تكفيريون برايات صفراء

السبت 2013/10/19

تمكن الناشطون السوريون الذين يوثقون جرائم نظام الأسد والجماعات المسلحة الموالية لطهران، من الحصول على مقطع فيديو يظهر فيه جنود حزب الله وهم يقومون بإعدام الجرحى في القصير.

لم نسمع صوتا رسميا واحدا يدين هذه الأعمال الخارجة عن القانون الدولي، والمنافية لكل الأعراف والشرائع الإنسانية، والأدهى من ذلك، أن هذه الوثيقة الدامغة التي تجرّم حزب الله بكيانه السياسي قبل العسكري، لم تقدم على عرضها من بين جميع المحطات غير السورية، سوى قناة واحدة هي «العربية».

أليس مدعاة للاستغراب وللريبة، أن يكتفي المجتمع الدولي بتجريم وجود المقاتلين «التكفيريين» السنة والمقصود بهم «دولة القاعدة في العراق والشام» و«جبهة النصرة» وغيرها من الجماعات المسلحة السنية الناشطة على الأرض السورية، وإغفال ذكر التكفيريين الشيعة ممثلين في مليشيات حزب الله اللبنانية، و»أبو الفضل العباس» العراقية وأضرابهم من حوثيين وأفغان وطاجيك، ممن هبوا لنجدة النظام السوري بإيعاز من مرشد طهران، واخترقوا الحدود الدولية لسوريا، وأخذوا يروّعون سكان القرى والبلدات ويخوضون حربا بكل ما زودتهم به إيران من أسلحة ضد ثورة الشعب السوري والجيش الحر الذي يحمي السوريين من بطش النظام الطاغي، ثم يقومون بقتل النساء والأطفال والجرحى في عمليات إعدام يندى لها جبين الإنسانية، تحت ستار «مقاتلة التكفيريين» و«حماية مراقد أهل البيت والمزارات الشيعية»، وعلى رأسها «مزار السيدة زينب» في دمشق؟

أليس مدعاة للاستهجان والاستنكار من إعلام المجتمع الدولي أن يُعتَبر المقاتلون السنة براياتهم السوداء التي كتبوا عليها اسم الله ومحمد، والذين جلبتهم على سوريا ويلات النظام، تكفيريين، انطلاقا من أعمالهم وبياناتهم، التي تضرب عرض الحائط بالكيان السوري، جالبين معهم مشروعا تدميريا تفكيكيا لأسس الجمهورية السورية، بينما المقاتلون الشيعة الغزاة بأعلامهم الصفراء وراياتهم السوداء التي كتبوا عليها اسم الحسين، والتي رفعوها على مآذن الشام بتشف، بدءا من القصير التي احتلوها بعد حصار دامٍ، ولا يعتبر هؤلاء الإرهابيون المتطرفون تكفيريين في نظر العالم؟ وهم لم يكونوا من قبل يختلفون، في نظر الغرب، عن أولئك في ظلاميتهم ودعاواهم وقد افتتحوا وجودهم في لبنان بمقاتلة «الشيطان الأكبر». مرموزا له بالسفارة الأميركية في بيروت.

ما الذي تغير، مع الثورة السورية، في وظيفة حزب الله؟ حتى انتقل من الخندق «الفلسطيني- اللبناني» في مقاتلة إسرائيل، إلى الخندق «الأميركي» في مقاتلة «التكفيريين»؟ الجواب في طهران.

ولكن أين نجد الجواب عن أسباب صمت العالم على الاحتلال الإيراني لسوريا ليس بالمعنى السياسي هذه المرة ولكن، انتهاكا للحدود الدولية عبر ميليشيات طائفية شيعية، لا شبهة دولية في كونها تأتمر بأمر الحرس الثوري الإيراني. ما الذي يجعل الغرب يخرس عن انتهاكات التكفيريين الشيعة وعلى رأسهم حزب الله، ولا يستنكر وجودهم في سوريا، ولا يطالب بخروجهم من هناك، في وقت لا تتوقف الماكنة الإعلامية غربا وشرقا عن قرع الأجراس حول خطر التكفيريين السنة؟

بم تختلف رايات القاعدة، التي لا تعترف بالحدود الوطنية للدول، من الحجاز واليمن إلى تورا بورا، مرورا بالشام والعراق، عن رايات حزب الله التي لا تعترف بالحدود من طهران إلى اليمن مرورا بالعراق والشام وصولا إلى اليمن المتعوس بالحوثيين، وحيثما وجدت.

ما الفرق بين ظلامية تحمل الطبعة الشيعية، وظلامية تحمل الطبعة السنية؟

نريد أن نعرف بأي مقياس من مقاييس الاستشراق، أقام الغرب الفرق بين «إرهاب القاعدة»، و«إرهاب حزب الله»، فوجد الأول مريعا ولابد من محاربته استئصاله، ووجد الثاني معقولا ومفيدا ويمكن الصمت عنه.

القاصي والداني يعرف في أي مطبخ طبخ حزب الله وأين طبعت راياته: طهران الخمينية الحالمة بالتوسع العقائدي والاستخباري، وقد لعب الدور المرسوم له على أكمل وجه خلال ثلاثة عقود عاصفة.

والقاصي والداني يعرف في أية أفران طبخت «القاعدة» ومن موّل نشاطات الجماعات الأولى التي تشكلت منها وكيف وظفها «المشروع الإمبريالي» لمقاتلة السوفييت، قبل أن تنقلب عليه بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، ومن ثم لتتفشى في العالم العربي مشرقا ومغربا بعد 11 سبتمبر، وصولا إلى الفصل الساخر في تهريب كوادرها من سجون عراق المالكي بأمر من طهران، لتمارس وظيفتها المرسومة لها في تخريب الثورة السورية، وقد كان لسوريا الأسد مأثرة مماثلة عندما فتح سجونه وأخرج عناصر التشدد الإسلامي، وأرسلهم إلى الشمال السوري لينخروا ظهر الثورة السورية.

