تكلفة رخيصة وأهداف دقيقة: الدرون تتحدى أعتى المقاتلات

الطائرات المسيرة تعيد صياغة قاعدة من يمتلك السماء هو الفائز بالحرب.
الخميس 2019/09/19
الدفاعات باهظة الكلفة ليست ندا للطائرات المسيرة

تقول القاعدة الحربية “من يمتلك السماء هو الفائز بالحرب”، وفعلا حسمت أهم الحروب من خلال القصف الجوي والدفاعات الجوية. وتنافست الدول منذ الحرب الباردة على صناعة مضادات الصواريخ والطائرات وكرّست أفضل التقنيات وأكبر الميزانيات لبناء أساطيل قواتها الجوية الحديثة. لكن، اليوم تغيرت قليلا هذه القاعدة، فبطائرة صغيرة مسيرة عن بعد ومنخفضة التكلفة يمكن “امتلاك السماء” وتحدي قدرات أعتى المنظومات الدفاعية.

الرياض - في معرض للسلاح خلال شهر يوليو في صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين رفع مسؤولون عسكريون ملاءات حريرية ليكشفوا عما قالوا إنه طائرات مسيرة وصواريخ تم تطويرها حديثا.

يؤكد هذا الاستعراض صحة الاتهامات الموجهة للحوثيين، المدعومين من إيران، بسلسلة الهجمات التي طالت السعودية ومنشآت نفطية وسفنا دولية في مضيق هرمز، لكنه يكشف في نفس الوقت معادلة دفاعية جديدة: الدفاعات باهظة الكلفة ليست ندا للطائرات المسيرة وصواريخ كروز.

أكّد ذلك الهجوم الذي وقع على منشآت نفطية سعودية، وفتح باب الجدل على مصراعيه، ضرورة البحث في التهديدات الحوثية للسعودية من جهة، ولتسليط الضوء على دور الطائرات المسيرة التي بدأت تشكل ملامح الحروب القادمة، وما حصل من استهداف دقيق للمنشآت السعودية يمكن أن يطول أي دولة ويضرب أي مكان عبر طائرة مسيرة رخيصة الثمن وبسيطة التركيب لكن دقيقة الهدف، من جهة أخرى.

ونقلت وكالة رويترز، عن محلل أمني سعودي، طلب عدم نشر اسمه، قوله إن هجوم الرابع عشر من سبتمبر على معملين يتبعان شركة أرامكو العملاقة للنفط يمكن اعتباره “مثل هجمات 11 سبتمبر بالنسبة للسعودية وسيغير قواعد اللعبة”، فالترسانة الضخمة ونظام باتريوت بعيد المدى الأميركي الصنع والمنظومات التقليدية ليست قادرة على حماية المملكة التي أضحت مكشوفة أمام الطائرات المسيرة منخفضة الارتفاع وصواريخ كروز.

آمي زرغات: هذه الطائرات المقاتلة الصغيرة ستمثل مستقبل الحروب
آمي زرغات: هذه الطائرات المقاتلة الصغيرة ستمثل مستقبل الحروب

في هجمات سابقة، نجحت المنظومة الدفاعية السعودية في اعتراض صواريخ باليستية على ارتفاعات عالية أطلقها الحوثيون على مدن سعودية كانت الرياض من بينها، لكن في ضوء طيران الطائرات المسيرة وصواريخ كروز بسرعات أبطأ على ارتفاعات أقل فمن الصعب على نظام باتريوت رصدها في وقت مناسب يسمح باعتراضها.

وخلال الأشهر الثلاثة الماضية وحدها، أثّرت الطائرات دون طيار تأثيرا كبيرا على الأوضاع الأمنية في العراق وسوريا ولبنان. وامتد هذا إلى المملكة العربية السعودية، حيث انخفض إنتاج نفط الرياض إلى النصف وتعطل ضخ 7 بالمئة من إمدادات الخام العالمية بعد هجوم مفاجئ لم يطلق صفارات الإنذار الجوية الأكثر تقدما في المنطقة.

وقال مسؤول خليجي كبير “الطائرات المسيرة تمثل تحديا ضخما لأنها تطير في الكثير من الأحيان دون مستوى الرادار ونظرا لطول الحدود مع اليمن والعراق فإن المملكة مكشوفة جدا”. وقال مصدر أمني سعودي “نحن مكشوفون. فأي منشأة حقيقية ليس لها غطاء حقيقي”.

وتم تطوير نظامي أفنجرز قصير المدى وآي هوك متوسط المدى الأميركيين ونظام أورليكونز السويسري قصير المدى، لكن إلى الآن وباستثناء منظومة القبة الحديدية التي أنشأتها إسرائيل للتصدي للمقذوفات الصغيرة التي تطلقها حماس والتي تحلق على ارتفاع منخفض، تعجز الدفاعات الجوية التقليدية، رغم قدراتها الكبرى، على التصدي للدرون.

صممت هذه المنظومات لإسقاط طائرات مقاتلة أو صواريخ باليستية وللتعامل مع نوع آخر من الحروب يختلف عن حروب العصابات التي تخوضها جماعات مثل الحوثي وتجاوزت فيها أزمة العقوبات المفروضة على إيران، باستعمال هذه الطائرات الصغيرة.

