تكرار حوادث اختناق الرضع يضعف الثقة في الحضانات التونسية

غياب الإطار المتخصص في الإسعافات الأولية يدفع بعض الأمهات إلى هجرها.
السبت 2021/06/19
حياة الأبناء مسؤولية الأمهات

دفع تكرار حوادث اختناق الرضع بالحضانات التونسية إلى تفكير بعض الأمهات في عدم ترك أبنائهن بها بعد أن تبددت ثقتهن فيها. وتشهد حضانات الأطفال من فترة إلى أخرى حادثة وفاة رضيع ما يعجل بغلقها. ويؤدي غياب الإطار المتخصص في الإسعافات الأولية وعمل حضانات الأطفال على خلاف الصيغ القانونية إلى المزيد من تعقيد الأمور بها.

لم يعد باستطاعة مريم بوغانمي أن تنام مرتاحة البال وابنها مودع بإحدى حضانات الأطفال بعد أن سمعت بحادثة موت رضيع يبلغ من العمر 7 أشهر بعد اختناقه نتيجة الإهمال.

وأكدت بوغانمي أن الحضانة التي أودعت بها ابنها تابعة لروضة أطفال مرخص لها وتشتغل ضمن الصيغ القانونية لكن ذلك لم يمنع ترددها في أن يستمر ابنها بالبقاء فيها، مشيرة إلى أن تكرر حوادث اختناق الرضع بدد ثقتها في رياض الأطفال وحضاناتها وجعلها تفكر بجدية بأن تنقل ابنها من المحضنة إلى جارتها التي ترعى عددا من الأطفال خصوصا وأنها لم تسمع عن تعرض أي طفل من أطفالها لمكروه.

وقالت لـ”العرب” يجب أن نقف وقفة جدية لأبنائنا ونجنبهم حوداث الموت المفاجئ فهذه ليست الحادثة الأولى ولن تكون الأخيرة.

وأكدت نجيبة الكوكي خمسينية مربية أطفال أن عددا من الأمهات يفضلنها عن الحضانات نظرا لرعايتها الجيدة للأطفال وخصوصا الرضع.

وقالت لـ”العرب”، “أخصص كامل وقتي لرعاية الأطفال ولا أغادر منزلي مهما كانت الظروف حتى لا اتهم بالتقصير في عملي، فمهمة رعاية الرضع ليست سهلة وتتطلب خبرة
ودراية”.

وشهدت روضة أطفال تقع بجهة المنزه التاسع (محافظة تونس) منذ يومين وفاة رضيع شرق بريقه، حسب الأبحاث الأولية، لسوء هضم الحليب الذي ناولته له أمه قبل إحضاره للروضة مما أدى إلى اختناقه ووفاته.

وكشف شكري معتوق المدير العام للطفولة بوزارة المرأة والأسرة وكبار السن جوان 2021، أن الوزارة قامت بإصدار قرار غلق للروضة، كما تم فتح تحقيقين إداري وأمني للكشف عن ملابسات القضية.

شكري معتوق: الحضانة أغلقت لأنها تشتغل على خلاف الصيغ القانونية

وأضاف معتوق، في تصريح لوكالة تونس أفريقيا للأنباء، أن النيابة العمومية أذنت للشرطة العدلية بالاحتفاظ بصاحبة الروضة وإحدى المربيات العاملة بها، بتهمة الإهمال الناجمة عنه وفاة.

ولفت معتوق إلى أن روضة الأطفال المعنية منتصبة منذ سنة 2015 بصفة قانونية لكنها تعمل على خلاف الصيغ القانونية المنصوص عليها بدفتر الشروط، “إذ أنها تستقبل خلسة رضعا دون سن السنتين ونصف، في حين أن كراس الشروط لا يسمح لها إلا باستقبال أطفال تتراوح أعمارهم بين 3 إلى 6 سنوات”.

وتتكرّر الحوادث في رياض الأطفال القانونية أو العشوائية في تونس. ويتعرّض بعض الأطفال للعنف أو سوء المعاملة أو الإهمال الذي ينتج عنه في بعض الأحيان الموت اختناقا. وانتشرت رياض الأطفال غير المرخّصة خلال السنوات الأخيرة، كما أنّها لا تخضع للرقابة، على الرغم من عدم حصول بعضها على ترخيص مُسبق أو لا تلتزم بدفتر شروط. وعادة ما تنتشر في الأحياء الشعبية، الأكثر بعداً عن عيون الرقابة.

وفي العام 2019 قررت السلطات التونسية إغلاق روضة أطفال شمال العاصمة تونس، إثر تسجيل وفاة طفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات بسبب شبهة إهمال.

وقالت والدة الطفل في تصريح صحافي، إن ابنها توفي نتيجة التقصير والإهمال، مشددة على أنه لم يكن يشكو من أي أمراض.

