تكرار سياسات ما قبل الربيع العربي في صالح التيارات الدينية

الطروحات الدينية السطحية تكرّس صراعا مصطنعا بين الدين والعلمانية.
الثلاثاء 2019/09/24
غياب الإيمان بالتعددية يوفر أرضية خصبة لنمو التيارات المتطرفة

يعيد التكرار النمطي للسياسات السابقة التي ثارت عليها الجماهير، إنتاج البيئة الحاضنة لتمدد التيارات الدينية الطامحة للوصول إلى الحكم باعتبارها جماعات تستغل التهميش والسخط الاجتماعي. وفي لقائه مع “العرب” يحذّر باحث التاريخ محمود إسماعيل من وأد الحريات ورفض التعددية الفكرية وموت السياسة، باعتبارها من العناصر التي لا تخدم صالح الأنظمة العربية الحاكمة، لافتا إلى أن عدم استيعاب النخب الحاكمة لدروس التاريخ يدفع الدول العربية لهوّة السقوط في أيدي نظم دينية.

يمثّل الوعي بالتاريخ ضرورة حتمية، كي نُمسك خيوط الحاضر والمستقبل معا، ونتأمل ونتدبر ما حدث، ونسأل أنفسنا: كيف حدث، ولِم؟ ثُم نعيد رسم خطواتنا لتلافي التكرار. تلك فكرة يطرحها الباحث محمود إسماعيل، أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة عين شمس، عندما يحاول قراءة مستقبل الجماعات الدينية المتطرّفة في العالم العربي.

يرى محمود إسماعيل أن وجود التنظيمات الإرهابية في العالم العربي مستمرّ، ولن تنطفئ كما يتصور البعض. وهو يقول صراحة إن زمن جماعة الإخوان، وتنظيم القاعدة، وتنظيم داعش، وغيرها لم ينقض، ويردد فكرته قائلا “لا تحسبوا أن هزيمة داعش تعني أفول زمن التنظيمات الإرهابية، فهي متحورة ومتجددة وقادرة على التمدد ما دام المناخ المحيط يتيح لها النمو والتجدد”.

وجاءت صيحة التحذير التي أطلقها إسماعيل في حواره مع “العرب” بعد توقفه عن الكتابة لنحو ثلاث سنوات، بسبب ظروف مرضه العضوي، وضعف بصره، غير أن ذهنه المتقد يدفعه إلى الحديث بوعي وسلاسة وحماس تُناسب شابا في الثلاثين.

ويقول إنه يؤمن بضرورة قطع الطريق على الحركات الإرهابية من التمدد من خلال إطلاق الحريات وتوسيع نطاق المشاركة السياسية ومعالجة الخلل الاقتصادي والاجتماعي بالبلدان العربية التي شهدت ثورات تغيير.

محمود إسماعيل له أكثر من خمسين مؤلفا أبرزها: “هل انتهت أسطورة ابن خلدون” و”المهمشون في التاريخ الإسلامي” و”المهمشون في التاريخ الأوروبي” و”الحركات السرية في الإسلام”. إلى جانب “سوسيولوجيا الفكر الإسلامي” بجزأيه “طور الازدهار وطور الانهيار” و”الخلافة الإسلامية بين الإرجاف والإنصاف” و”الدولة الفاطمية دعوة وثورة”.

ويركز إسماعيل في مؤلفاته على الربط بين التاريخ والحاضر مثل كتب “الخطاب الأصولي المعاصر” و”الخلافة الإسلامية بين الفكر والتاريخ” و”جدل الأنا والآخر”.

أوضح إسماعيل في حواره مع “العرب”، أن المناخ العام في كثير من البلدان العربية ما زال مثاليّا لاستيعاب واحتضان متطرّفين جُدُد.

وقال إنه حتى بعد ثورات الربيع العربي مازالت الحريات في كثير من الدول التي شهدت ثورات منتقصة، والغريب أنّ هناك تكرارا للسياسات نفسها التي سبق وأدّت إلى غضب الجماهير، ثم ساهمت في استئثار التيارات الدينية بالساحة والوصول إلى الحكم في بعض البلدان.

