تكرر الضربات الإرهابية في سيناء.. أين يقع الخلل

الجمعة 2015/04/17
الإرهاب لن يصمد طويلا أمام وحدة مكونات المجتمع المصري

القاهرة – يثير تكرر العمليات الإرهابية التي تنفذها جماعات متشددة على الأراضي المصرية، وتحديدا في سيناء، الكثير من الجدل في صفوف المحللين والخبراء الأمنيين الذين يرون أنّ تواتر هذه العمليات بنفس الأساليب والطرائق، تقريبا، في ظل الاحتياطات الأمنية المتّبعة، أضحى يتطلّب إدراكا أعمق للمسببات الكامنة وراء ذلك، تمهيدا لصياغة استراتيجية أشمل وطويلة المدى لمجابهة الخطر الإرهابي المتنامي.

فصلت ثلاثة وسبعون يوما بين سلسلة الحوادث الإرهابية التي شهدتها محافظة شمال سيناء في يوم 29 يناير الماضي، وتلك الحادثة الإرهابية التي وقعت الأحد الماضي، لتثير بذلك تساؤلا حول الأسباب التي تؤدي إلى تكرار الحوادث الإرهابية، رغم الإجراءات الأمنية المشددة التي اتخذت في المحافظة.

واتخذت في 25 أكتوبر الماضي إجراءات أمنية مشددة، عقب هجوم استهدف نقطة عسكرية، شمال سيناء، أدّى إلى سقوط 31 قتيلا من العسكريين، وإصابة ثلاثين آخرين.

وقرّرت الحكومة المصرية إثر هذا الحادث في يوم 25 يناير الماضي، مدّ قرار حظر التجوال بمحافظة شمال سيناء (شمال شرقي البلاد) لمدة 3 أشهر جديدة، كما اتخذت قرارا بهدم المنازل الواقعة على الشريط الحدودي مع قطاع غزة، بسبب شبهات حول وجود أنفاق داخل بعضها تربطها بالقطاع، ومن خلالها يتم تهريب السلاح والمتفجرات إلى سيناء.

لكنّ هذه الإجراءات لم تؤد إلى وقف العمليات “الإرهابية”، بل أنّ الجماعات الإرهابية في المقابل طوّرت من أسلوبها لتستخدم “السيارات المفخخة” في سلسلة الحوادث التي شهدتها سيناء يوم 29 يناير الماضي، وأعادت الكرة مرّة أخرى يوم الأحد الماضي 12 أبريل 2015.

وقد يعتقد على المستوى النظري، على الأقل، أنّ أسلوب تنفيذ حادث 29 يناير من المفترض ألا يتكرّر، ولكن تكراره الأحد الماضي يدفع إلى البحث عن تفسير.

سياسة النفس الطويل

تدفع محاولة البحث عن تفسير لتكرر الحوادث الإرهابية في مصر، تقريبا، بنفس الأساليب، إلى الذهن تكرار حوادث تفجير خط الغاز المصري الواصل إلى الأردن وإسرائيل، في منطقة شمال سيناء في أوقات سابقة. وقد كان يتم الاكتفاء بإصلاح الخط دون البحث عن الوسيلة التي تمنع تفجيره مرّة أخرى، وهو الأمر الذي يفسره أحمد عبدالله، استشاري الطب النفسي والباحث في علم النفس الأمني، بعدم وجود خطة أمنية تعتمد على سياسة النفس الطويل.

خبراء: الوصول إلى شخص من البيئة المحلية يساعد قوات الأمن والجيش في وأد المخططات الإرهابية

ويقول عبدالله “في علم النفس الأمني هناك نظريات تتحدث عن كيفية الحفاظ على أقصى درجات اليقظة دائما، ولكن في مصر هناك ما تسمى بـ (الشَدَّة)، وهي الفترة التي يتم فيها تشديد الرقابة، وعادة ما تكون مصحابة للأحداث الكبيرة، ثمّ سرعان ما تعقبها فترة تسمى بـ(الارتخاء) وهذا ما يحدث بعد زوال الشدة”.

ولفت أكثر من محلل وخبير، في أوقات سابقة، الانتباه إلى هذه النقطة، وضرورة أن تكون المواجهات مع الجماعات الإرهابية مبنية على سياسة النفس الطويل.

وكانت التحليلات في مجملها تسير في سياق الاستعداد لمواجهة طويلة مع التنظيمات الإرهابية، والتعويل على الاستفادة من الخبرات السابقة، وتلفت إلى أنّه من غير المعقول أن تطوّر الجماعات الإرهابية أدواتها، في حين تستخدم قوات الأمن نفس الأدوات وتكرر نفس الأخطاء السابقة.

