تكريم كلود ليلوش أم إدانته

مصر في أشد الحاجة إلى خطاب معرفي جديد يطرح وجهة النظر العربية الجادة على العالم، ويستشرف مستقبل الذات ويستشرف سبل تدافعها الحضاري مع الآخر، بحثا عن استعادة ما لها.
الاثنين 2018/10/22
أمر تكريم كلود ليلوش لم يحسم بسبب مواقفه الداعمة للصهيونية ولإسرائيل

حتى وقت كتابة هذه السطور لم يحسم أمر تكريم المخرج الفرنسي كلود ليلوش في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وتوالى صدور البيانات من اللجنة المنظمة للمهرجان دفاعا عن موقفها لتكريم ليلوش، في مواجهة الرافضين لتكريمه بسبب مواقفه الداعمة للصهيونية ولإسرائيل، مما دفع المنظمين لطلب أدلة ومواد واضحة تثبت مواقف ليلوش الداعمة للصهيونية وإسرائيل. لكن تم تسريب بيان ينسبه البعض لإدارة المهرجان يفيد بإلغاء تكريمه حيث ذكر نص البيان أن السبب زيارة لأسباب غير فنية كانت لإسرائيل عام 1990. لتعود إدارة المهرجان وتصرح بعدم إصدارها أي بيانات تقرر إلغاء التكريم، وأنه لا علاقة لها بالبيان الذي انتشر على صفحات التواصل الاجتماعي، وأنها ستصدر بيانا في الساعات المقبلة يوضح موقفها من اللغط الدائر حول تكريم المخرج الفرنسي.

في الوقت نفسه تناولت عدة صحف التصريحات التي أدلى بها كلود ليلوش بتاريخ 20 مارس 2016، في المؤتمر الصحافي بالمعهد الفرنسي بتل أبيب، حين كان فيلمه “Un+Une” يفتتح مهرجان الفيلم الفرنسي الثالث عشر بالتجارب السينمائية الإسرائيلية هناك، وهو ما نقلته هانا براون محررة جريدة “جيروازلم بوست” الإسرائيلية في التاريخ نفسه، حينما عبر عن مدى سعادته لوجوده في إسرائيل، وأنه يشعر فيها بأنه في بيته، لكن الملفت للانتباه في تصريحاته حينما وصل لمربط الفرس، وقال إنه يقدر حقيقة أنك تعيش في إسرائيل بصعوبة وبانعدام للأمان، وفي هذه الجملة الأخيرة القصيرة يكمن كل الفزع والشرور، حيث يتخذ الصهاينة من مثل هذه التصورات المبررات للعنف والإرهاب والقتل بدم بارد تجاه الفلسطينيين، كذلك حين قال في المؤتمر الصحافي نفسه “الماضي والمستقبل يتصارعان مع الحاضر.. لكن التوتر وعدم الاستقرار يجعلان التواصل الإنساني هنا قويا”، وكأنه يمجد الشخصية الإسرائيلية وما تفعله من عدوان وما يواجهها من صعوبات من وجهة نظره، وكأنه لا يوجد فلسطينيون يتم اغتصاب أرضهم وسلب حقوقهم كل يوم من جديد.

وبغض النظر عما سيسفر عنه الموقف النهائي للجنة المنظمة لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، فإن الأمر يحمل عدة إشارات مقلقة للثقافة المصرية، من أهمها أحد تصريحات رئيس المهرجان المنتج والسيناريست محمد حفظي، حين دافع عن موقفه بتنفيذ التكريم مستندا إلى أن فكرة الإلغاء ستجعلنا نظل في “عزلة نخاطب أنفسنا”. وهذا المبرر يجب الوقوف عنده طويلا، فهو منطق المهزوم الذي يسعى للالتحاق بركب المنتصر حضاريا، حتى ولو على حساب ما يؤمن به وثوابته الذاتية والحضارية ومستودع هويته.

وهو ما يدفعنا للعودة بالزمن قليلا للوراء لنفهم كيف تطور حضور التطبيع في المشهد المصري والموقف منه، إلى أن وصلنا إلى حالة الهزيمة الحضارية والعجز عن تسويق وجهة نظرنا في الحق العربي لأنفسنا أولا، ثم للآخر.

في المرحلة الأولى التي تلت الاعتراف المصري بإسرائيل وتوقيع معاهدة كامب دافيد معها أواخر السبعينات، واجه الرئيس أنور السادات رفضا شعبيا عارما إزاء الاعتراف بالدولة الصهيونية وتطبيع العلاقات معها، واستمر الرفض حتى تسعينات القرن الماضي حيث بدأت المرحلة الثانية من التطبيع في ظل حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، مع مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي مركزه إسرائيل وفق التصور الأميركي، حيث دخل التطبيع هنا مرحلة مهمة ارتبطت باختيار النظام السياسي في حينه، ونشأت حوله مجموعة من المصالح أغوى بها النظام السياسي مجموعة من مثقفيه ليدعموا اختياره الجديد، على المستوى الثقافي تحديدا، لكن سرعان ما تفكك مشروع الشرق الأوسط الكبير باغتيال إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل المتبني له آنذاك، وترك المشروع خلفه مجموعة من الأسماء المصرية التي تورطت طمعا في “ذهب المعز وسيفه”، وحاولت بعد ذلك اختراع التبريرات النظرية الواهية لموقفها.

