تكريمات

الأربعاء 2017/01/18

تعود تقاليد الاحتفالات التكريمية لنظام الإقطاع، حيت كان يتم فيها تجديد علائق الولاء والاعتراف بالفضل للمُلاك والنبلاء، قبل أن تتطور زمنيا لتنزاح عن دلالاتها الطبقية إلى كنه فكري وثقافي، قصد به تحية منجز كبير في حقل من حقول المعرفة أو الفكر أو السياسة أو العمل الاجتماعي؛ جهود جليلة ونافذة في محيطها وذات أثر ملحوظ.

هكذا نشأت، تدريجيا، في الحقل الأدبي تقاليد تكريم نقاد وروائيين وشعراء وباحثين ممن ارتقوا بلغاتهم وخلدوها في أعمال لا تنسى.

نذكر في هذا السياق ذلك الحفل الكبير الذي احتضنته القاهرة مطلع القرن الماضي لتتويج الشاعر المصري أحمد شوقي أميرا للشعراء، كما نذكر الاحتفاءات المتكررة التي حظي بها طه حسين من قبل المجتمع والسلطة، قبل أن تكرمه الجامعة والمجتمع الثقافي بلقب عميد الأدب العربي، كان القصد توجيه تحية رمزية مفعمة بالامتنان والتقدير لعمل فذ واستثنائي.

وحين نعود اليوم لبعض تفاصيل تلك الاحتفاليات نجد أن تكريم خليل مطران، على سبيل المثال، في الجامعة المصرية جاء بأمر ملكي أصدره الخديوي عباس حلمي، للحفاظ على كرامة أديب بارز بعد نكبة مادية ألمت به، وانتشاله من حال الانطواء والرهاب المزمن الذي أصابه، وقد شهد التكريم مساهمة عدد كبير من أدباء النهضة من أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وشبلي الملاط إلى آسرة قلوب الأفندية والمعمّمين مي زيادة.

عموما كان التكريم اعترافا بالفضل واستحضارا للمنجز وتبيينا للأثر، يترافق في الغالب مع رغبة أصيلة من قبل المبادر إلى الاحتفاء في الحفاظ على كرامة “الشخص” صاحب الإنجاز، فقد ترافق التكريم الكبير لخليل مطران في الجامعة المصرية، مع منحه لقب “شاعر القطرين”، وتعيينه في منصب معتبر بالديوان الأميري، انتشله من وهدة الخصاصة. وفي المحصلة لا يمكن إلا أن نلمس نُبل المقصد في مثل هذا النوع من التعبيرات العاطفية تجاه المشغلين بحقل الرموز.

لكن ما بات يلفت الانتباه عزيزي القارئ أن الجانب الشطّاري للاحتفال، المتصل بالمجتمع الإقطاعي، بدأ يطل مجددا من مثل هذه المناسبات، حيث لم تعد ثمة أهمية لمقاصد الاعتراف والتبيين وترميم الكرامة، بقدر ما بات الهدف هو بعثرتها أحيانا، والاقتيات من رصيد المكرّم، لحساب أفاقين من معدمي المواهب، ممن يستدرجون المجتبى لقصد أول وأخير هو جعله مطية لتحقيق مكاسب طفيلية لهم “هم” وحدهم، وسرعان ما ينتهي جناب “المكرم” المقتنص في قاعة باردة مع جوق مبتدئ وشهادة من ورق صقيل، وفضيحة مدوية على صفحات مواقع التواصل الزرقاء.

كاتب من المغرب

15