تكرار حالات اختفاء الفتيات يزعج المجتمع المصري

لم تعد وقائع اختفاء الفتيات عن منازلهن في البعض من المحافظات المصرية حالات استثنائية، بعد أن أصبحت شبه يومية، وهو ما أثار الفزع والخوف والتساؤل عن دوافع وأسباب الاختفاء. ومنذ الوهلة الأولى جرى تفسير المسألة من جانب الأسر والرأي العام بأن الاختفاء ناجم عن اختطاف أو تعرض لاعتداء جنسي أو استغلال في أعمال غير مشروعة. لكن المفاجأة جاءت عقب ظهور عدد كبير من الفتيات مرة أخرى، حيث تبين أن الاختفاء "كان رغبة شخصية منهن وهربًا من واقع أسري أليم".
الجمعة 2016/08/19
الهروب إلى المجهول

القاهرة - شهدت مصر أكثر من حالة اختفاء لفتيات مؤخرا، وتحولت بعض مواقع التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه “خلية أزمة” يتسارع كل شخص فيها إلى نشر صور الفتيات لمناشدة الأجهزة الأمنية سرعة إعادتهن والقبض على الخاطفين، إلى أن ظهرن واحدة بعد أخرى لتهدئة الرأي العام الغاضب، والتأكيد على أنهن هربن من أسرهن بمحض إرادتهن، بحثا عن حياة جديدة بعيدة عن المشكلات الأسرية والتضييق عليهن وفرض الآراء والأفكار والسلوكيات التي لم تعد تناسب حياتهن.

صحيح أن اختفاء الفتيات لم يتحول بعد إلى ما يمكن اعتباره ظاهرة عامة، لكن دوافع الاختفاء عن الأسرة أصبحت تستحق الدراسة، لا سيما أنها وقعت في أوقات متقاربة، وإن اختلفت نسبيّا من حادثة إلى أخرى.

هناك من هربت بحثًا عن فرصة عمل جيدة تحقق بها طموحاتها في الحياة وتنقلها إلى عالم جديد، وأخرى هربت مع شاب ترتبط معه بعلاقة عاطفية ورفضت الأسرة زواجهما، وثالثة ملت رفض أسرتها الخروج مع صديقاتها، ورابعة لم تعد تستطيع الاستمرار في منزل أسرتها الذي يعج بالأزمات، وغيرها من المشكلات التي أصبحت تسبب لهن ألما نفسيا.

حتى بعد عودة الفتيات بمحض إرادتهن، وجدت فئة منهن من يقف في صفها من خبراء علم الاجتماع والأسرة والعديد من الفتيات، خاصة أن مبرراتهن للهرب عن المنزل مقنعة، وتحديدا ما يتعلق بالتحكم الفج في مستقبلهن الاجتماعي والوظيفي.

بينما صبت أطراف أخرى نيران الغضب عليهن وعلى الأسرة التي غابت عنها ثقافة الحوار والتنشئة السليمة اللتان تساعدان الفتيات على تخطي العقبات والتحديات النفسية.

وقالت هدير محمد، إحدى الفتيات اللاتي اختفين واعتقدت أسرتها أنها اختطفت، إنها تركت منزل أسرتها بمحض إرادتها ولم تتعرض لضغوط من أحد حتى تقدم على هذه الخطوة التي كانت أسهل بالنسبة إليها من الاستمرار في جو أسري لا يشجع على الحياة، وأرادت أن تختار لنفسها حياة مختلفة بوظيفة جديدة تحقق طموحاتها وتبعدها عن دوامة الانزلاق في أزمات أسرة تعج بالمشكلات ويطغى عليها الإحباط.

الأسرة تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية، جراء غياب رقابة الأبوين في سن المراهقة، والاكتفاء بفرض رؤية واحدة

وأضافت لـ”العرب” أنها سوف تعود يومًا إلى منزلها، لكن بعد أن تحقق جزءا من الأهداف الذي دفعتها إلى الابتعاد، فلم تجد من يحتويها ويسمعها ويحل مشكلاتها، وفي الوقت نفسه ملت الضغوط التي تثقل كاهلها في هذه السن الصغيرة (22 عامًا)، فكان خيار البحث عن حياة جديدة بظروف أكثر استقرارًا وحرية الخيار الأسهل، لأن إمكانية حدوث تغيير في حياتها الأسرية أمر صعب.