وبيّنت أنها اصطحبت يوم الواقعة طفلها كما تفعل كل صباح إلى الروضة، وقد كان بصحة جيدة ولا يعاني من أي مرض، مشيرة إلى أن المربية اتصلت بها عند الساعة الثانية بعد الزوال لتعلمها بأن طفلها تعرض لنوبة صرع وهو في حالة إغماء.

وعند وصول الأم إلى المكان، وجدت ابنها جثة هامدة بين يدي المربية، مؤكدة أنها عند نقلها لطفلها إلى مستشفى المنجي سليم بالعاصمة أعلمها الطبيب بأنها تأخرت في إحضاره، متسائلا عن سبب عدم اتصالها بالإسعاف.

في عام 2019 قررت السلطات التونسية إغلاق روضة أطفال شمال العاصمة تونس، إثر تسجيل وفاة طفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات بسبب شبهة إهمال

وأفاد الطبيب بأن الطفل توفي نتيجة تعرضه للاختناق بينما كان يتناول الطعام، لافتا إلى أن التأخير تسبب في انقطاع الأكسجين وتلف خلايا المخ، بحسب ما نقلته الأم.

وشددت الأم على أن ابنها اختنق عند تناوله الطعام ولم تنتبه له المربية ولم تقم بإسعافه متهمة روضة الأطفال بالإهمال والتقصير.

ولفت وليد الفرشيشي مختص في شؤون الطفولة، إلى ضرورة تأهيل وتكوين المربين والمشرفين على رياض الأطفال وخصوصا في مجالات الإسعافات الأولية والتدخل عند الحالات الاستعجالية لطلب المساعدة والاتصال بالحماية المدنية والطب الاستعجالي.

وأكد الفرشيشي أن دفتر شروط إحداث رياض الأطفال يستوجب تعاقد الروضة مع طبيب أطفال يكون الأقرب، وذلك لتأمين المتابعة الصحية للأطفال والتدخل الطبي عند اللزوم. وتحدث عن وجود ضعف في الرقابة على قطاع الطفولة، إلى جانب تداخل في الوظائف، وغياب التشريعات الخاصة بتعطل قانون تنظيم رياض وحضانات الأطفال في البرلمان.

نجيبة الكوكي: رعاية الرضع مهمة صعبة تتطلب خبرة ودراية

ونتيجة لكثرة شكاوى بعض الأهالي والجمعيات التي تُعنى بالأطفال في ظلّ تكرّر حالات العنف أو سوء المعاملة، سعت وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن منذ عام 2015، إلى محاربة رياض الأطفال العشوائيّة، وإغلاق نحو ألف روضة أطفال. كما سعت إلى إعداد دفتر شروط جديد ينظّم عمل رياض الأطفال التي يقدّر عددها بنحو أربعة آلاف، وتستقبل نحو 300 ألف طفل، ويتولى إدارتها أو العمل فيها ما يقدر بـ50 في المئة من غير المتخصصين في إدارة رياض الأطفال أو المربين.

وفي العام 2017، عرض مشروع قانون على البرلمان التونسي ينظّم عمل رياض الأطفال بهدف نقاشه والمصادقة عليه. إلا أن العديد من فصوله رفضت من قبل العديد من النواب.

ولجأت وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السنّ إلى تعديل المشروع أكثر من مرّة، إلى أن انتهت عام 2018 من إعداد مشروع لدفتر شروط ينظّم رياض الأطفال، بعد التشاور مع المعنيين في شؤون الأطفال، على غرار مندوبية حماية الطفولة وبعض الجمعيات التي تعنى بالأطفال، ومراجعة الإطار القانوني المنظم لعمل رياض الأطفال، إلى جانب الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية، بحسب ما أعلنت الوزارة.

وركّز دفتر الشروط على معايير الجودة في إنشاء فضاءات الأطفال، إضافة إلى ضرورة التركيز على علم النفس التربوي، وسنّ شروط جديدة تتعلّق بالإطار التربوي، منها ضرورة تكوين المربين والمربيات الذين يشرفون على رياض الأطفال في مجال الإسعافات الأولية. كما نصّ دفتر الشروط على ضرورة وضع كاميرات مراقبة في مداخل ومخارج ومحيط هذه المؤسسات.

كما، تضمن مشروع القانون جملة من العقوبات، حيث “يعاقب بغرامة مالية من 1600 دولار إلى 3 آلاف دولار كل من يُحدث أو يدير أو يمارس نشاط حضانة أو روضة عشوائية، إلى جانب الحرمان من ممارسة أيّ نشاط بأيّ صفة كانت وتحت أيّ عنوان كان في قطاع حضانات ورياض الأطفال لمدّة 10 أعوام”.

21