وقال ديف ديروش، من جامعة الدفاع الوطني في واشنطن، “أغلب أجهزة الرادار التقليدية للدفاع الجوي مصممة للتهديدات على ارتفاعات عالية مثل الصواريخ”.

وأضاف “أما صواريخ كروز والطائرات المسيرة فتعمل بالقرب من الأرض ولذا لا يتم رصدها بسبب كروية الأرض. والطائرات المسيرة صغيرة جدا وليست لها بصمة حرارية بالنسبة لأغلب أجهزة الرادار”.

وتلفت مجموعة سوفان الاستشارية الأميركية إلى أن الطائرات المسيرة المسلحة أصبحت متوفرة ولذا فإن التهديد الذي تتعرض له البنية التحتية الحيوية يتزايد بشكل غير متناسب.

كما أن اعتراض الطائرات المسيرة التي قد تكون قيمتها عدة مئات من الدولارات فقط بنظام باتريوت مكلف للغاية أيضا إذ يبلغ ثمن الصاروخ الواحد من صواريخ باتريوت نحو ثلاثة ملايين دولار.

بعد الهجمات ضد منشآت شركة أرامكو في السعودية، قفز سعر النفط العالمي وتضاعفت معه احتمالات التصعيد داخل الشرق الأوسط المضطربة. كما اتجهت الولايات المتحدة إلى احتياطياتها النفطية لأول مرة منذ سنوات عديدة.

استعملت الطائرات المسيرة (الدرون)، لأول مرة في الشرق الأوسط خلال الحرب الأميركية لاصطياد رؤوس القاعدة في اليمن. وكان زعيم القاعدة في اليمن، أبوعلي الحارثي أول من قتل في عملية طائرة دون طيار داخل اليمن في نوفمبر 2002.

في تلك الفترة كان الجدل بشأن استعمال الطائرات دون طيار يدور حول الضحايا المدنيين الذين يمكن أن يلقوا حتفهم في إحدى العمليات التي يتم فيها استعمال الطائرات دون طيار. لكن، مع مرور الوقت تحولت الطائرات دون طيار إلى نجم في مجالات عديدة حربية ومدنية.

انتشار الدرون

نظم الدفاع التقليدية موجهة في الأغلب لصد هجمات على ارتفاعات عالية
نظم الدفاع التقليدية موجهة في الأغلب لصد هجمات على ارتفاعات عالية

أصبحت هذه الطائرات ذات الوزن الخفيف التي تستطيع أن تؤمن استطلاعا تكتيكيا حتى لأصغر وحدة مقاتلة على الأرض، جزءا رئيسيا من مقاتلات الجيوش الأكثر تطورا في المنطقة. وكثفت الولايات المتحدة استعمالها في دول مثل باكستان والصومال واليمن.

كما أصبحت الجهات غير الحكومية تعمل على الحصول عليها، ووصلت إلى الجماعات الإرهابية حيث استعملها داعش في العراق، وتستفيد منها الميليشيات على غرار الحوثيين، الذين تلقوا الدعم من إيران ومن حزب الله الذي يعد من أول الجماعات المسلحة في المنطقة التي تمتلك مخزونا من هذه الطائرات.

وتقول آمي زرغات، الباحثة في معهد فريمان سبوغلي للدراسات الدولية، إن هذه الطائرات المقاتلة الصغيرة ذات التكلفة الرخيصة والتهديدات الموثوق بها ستمثل مستقبل الحروب، مشيرة إلى أن البعض يخطئ حين يعتبر أن إمكانيات الطائرات دون طيار ضعيفة مع كلفتها الرخيصة، ولا تستطيع الطيران في المجالات الجوية المتنازع عليها. كما يرون أن قدراتها محدودة مقارنة بالمقاتلات الأغلى.

التطورات التكنولوجية ستسمح لهذه الطائرات بالعمل في البيئات المعادية. علاوة على ذلك، تقدم الطائرات دون طيار 3 مزايا فريدة لم يتوقعها الخبراء: الاستدامة خلال النزاعات الطويلة، وشن الهجمات الدقيقة التي يمكن أن تؤثر على نفسية الخصوم الذين تستهدف منشآتهم، وتخفيف تكاليف الحرب.

وتشير زرغات إلى أن استطلاعا فريدا شمل 259 ضابطا عسكريا أجنبيا أظهر أن المقاتلات الأغلى تبقى أقل دقة مما يتوقع منها، في حين أثبتت الطائرات دون طيار قدراتها الأوسع.

ويؤكد ما ذهبت إليه زرغات مارتن تشولوف، مراسل صحيفة الغارديان في الشرق الأوسط، بقوله إن الطائرات الصغيرة الرخيصة، التي لا تحتاج إلى طيار لقيادتها والتي يصعب على الرادارات اكتشافها، تغير طبيعة النزاعات عبر المنطقة.

