدم وجود حكومة رغم مرور تسعة أشهر على تكليف تمّام سلام”.

قبل الوصول إلى الأزمة الحكومية الحالية في لبنان، سقطت حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري من طهران قبل أن تسقط من دمشق، وذلك بعد الاعتراض الحاسم والحازم لرئيسها على ثلاثة مطالب إيرانية محددة.

كثيرون ينسون أنّ سعد الحريري رفض في أثناء زيارة قام بها إلى طهران طلب إعفاء المواطنين الإيرانيين من تأشيرة دخول إلى لبنان. رفض أيضا توقيع معاهدة “دفاعية” لبنانية- ايرانية والسماح لإيران بدخول النظام المصرفي اللبناني.

كانت النتيجة إسقاط حكومته بالقوّة وتشكيل “حزب الله” حكومة جديدة برئاسة شخصية سنّية اسمها نجيب ميقاتي لا تستطيع، لأسباب كثيرة، قول كلمة لا.. لا لدمشق ولا لطهران.

كان أوّل ما قامت به حكومة نجيب ميقاتي إلغاء التأشيرة للإيرانيين. صار الإيرانيون “سياحا” مرغوبا فيهم في لبنان في حين كان القرار الآخر الذي اتخذته حكومة “حزب الله” المساهمة بطريقة أو بأخرى في منع العرب، خصوصا أهل الخليج من زيارة لبنان. هؤلاء سيّاح حقيقيون غير مرغوب فيهم في لبنان نظرا إلى أنهم يفيدون الوطن الصغير ويساهمون في دعم اقتصاده.

غضّت حكومة “حزب الله” الطرف عن التهديدات الموجّهة إلى العرب. كلّ ما هو مطلوب من لبنان هو زجّ نفسه في الحرب التي يشنّها النظام السوري على شعبه من منطلق مذهبي بحت وذلك تنفيذا لرغبة إيران.

نعم، ما يتعرّض له لبنان أبعد بكثير من منعه من تشكيل حكومة. يبدو مطلوبا أكثر من أي وقت حصر هذه العملية في طهران التي باتت تمتلك شروطا محدّدة تتمثّل في تكريس سابقة الثلث المعطّل. هذا الثلث المعطّل يمنع لبنان من اتخاذ أي قرار كبير، على أي صعيد كان، من دون العودة إليها.من مهمّات الثلث المعطّل في المرحلة الراهنة تأمين تغطية من الحكومة لتورّط “حزب الله” في سوريا.

ولذلك ليس هناك إصرار على الثلث المعطّل فحسب، هناك أيضا إصرار على صيغة “الشعب والجيش والمقاومة” في البيان الوزاري. هل تنجح ايران في تنفيذ مشروعها اللبناني، أي في تدمير لبنان؟

لو كانت قادرة على ذلك، لكانت استطاعت الحؤول دون سقوط حكومة نجيب ميقاتي لأسباب مرتبطة بالحساسيات السنّية قبل أي شيء آخر. السؤال إلى أي حدّ تبدو متمسّكة بمشروعها؟ هل تستطيع الوقوف في وجه الأكثرية الساحقة من السنّة والدروز وأكثرية لا بأس بها من المسيحيين؟ إذا استثنينا الأداة المسمّاة ميشال عون، هناك أكثرية مسيحية كبيرة ترفض تغيير طبيعة المجتمع اللبناني وترفض خصوصا الانجرار اللبناني إلى الحرب السورية.

الخوف كلّ الخوف أن تكون إيران مصرّة على تفجير لبنان نظرا إلى أنها لا تريد أن تأخذ علما بأنه ليس العراق وأن ما يصحّ في العراق، القابل للتقسيم، لا يصحّ في لبنان. فلبنان، إلى إشعار آخر أصغر من أن يقسّم فضلا على أن كلّ طائفة من طوائفه أقلّية، بغض النظر عن الأحجام وعن حال الجنون التي مرّت بها هذه الطوائف.

مرت الطوائف اللبنانية، كلّ بدورها، في السنوات الأربعين الأخيرة بحال من الجنون. هناك من شفي منها وهناك من لم يشف إلى الآن، ولم يتعلّم حتى من تجارب غيره. عند هذا الحدّ تنتفي الحاجة إلى مزيد من الكلام والشرح.


إعلامي لبناني

8