تكعيبية ماكس ويبر وعشرة أعوام من التأثر والتأثير في معرض لندني

الاثنين 2014/10/06
أعمال ماكس ويبر أغضبت النقاد وألبت الرأي العام ضده إلى أن نصره معرض لندني

لندن - منذ مئة عام تقريبا وحتى الوقت الراهن لم ينظم أي معرض شخصي للفنان التكعيبي الروسي- الأميركي ماكس ويبر في عموم المملكة المتحدة، على الرغم من موقعه الريادي في الفن الحديث، حيث يضعه النقاد دائما بعد جون مارين، رائد الحداثة الأميركية الذي يقترن اسمه غالبا بالمناظر التجريدية والألوان المائية التي طوعها في مجمل أعماله الفنية.

على الرغم من هذا النسيان غير المقصود ربما من قبل المعنيين بالفن التشكيلي، إلا أن القائمين على غاليري “بِن أوري” في سانت جونز وود بلندن، انتبهوا إلى أهمية هذا الفنان الرائد الذي بدأ بالمنحى التكعيبي، ثم تنقّل بين التجريدية والتعبيرية ليستقر في أواخر حياته على المدرسة التشخيصية.

مدرسة استجابت لموضوعاته الفنية ذات الطابع الديني، دون أن يحرم نفسه في السنوات الأخيرة من حياته من التنقل بين أبرز التيارات الفنية الحديثة، التي كانت قادرة على استيعاب نفسه التجريبي الذي أغضب النقاد، وحرضهم على كتابة مقالات نارية ضده تنطوي على الكثير من الآراء النقدية اللاذعة التي حصرته في زاوية ضيقة لا يحسد عليها.


بين باريس ولندن


انطلق هذا المعرض في 25 يونيو 2014 واستمر حتى الخامس من أكتوبر الجاري، وقد انضوى تحت عنوان “ماكس ويبر: فنان تكعيبي أميركي في باريس ولندن 1905 – 1915”.

وهذا يعني أن القائمين على المعرض قد ارتأوا التركيز على هذه السنوات العشر المهمة من حياته لأكثر من سبب، وأول هذه الأسباب هي رحلته إلى باريس عام 1905، حيث تعرف على ثلاثة فنانين كبار وهم هنري روسو وبابلو بيكاسو وهنري ماتيس.

كما أطل عن كثب على أعمال الفنان الانطباعي بول سيزان وتأثر بأسلوبه الجديد تماما، كما تأثر من قبل بأسلوب معلمه الفنان الأميركي المتنور آرثر ويزلي داو، حينما تتلمذ على يديه في بداية حياته الفنية.

وقد وصف ويبر هذه الحقبة بأنها “الأغنى والأكثر امتلاء في حياته”، لأنه أدرك أن المدينة هي البوتقة التي ينصهر فيها تاريخ الفن برمته على الرغم من أهمية القرى والأرياف التي تطوق مدن العالم أجمع، وتمنح الفنان إمكانية الالتصاق بالطبيعة والتوحد بتفاصيلها الصغيرة.

وفي عام 1908 انضمّ ويبَر إلى الصف المدرسي الذي يشرف عليه ماتيس، وبدأ يتعرف على الأسلوبين الوحشي والتكعيبي، وفي هذا العام تحديدا أنجز ويبر ثلاث لوحات مهمة تعرض لأول مرة في هذا المعرض.

تحمل اللوحة الأولى عنوان “أبولو في أستوديو ماتيس”، وهي عبارة عن فيغر عار منحن قليلا إلى الأمام، يدير ظهره إلى المتلقي. اللوحة منفّذة بالزيت على الكانفاس بطريقة لافتة لا تختلف كثيرا عن اللوحة الصغيرة الثانية التي أسماها بـ”العُري الواقف”، وكلا العملين يكشفان عن تأثره بأستاذه ماتيس في تنفيذ الفيغرات والألوان.

مدرسة ويبر استجابت لموضوعاته الفنية الدينية، دون أن يحرم نفسه من التنقل بين أبرز التيارات الفنية الحديثة

ثمة عمل غرافيتي نفذه ويبر بخطوط بسيطة جريئة لكنها أسرت الملامح الخارجية لوجه أستاذه ماتيس، وأسمى هذا العمل “بورتريه لماتيس”، وقد نجح في خلق درجة عالية من التطابق التي تحيل إلى الشخصية المرسومة وتذكر الآخرين بها في الحال. يعود ماكس ويبر إلى نيويورك عام 1909 لأسباب مادية، لكنه سوف يلتقي في السنة التالية بالمصور الفوتوغرافي المبدع ألفن لانغدون كوبيرن، ويرتبط معه بعلاقة صداقة طويلة وحميمة جدا عمقها الهاجس الفني، حيث وجدا نفسيهما مفتونين بأفق مدينة نيويورك الحديثة، يتسلقان بين أوان وآخر سلالم ناطحات السحاب، ليلتقطا بعين الطائر صورا وتخطيطات مشهدية تجسد حيوية المدينة المعاصرة وديناميكيتها.

وربما تكون لوحة “نيويورك” التي أنجزها عام 1912 هي خير أنموذج للثيمة المدينية التي جاءت نتيجة للتلاقح الفني بينه وبين صديقه كوبيرن. ويمكن إضافة لوحة “على جسر بروكلين” إلى باقة الموضوعات المدينية التي سحرت ويبر وألهمت خياله البصري.

في الطابق الأسفل من الغاليري ثمة صالة أخرى أكبر من سابقتها على الطابق الأرضي، وقد ضمت العديد من لوحات ويبر التي أثر بها على الفنانين البريطانيين الطليعيين وعلى رأسهم فانيسا بيل، دنكان غرانت، بيرسي ديندم لويس، فردريك إيتشيلز وروجر فراي.


تجريد وتعبير


إذا وضعنا لوحات الحياة الصامتة والمناظر الطبيعية المرسومة بطريقة تجريدية تعبيرية، وهي كثيرة جدا وانتبهنا إلى لوحتين مهمتين جدا، وهما “الراقصون” و”فيغران أنثويان” اللذان أنجزهما في عام 1912، فسوف نجد مناخا تكعيبيا واضحا في اللوحة الأولى، حيث يلعب الفنان بالثيمة الدرامية من الناحية المنظورية التي يتيحها هذا الشكل الفني المركب الذي ينطوي على أبعاد جمالية متداخلة.

أما لوحة “فيغران أنثويان” فقد جسد فيها مشهدا معقدا لامرأتين عاريتين تقومان بحركة عنيفة جدا، تذكرنا بغالبية الأعمال الفنية التي اندرجت تحت لافتة المدرسة التعبيرية الألمانية.

16