وكرّر أنّ وأد الحريات ورفض التعددية الفكرية يسمحان بتمدد الجماعات السرية، وموت السياسة في غير صالح الأنظمة العربية الحاكمة، لافتا إلى أنّ عدم استيعاب النّخب الحاكمة لدروس التاريخ يدفع الدول العربية إلى هوّة السقوط في أيدي نظم دينية متطرفة. ورأى أنه لا يمكن استمرار الأوضاع الخانقة للناس، خاصة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، لأن ذلك يعبّد الطريق أمام الجماعات الدينية، ويمكّنها من جذب أنصار جُدُد.

مخاطر متباينة

حريات منتقصة
حريات منتقصة

شدّد إسماعيل على أن التفاوت الطبقي الكبير والمستمر بعدما يعرف بثورات الربيع، مع عدم تحسن الأحوال الاقتصادية، بل ازديادها سوءا، يمثلان خطرا ماثلا لا يجب الاستهانة به، لأن أوضاع التعليم والثقافة المتدهورة لا تسمحان لأيّ فكر متحرر أو مستنير بالتواجد.

ضرب المفكّر المصري مثلا على تدهور أوضاع التعليم بقوله “أحد الدارسين لديه في قسم التاريخ ظل من أوائل فرقته لعدة سنوات، وحصل على تقدير ممتاز، رغم ضعفه الشديد في اللغة العربية لدرجة أنه لا يعرف الفارق بين الفاعل والمفعول”، محذّرا من أنّ هناك فسادا كبيرا في كثير من الجامعات والمؤسسات العلمية.

واستطرد إسماعيل مكرّرا أنّ تفاقم الأوضاع السلبية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي يُفضي حتما إلى تطرّف لا مثيل له، “أحداث التاريخ تقول ذلك بوضوح، وعلينا أن نتعلّم منها”.

 ولا يمكن تجاهل نبوءة إسماعيل الخاصة بعودة الإسلاميين نتيجة استنساخ سياسات ما قبل الربيع العربي، لأنه كان أحد قلائل الذين كتبوا نبوءتهم في اندلاع ثورات غضب في الشارع العربي قبل عامين من أحداث الربيع العربي.

 ويقر في مقدمة كتابه “المهمشون في التاريخ المصري” “نحن في غنى عن رصد تدهور أوضاع المصريين آنيا، الأمر الذي فجّر الغضب الشعبي الذي اتخذ صورا شتّى، كالمظاهرات والإضرابات في كافة القطاعات، وقد تمثّل ردّ الفعل في قيام حركات دينية متطرّفة تعتمد العنف أسلوبا للمواجهة، نجحت السلطة في قمعها، ونظرا لإفلاس الأحزاب السياسية دون استثناء فإننا نرى أن ثورة في طريقها للاندلاع”.

يمكن القول إن دوائر صنع القرار في مصر كان يمكنها تجنّب الكثير مما جرى في يناير 2011، لو أخذت بتحذير الرجل الذي ظل على مدى خمسة عقود يطرح آراءه باعتباره مفكّرا وباحثا مستقلاّ، لا ينتمي إلى أيّ تيار سياسي.

ليس أدلّ على استقلالية إسماعيل من تلك الحكاية التي نقلها لنا كتاب سيرته المعنون، “جدل الأنا والآخر”، حيث حكى فيه أنه عندما حصل على الدكتوراه في التاريخ نهاية عام 1970 طلب منه رئيس تحرير إحدى الصحف القومية في مصر إعداد دراسة عن فكر الرئيس أنور السادات، وكان قد تولّى السلطة توّا، لكنه رفض وأصرّ على الرفض، رغم علمه بأنّ ذلك سوف يؤثّر على فرصه في الترقّي.

الإخوان ضد الاستيعاب

يرى محمود إسماعيل، بخبرته في مجال الحركات السرية والمتطرّفة أنّ تنظيم الإخوان المسلمين غير قابل للاستيعاب في الوقت الحاضر أو المستقبل القريب، لأنه مراوغ ويمثّل أكثر التنظيمات الدينية انتهازية وتلوّنا وكفرا بالوطن، وهو التنظيم الأم الذي انبثقت منه كافة التنظيمات الدينية العنيفة والدموية حتى لو ادّعى غير ذلك.