واليوم لو جالت طائرة في سماء دير الزور لترى ماذا أبقت صواريخ طائرات الأسد من المدينة، سوف لن تجد سوى بناء واحد لم يصب بأذى، هو مبنى المحافظة الأضخم في المدينة. هذا هو اليوم مقر قيادة «داعش». فلماذا لم تقرب طائرات الأسد هذا المبنى، ولو من باب التقية؟

هل هناك شك، في حقيقة هذا التنظيم المتهم بأسوأ ما نسب إلى الثورة السورية من تصرفات لا إنسانية، والذي لم يقاتل النظام يوما، لأن وظيفته هي تخريب الثورة وتأليب العالم عليها. ولو كان في عناصره أشخاص غافلون، فإن قادته ليسوا كذلك، ولكنهم موظفون بلحى طويلة (لنتذكر أبي القعقاع والعبسي)، يأتمرون بأمر سفاح دمشق، وكثير من سلاحهم وأموالهم يأتي من طهران. وإن كانت لدولة القاعدة صولة هنا وجولة هناك، فإنما من باب ذر الرماد في العيون.

ليس مقصدنا في هذه الكلمة «داعش» وإنما حزب الله التكفيري الشيعي الذي لا يختلف أبدا عن هؤلاء التكفيريين السنة، وأبرز ما يشتركان فيه أنهما أذرع واستطالات لدول وأجهزة استخبارات تخوض حربا في ما بينها. فهذا الحزب الذي فرّق الغرب، في شيء من المهزلة، بين جناحيه السياسي والعسكري- كأن العسكري لا يأتمر بأمر السياسي- هو اليوم قوة احتلال في سوريا، تنفذ أجندة إيرانية تقول بضرورة بذل المستحيل لحماية محافظ طهران في دمشق (نظام الأسد) من الشعب السوري الثائر عليه، حتى لو اقتضى الأمر إعمال السواطير في قتل الأطفال والنساء، والقيام بانتهاكات جسيمة تصل حدود الإبادة، كما توضح وثيقة إعدام الجرحى التي لا يمكن الهروب منها، ولابد من إضافتها إلى الوثائق الكثيرة التي تدين حزب الله، ويجب أن تكون سببا في محاكمة زعمائه وعلى رأسهم حسن نصر الله، في محكمة جنايات دولية خاصة بوصفهم مجرمي حرب.

سوريا اليوم محتلة، ولم يبالغ «المجلس الوطني السوري» عندما أعلن عنها بلدا محتلا من قبل إيران، فليس من توصيف آخر لحال التراب السوري الذي يشهد اليوم، جرائم ضد الإنسانية، بينما فطاحل سياسيي العالم مازالو يتكهنون. سوريا محتلة، وعلى المحتلين أن يمثلوا أمام العدالة الدولية ليحاسبوا على جرائمهم.

في مقطع الفيديو الذي نشره الناشطون السوريون، وأهملت عرضه جل المحطات التلفزيونية في العالم، لأسباب لم تعد مجهولة، قتل الجرحى والتنكيل بهم هو ضرب من «التكليف الشرعي» كما نطق القائد الميداني لحزب الله، مخاطبا مقاتليه بوضوح. هناك أمر ديني يبيح قتل الجرحى. ولكن من أصدره؟ إنه حسن نصر الله، وهو ظلّ المرشد في طهران، الذي هو ظل إله ما لا يمكن له إلا أن يكون إلها للغدر بالبشر.

سوف يكون من العار على كل لبناني أن لا يتبرأ من جرائم حزب الله، وعار على العالم أن يصمت على جرائم الحزب الفاشي وكتائبه التكفيرية المجرمة التي تنفذ الإعدامات بدم بارد و«تكليف ورِع» بحق الجرحى كما فعلت في القصير، المدينة التي استقبلت جمهور هذا الحزب بالماء والطعام والمأوى في أوقات الشدة الإسرائيلية سنة 2006.

على السوريين أن يلجئوا إلى القوانين الدولية لمحاسبة مجرمي الحرب في سوريا من حزب الله، وسائر المجرمين من آل الأسد ومن والأهم ممن آلت معهم سوريا إلى محرقة كبيرة، وهولوكوست مريع. ولديهم من الوثائق أطنانا تكفي لتجريم هؤلاء القتلة والسفاحين، فقط لابد من تنظيم هذه الأمور، وقد اطلعت على اقتراحات قدمت لعدد من اللجان الحقوقية الدولية، وتابعت بنفسي استشارات حقوقية في غير عاصمة أوروبية، وقريبا سوف تكون هناك أكثر من دعوى تتعلق بتجريم حزب الله وسوق قادته، وعلى رأسهم نصر الله، إلى محاكم جنائية دولية.

أخيرا، بالرغم مع هذا وذاك على المثقفين السوريين تفكيك خطابات ومواقف المجتمع الدولي نفسه الذي سمح بكل هذه الفظاعات، وفوق كل هذا سمح بالكيماوي ليجرد النظام منه، وهاهو بعد الاتفاق مع حماته الروس على تجريده من الكيماوي، يواصل السماح له بقتل آلاف أخرى من السوريين فوق الـ120 ألفا من الأبرياء الذين صاروا تحت التراب.


شاعر سوري

8