ويؤكد المحلّلون أنّ المحافظة على حالة “الشّدة” والنفس الطويل طوال الوقت وضمان عدم تحولّها لاحقا مع سياسة النفس القصير و”الارتخاء”، سيساعد بلا شك في مواجهة الهجمات الإرهابية لدى اقترابها من الهدف، لافتين إلى أنّ لتكرّر وصول هذه الهجمات إلى أهدافها أربعة أسباب، ينبغي التطرق إليها والبحث عن وسائل للتعامل معها ومنعها، وهي التالي:

دراية المنفذين ببيئة العمليات

يتطلب تنفيذ تفجير باستخدام سيارة مفخخة، أن يكون مُنفّذ العملية على دراية بالمكان المراد الوصول إليه، وعلى اطّلاع على تمركز العناصر المكلفة بالحراسة.

وبمراجعة الفيديو الذي نشره تنظيم “أنصار بيت المقدس”، في أعقاب سلسلة الحوداث الّتي نفذها، في يوم 29 يناير، لم تختلف طريقة تنفيذ عملية الأحد الماضي، عن تلك التي استهدفت في وقت سابق الكتيبة “101”.

ووفق ما يكشف عنه الفيديو، تمّ استهداف هذه الكتيبة، بإطلاق قذائف انشغل الأمن بالتعامل معها، بالإضافة إلى انشغاله بالتعامل مع سيارتين مفخّختين كانتا تقصدان الكتيبة من جهات مختلفة، فيما كانت هناك سيارة ثالثة هي الأساسية في التفجير محمّلة بالكمية الأكبر من المتفجرات.

وحيد عبدالمجيد: تطوير المنوال التنموي في سيناء من شأنه أن يحد من الخطر الإرهابي في المنطقة

وتعرف تلك المنطقة بين أهالي شمال سيناء بالمنطقة المحظورة برا وجوا، حتى أنّه يقال إنّه “غير مسموح حتّى للطيور بالتحليق فوقها”، من قبيل المبالغة، للإشارة إلى شدّة التحصينات الأمنية بها.

ويرى الخبراء أنّ العمليات الإرهابية المتتالية تفيد بأنّ منفذيها على اطلاع ودراية كافية بالأماكن والطرق التي سلكتها، وهي تفاصيل لا يتسنى إدراكها إلاّ لشخص على دراية كافية بالبيئة المحيطة، وهذا الشخص، وفق خبراء أمنيين، لا يُمكن مواجهته إلا بشخص آخر من نفس بيئته.

افتقاد البيئة المساندة

يرى الخبراء أنّ الوصول إلى شخص من البيئة المحلية يساعد قوات الأمن والجيش في وأد المخططات الإرهابية، وهو ما لم يعد موجودا، وتبدو تداعياته واضحة ومظاهره جلية في تكرار العمليات الإرهابية.

وفي تفسير غياب هذا الشخص، يتردّد أنّ غضب الأهالي من أخطاء ترتكبها قوات الأمن أثناء حملاتها يقابله تكوّن حاضنة شعبية للمسلحين، وهو ما ينفيه مواطنون من شمال سيناء.

وقد عزا سالم، وهو أحد أفراد قبيلة بدوية تقطن جنوب رفح وخير عدم ذكر اسمه بالكامل، عدم قيام المواطنين بالتعاون مع الأمن إلى “قيام المسلحين بتهديد وتحذير الأهالي من خطورة التعاون مع قوات الأمن والإدلاء بأيّ معلومات إليهم عن تحركات المسلحين، وإلاّ سيكون عقاب القتل هو مصيرهم، وبالفعل تمّ تنفيذ هذه العقوبات في وقت لاحق، حيث قام مسلحون بنحر رقاب شباب بمنطقة الشيخ زويد، وهو ما اًعتبر تهديدا صريحا مفاده أنّ هذا العقاب سيكون مصير كل متعاون مع الأمن ضدّهم، وهو ما تسبب بالتالي في إرباك الأهالي وزيادة درجة خوفهم”.

وأوضح، سامي أبومحمد، أحد الشباب بمنطقة جنوب الشيخ زويد، “أنّ كافة من لهم صلة بالقوات الأمنية من القيادات القبلية رحلوا وتركوا منازلهم، وتوجهوا إلى محافظات خارج شبه جزيرة سيناء خشية العقاب، ومن بقي من الأهالي في هذه المناطق فضّل الصمت المُطبق، وهو صمت ليس معناه موالاة المسلّحين، فالأهالي يدركون أنّ سبب ما حل بمناطقهم من دمار وتهجير لأُسر كان بسبب أعمال المسلحين”.

ورأى علي أحمد، وهو شاب من أهالي منطقة جنوب الشيخ زويد، أنّ هناك فهما مغلوطا في تفسير غضب الأهالي من أخطاء ترتكبها القوات أثناء حملاتها بالقول “إنّ ذلك يُقابله تكوّن حاضنة شعبية للمسلحين”.

ويقترح أحمد لحل هذه المشكلة، أن يتمّ توفير الحماية الكافية للمتعاونين مع الأمن، وأضاف “القوات تنتشر نهارا في المناطق الساخنة بالمحافظة، وتغادرها ليلا، لتكون الفرصة سانحة للانتقام ممّن يبلغ عن الجماعات المسلحة، حيث لن يجد من يحميه من عقابهم الصريح وهو القتل أو الذبح”.