يبدو أن المرحلة الرابعة من التطبيع هي التي تلوح في الأفق الآن تواكبا مع مشروع صفقة القرن الأميركية، وفرض هيمنة إسرائيل على العرب شاؤوا أم أبوا

أما اتفاقية الكويز التي تعد المرحلة الثالثة من التطبيع الرسمي مع الدولة الصهيونية والتي وقعتها مصر عام 2004، فسرعان ما أصبحت باهتة غير ذات جدوى كبيرة للاقتصاد المصري، ولم تجد إسرائيل من ورائها الكثير من المنفعة وشيئا فشيئا خفت الحديث عنها ولم يعد لها ذكر.

لكن يبدو أن المرحلة الرابعة من التطبيع هي التي تلوح في الأفق الآن تواكبا مع مشروع صفقة القرن الأميركية، وفرض هيمنة إسرائيل على العرب شاؤوا أم أبوا، وهي مرحلة التطبيع الذهني والنفسي وغسيل المخ الجماعي للشعوب، وأبرز رواد هذه المرحلة هو يوسف زيدان الذي يبحث لنفسه عن دور يقدم به نفسه كعراب للهزيمة الحضارية والاستلاب للآخر الصهيوني/الغربي، حينما يمرره البعض في بعض اللقاءات الإعلامية مستخدما منهجه الإعلامي في إحداث الصدمة لدى الجماهير العربية، وتشويه ذاكرتها ومستقبلها، كما فعل في بداية هذا الشهر في برنامج “90 دقيقة”، المذاع على قناة “المحور”.

وفي هذا السياق يأتي منطق “العزلة” الذي يقول به رئيس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، فبدلا من أن نطور رؤية سينمائية ثقافية جادة تعبر عن ذواتنا وموقفنا الحضاري من العالم، فإننا نسارع للهرولة للحاق بقطار الغرب الحضاري ووجهة نظره الداعمة للصهيونية، والتي ترى فيها تحريرا للضمير الأوروبي من أزمة لازمته طويلا تجاه يهود أوروبا، خصوصا في أثناء العصور الوسطى وخضم الحرب العالمية الثانية وفي فرسا تحديدا، التي قدم فيلسوفها الأشهر جان بول سارتر في كتابه “تأملات في المسألة اليهودية” فلسفة الصهيونية الوجودية؛ التي ترى أن الصهيونية المسلحة في فلسطين تحرر يهود أوروبا المضطهدين عبر التاريخ، وتخلق وجودهم الإنساني الحر! وكأن فلسطين خالية وكأن العرب رجال أشباح في مسرحية الذات الأوروبية المركزية وأزماتها التاريخية.

كان الأحرى برئيس مهرجان القاهرة الدولي السينمائي أن يخصص مساحة للسينما الفلسطينية تحت الحصار، وكان الأولى بالجامعة العربية أن تخصص تمويلا لتقديم التراث الفلسطيني سينمائيا، فما بين الهزيمة والصمود يتأرجح الاختيار، وأسوأ ما يكون هو حين يختار الإنسان بنفسه الهزيمة ويعلنها، ما الذي علينا أن نسارع تجاهه بديلا عن “العزلة” كما صرح رئيس المهرجان؟

إذا كان رئيس المهرجان يفسر الصمود والتمسك بالحق العربي على أنه عزلة، فربما عليه أن يخرج من مفهوم الإحساس بالدونية والانسحاق تجاه مشروع الآخر، نحن لسنا عراة من الحضارة والقدرة على الإيمان بأنفسنا وبقضايانا العادلة مهما طال الزمن.

يبدو أن هذه مرحلة التطبيع المجاني الذي يبادر فيه البعض من تلقاء نفسه باختراع المبررات وسبك المنطق الجديد، ليقنعنا بواقعية موقفه وأهمية ما يفعله للبلاد ومستقبلها. لقد تم اختيار عام 2019 عاما للثقافة الفرنسية في مصر، فهل نمتلك الجرأة الكافية لنعد أجندة عمل بمجموعة من الأوراق المهمة التي تخص قضايانا المصيرية، لنعرضها على المثقف الفرنسي بخطاب جاد وموضوعي ومحترم.

قد لا يكون العيب في تصور رئيس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، بقدر ما يقع التقصير على النخب المثقفة المصرية حاليا، فلقد ابتعد الكثير منهم عن الإنتاج وفقدوا الدافع والإرادة لاستبصار الطرق للأمة العربية، واكتفوا بحالة السخط المستمر والتذمر على مواقع التواصل الاجتماعي، في حين تقف البلاد في أشد الحاجة إلى خطاب معرفي جديد يطرح وجهة النظر العربية الجادة على العالم، ويستشرف مستقبل الذات ويستشرف سبل تدافعها الحضاري مع الآخر، بحثا عن استعادة ما لها.

9