وفسّرت منى مصطفى -استشاري العلاقات الأسرية- لـ“العرب” هروب الفتاة في أي مجتمع شرقي، بأن هناك دافعا معنويا يتعلق بغلق الطريق أمام أي حوار مع أسرتها ما يجعلها تفكر في ما هو خارج المنزل أكثر مما في داخله، وتفضل حياة الاغتراب على العيش مع الأسرة.

والدافع الآخر يتعلق بالمال؛ فإن لم تجد في منزل أسرتها ما يحقق طموحاتها في سن المراهقة، تعتقد أن الحرية بعيدًا عن الأسرة سوف تعوضها عن كل شيء حتى وإن لم تجد هذا المال اللازم.

وعزت ذلك إلى قسوة الأب والأم أو التشدد غير المبرر في التربية وتجاهل الجوانب العاطفية والإنسانية داخل المنزل والسخرية من رغباتها ومطالبها، إضافة إلى أنه مع التطور الإعلامي والتكنولوجي قد تجد الفتاة في ما يذاع من أعمال درامية مختلفة، حياة هادئة وعاطفية وخيالية فتبدأ تحلم بالوصول إليها مهما كانت الطريقة، ما يجعلها تفكر في إشباع رغبتها لتعويض الحرمان الذي عاشته، وهو ما يسبب لها خللا في الفكر يدفعها إلى الهرب.

ويعد التفكك الأسري والطلاق وكثرة المشكلات داخل المنزل من أبرز الأسباب التي تدفع غالبية الفتيات إلى الهرب من الأسرة في سن المراهقة تحديدًا، لأنها في هذه المرحلة عادة ما تحلم بحياة مستقرة هادئة، علاوة على غياب حياة الرفاهية عن الأبوين وعدم مجاراة التطورات الحياتية، وإجبار الأبناء على عيش الحياة نفسها التي عاشاها في الماضي.

سلوكيات أسرية يمكن معالجتها بأن يكون الأب والأم بمثابة طبيبين نفسيين داخل المنزل، وهذا كفيل بالقضاء على غالبية المشكلات المتعلقة بالأبناء

وفنّدت دراسة صادرة عن مركز دراسات المرأة بالقاهرة، دوافع هروب الفتيات، وانحصرت الدوافع في العنف الأسري، وافتقاد الأسرة ثقافة الحوار، والجفاف العاطفي، والتربية الصارمة، وتفضيل الذكور على الإناث، والمؤثرات الإعلامية السلبية، واضطراب الوسط الأسري، وإجبار الفتاة على الزواج، وكان الحرمان العاطفي السبب الأبرز بنسبة 67.8 بالمئة، وهذا ما تشترك فيه أكثرية الأسر بسبب المشكلات الاجتماعية والاقتصادية.

وأكد أشرف خليل -أستاذ علم النفس والاجتماع بجامعة عين شمس- أن الأسرة تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية، جراء “غياب رقابة الأبوين للفتاة في سن المراهقة، وعدم التدقيق في اختيار الأصدقاء، والاكتفاء بفرض رؤية واحدة، مثل إجبارها على الزواج أو حبسها في المنزل بدافع الخوف عليها، والسخرية من قدرتها على تأمين نفسها، وكلها أمور تجعلها تؤمن بأنها تعيش في سجن أبدي، لا بد من اختراق أسواره إلى عالم آخر أقل قسوة”.

وحلل خليل لـ“العرب” طبيعة اختفاء كل فتاة مؤخرًا بقوله “إنها سلوكيات أسرية يمكن معالجتها بأن يكون الأب والأم بمثابة طبيبين نفسيين داخل المنزل، وهذا كفيل بالقضاء على غالبية المشكلات المتعلقة بالأبناء”.

21