الحرب على الإرهاب تستوجب نفسا طويلا

الطبيعة العقائدية والجغرافية

حينما كان ونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، مراسلا حربيا في شبابه، قال “لا تحارب الجبال والإسلام معا”، ويقصد بهذه العبارة أن المشكلة تصبح مضاعفة عندما يكون الطرف المحارب يملك عقيدة دينية، وفي نفس الوقت يتواجد في بيئة جبلية. وجغرافيّا، تتكون سيناء من ثلاثة أقسام من التضاريس هي السهول (تمتد من شرق الإسماعيلية إلى رفح بمحاذاة البحر المتوسط شمالا)، الهضاب (تقع في منطقة وسط سيناء وهي عبارة عن سلسلة هضاب تتخللها بعض الجبال التي تنحدر تدريجياً نحو الشمال)، الجبال (تحتل الثلث الجنوبي والأضيق من مثلث شبه جزيرة سيناء ما بين خليجي السويس والعقبة).

وتشكل الطبيعة الجغرافية الوعرة التي تتميز بها سيناء، إضافة إلى الطبيعة العقائدية، صعوبة في المواجهة؛ حيث لا يحسب المسلحون الحسابات الحربية التقليدية للمكسب والخسارة، فهم على استعداد لأن يفقدوا حياتهم، مقابل إلحاق الضرر بأكبر عدد ممكن من قوات الأمن، لاعتقادهم بأنّ ذلك هو السبيل نحو الجنة.

ويستخدم تنظيم “داعش” الإرهابي هذا الأسلوب، ومؤخرا أصبح تنظيم “أنصار بيت المقدس” يعتمده أيضا، وذلك بعد أن أعلن ولاءه وانضمامه لتنظيم داعش في شهر نوفمبر من العام الماضي، وقام على إثر ذلك بتغيير اسمه إلى “ولاية سيناء”.

ويرى محللون أنّ الضربات الجوية وحدها لن تجدي مع مثل هذه الجماعات العقائدية، بل تحتاج لمواجهتها بالفكر أيضا.

ولدى حديثه عن الإرهابيين، قال شوقي علاّم، مفتي مصر، في مقال نشر له بجريدة “ذي أونتاريو هيرالد” الكندية يوم 4 أبريل الجاري، “إنّ هؤلاء القتلة يستشهدون بالنصوص الدينية لتبرير جرائمهم غير الإنسانية، وأدّى فهمهم المنحرف والسقيم للنصوص المقدسة إلى انتهاجهم لمنهج العنف الذي يتعارض مع المقاصد العليا للشريعة الإسلامية”.

وأضاف ” أنّه لكي نواجه هؤلاء الإرهابيين وندافع عن ديننا الإسلامي الذي يدعو إلى السلام والسماحة، فإنه على حكماء وعلماء المسلمين أن يفندوا أيديولوجيات المتطرفين وأفكارهم المتجذّرة، ونشر الفهم الصحيح للتعاليم الإسلامية عبر التاريخ”.

الضربات الجوية وحدها لن تجدي مع مثل هذه الجماعات العقائدية، بل تحتاج لمواجهتها بالفكر

وتنطلق عقب كل حادث إرهابي تشهده محافظة شمال سيناء دعوات لقوافل دينية تتجه إلى هناك للتعامل مع الأفكار الإرهابية والمتطرفة، ولكن لم يظهر صدى لهذه الدعوات إلى حدّ الآن.

معالجة الجانب التنموي

تعاني منطقة سيناء من إرث تاريخي من الإهمال الحكومي لها منذ أن نجحت مصر في تحريرها من الاحتلال الإسرائيلي، وذلك على الرغم من كثرة الوعود الحكومية التي أطلقت في السابق.

وفي محاولة للخروج بأفكار غير تقليدية لحلّ هذه المشكلة، يقترح وحيد عبدالمجيد، أستاذ العلوم السياسية ونائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، حلاّ عاجلا بديلا للخطط التنموية التي يحتاج تنفيذها الكثير من الوقت، يتمثل في تطوير المنوال التنموي وإنشاء مشروعات صغيرة في سيناء من شأنها أن تقلص من إحساس التهميش الذي يحسه البعض من سكان المنطقة وتخفف من وطأة الإرهاب.

ويقول عبدالمجيد في تصريحات، نشرتها وسائل إعلام مصرية محلية، “إنّ تبني الدولة للمشروعات الصغيرة في منطقة سيناء سيدفع عددا من شباب سيناء إلى العمل بدلا من الانضمام للتنظيمات الإرهابية كأنصار بيت المقدس”، مشيرا إلى أنّ “أحد عوامل عدم مشاركة أهالي سيناء بالقدر الكافي في مقاومة الإرهاب يعود إلى شعورهم بالتّهميش وتردّي أوضاعهم الاقتصادية”، لافتا إلى أنّ “الملحقات الأمنية وحدها لن تحقق النتائج المطلوبة لاعتمادها على المطاردة وليس القضاء على منابع الإرهاب”.

تفاصيل أخرى:

إرهاب متعدد الأبعاد في مصر يستوجب مواجهة تواكب ديناميكية تطوره

7