والطائرات دون طيّار هي طائرات ذات قيادة ذاتية عن بعد تحمل على متنها كاميرات تصوير وأجهزة استشعار ومعدات اتصالات وأسلحة متطوّرة. وإلى جانب اصطيادها الأهداف، فهذه الطائرات ذات الوزن الخفيف تستطيع أن تؤمن استطلاعا تكتيكيا حتى لأصغر وحدة مقاتلة على الأرض، كما توفر المراقبة الدائمة وذلك لفترة أطول ويتوقع أن يكون لها مستقبل واعد.

فعالة رغم ضآلتها

مارتن تشولوف: الضربات التي تعرضت لها السعودية بمثابة تحذير استراتيجي
مارتن تشولوف: الضربات التي تعرضت لها السعودية بمثابة تحذير استراتيجي

يشير جورج لامبريكت، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس بشركة ديدرون الأميركية للأمن الجوي، إلى أنه ثمة وسائل أكثر فاعلية في التصدي للطائرات المسيرة لاسيما إذا كانت تطير في مجموعات. وأضاف أنه يمكن رصدها بالجمع بين أجهزة الرصد اللاسلكي والرادار واستخدام كاميرات عالية الدقة في التحقق من حمولاتها وتكنولوجيات مثل التشويش في تعطيلها. غير أن أحدث وسائل التكنولوجيا تجلب معها تحديات خاصة، فالتشويش على الموجات اللاسلكية قد يعطل أنشطة صناعية وتكون له آثار سلبية.

ويوضح جيمس روجرز، الأستاذ المساعد المتخصص في الدراسات الحربية بجامعة جنوب الدنمارك، قائلا “بانتشار تلك التكنولوجيات، الطائرات المسيرة بعيدة المدى وصواريخ كروز، يزيد فعلا مدى الحرب. كما يزيد ذلك من قدرة الجاني على الإنكار”.

ويعتبر الجيش الإسرائيلي من الجهات المسلحة بأحدث الطائرات السريعة والأسلحة الدقيقة، لكنه اعتمد أسطولا متكونا من طائرات دون طيار لضرب أهداف في سوريا.

ولتمكن الطائرات دون طيار من تجنب الرادار، تمتع الجيش بقدرة على إنكار الهجمات مما ترك الأهداف المتضررة غير متأكدة من هوية الطرف الذي قصفها.

ويشير مارتن تشولوف إلى أن القادة الإسرائيليين، الذين يحاولون منع حرب الظل مع إيران من التحول إلى صراع مباشر مفتوح، يستفدون من هذه الميزة، مضيفا أن إيران أيضا عززت أسطولها بطائرات دون طيار، بما فيها نسخة عسكرية متطورة تم تصميم مكون رئيسي منها من طائرة أميركية دون طيار، جلبتها إلى أراضيها قبل أربع سنوات. وتزايد استخدم وكلاء إيران لهذه الطائرات التي وفرتها لهم طهران.

ويخلص مارتن تشولوف محذرا “تعتبر الضربات التي تعرضت لها السعودية بمثابة تحذير استراتيجي واضح يدل على نهاية عصر الطائرات المقاتلة السريعة. وتحتاج الولايات المتحدة إلى إدراك ذلك، حيث يعتمد نفوذها في المنطقة على “ملكيتها للسماء” وعلى الردع الذي تمارسه قواتها الجوية.

إيران تزود ترسانة الحوثيين بالطائرة المسيرة

أداة تخريبية
أداة تخريبية

صنعاء - ظهر في منتصف العام 2018 نوع جديد من طائرات الحوثيين المسيرة قالت الأمم المتحدة إن بإمكانه الطيران لمسافة تتراوح بين 1200 و1500 كيلومتر الأمر الذي يجعل الرياض وأبوظبي ودبي داخل مداه.

وبنى الحوثيون ترسانتهم باستخدام التصنيع المحلي والخبرات الأجنبية ومكونات مهربة من إيران وغيرها. كما استولوا على قطاعات كبيرة من القدرات العسكرية التقليدية لدى اليمن من بينها صواريخ سكود عندما دخلوا العاصمة في أواخر 2014.

وجاء في دراسة لقوات الحوثيين أجراها مايكل نايتس، من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أن أوضح مثال على المساعدة الإيرانية المباشرة في أسلحة الحوثيين المتطورة هو الصاروخ الباليستي بركان 2 -اتش متوسط المدى.

وتقول الأمم المتحدة إن ترسانة الحوثيين تشمل أيضا صواريخ كروز المضادة للسفن ومركبات مائية محملة بالمتفجرات وصواريخ باليستية وصواريخ كروز وصواريخ أخرى. وقد استولت الحركة على جانب من ترسانة القوات المسلحة اليمنية عندما اقتحمت صنعاء في 2014.

ويقول محللون إن بعض تكنولوجيا السلاح لدى الحوثيين يشبه التصميمات الإيرانية. وقد زار وفد من الحوثيين طهران في أغسطس الماضي وتبادل الجانبان السفراء للمرة الأولى. وقال مسؤول كبير في المنطقة تربطه صلات وثيقة بأصحاب القرار في إيران لرويترز إن حوالي 35 من كبار المقاتلين الحوثيين شاركوا في تلك الزيارة وتلقوا تدريبات على الصواريخ والطائرات المسيرة.

7