 ورأى أنّ واشنطن لعبت دورا مهمّا في دعم التنظيم للوصول إلى الحكم في مصر بعد ثورة 25 يناير 2011 لاستخدامه في تنفيذ سياسات بعينها تتفق مع كفر التنظيم بفكرة الوطن، ولا يمكن تنفيذ تلك السياسات مع نُظم حاكمة مدنية محترمة.

تنظيم الإخوان المسلمين غير قابل للاستيعاب لأنه مراوغ ويمثل أكثر التنظيمات الدينية تلونا وكفرا بالوطن

وتابع “حتى التنظيمات الدموية التي تدّعي العداء للغرب وأميركا، مثل داعش، لا تعمل بعيدا عن سيطرة ونفوذ أجهزة الاستخبارات الغربية، التي كثيرا ما تخترق التنظيمات والجماعات الإسلامية بقصد التأثير في سياسات الدول”.

طرح رؤية جديدة مفادها، أن تشبيه جماعة الإخوان المسلمين بالخوارج فيه ظلم كبير للخوارج، “الخوارج في حقيقة الأمر لم يكونوا طلاّب سلطة أو حكم، واقتصرت فكرة التكفير لديهم على الرعيل الأول الذين شهدوا التحكيم بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، بل إنهم كانوا يعتمدون نظام الشورى في ما بينهم ويتحرّون تحقيق العدل الاجتماعي، وهو ما لا يوجد لدى تيارات الإسلام السياسي الحالية”.

ويعتبر أن الخوارج استحسنوا لقبهم “خوارج”، استنادا إلى الآية القرآنية “ربنا أخرجنا من القرية الظالم أهلها”، بمعنى خروجهم على الظلم، لكن الإخوان وجماعات الإرهاب تقبل بمساندة الظلم والاغتيال والخداع والكذب ونفاق الحكام طلبا لمكاسب ذاتية ضيقة، وبالطبع فإنهم ضد فكرة العدل الاجتماعي تماما.

دين العلمانية

ويرى إسماعيل أنّ تسييس الدين “طرح رديء لأن الصراع بين الدين والعلمنة صراع مصطنع، فالعلمانية ليست كفرا، بل إن الإسلام هو دين العلمانية، والعلمانية التي كانت في دول أوروبا، باستثناء فرنسا، لم تكن كفرا بالدين، إنما إعلاء للعقل وتحقيقا للعدالة”.

وقال إسماعيل إن تهافت طروحات التيارات الدينية واضح من وجهة نظر تاريخية، لأن الخلافة الإسلامية شهدت مراحل نهضة ومراحل انتكاس، والمعروف أن الإسلام لم يحدّد شكلا للحكم، وليس أدلّ على ذلك من اختلاف مواقف الخلفاء الراشدين أنفسهم من أمور عديدة.

ولا يعقل أن نحاول استعادة خلافة مثل الخلافة العباسية التي كانت غارقة في الملذات والمظالم، بدعوى أنها مراد الإسلام في الحكم، وضرب مثلا بأن الخليفة العباسي المتوكل كان يمتلك 12 ألف جارية، وعددا كبيرا من الخلفاء ماتوا صغارا بسبب الإمعان في الملذات.

وأشار  إلى أنّ منهجه يركّز على فكرة وجود إشكالية في المنهج والرؤية تخصّ التاريخ الإسلامي بشكل واضح، تتعلق بإصرار الكثير من المؤرخين على تقديم التاريخ العسكري والسياسي باعتباره موضوع العلم، أما التاريخ الاجتماعي والثقافي فيظل بعيدا عن التناول، ما مثّل أزمة مازالت تُلقي بظلالها على دارسي التاريخ حتى يومنا هذا.

وأكد ضرورة عدم الحكم ببراءة المادة التاريخية، لأن هناك أغراضا عديدة، فعلى سبيل المثال فإن الخليفة أبوجعفر المنصور، شجع علوم التدوين لأغراض دعائية للسلطة، والعباسيون قضوا على كل مرويات تاريخية لا تخدم دولتهم.

12