تكليف الحبيب الصيد بتشكيل حكومة تونس الجديدة

الثلاثاء 2015/01/06
اختيار الصيد يوحي بأن الملف الأمني يتصدر أولويات المرحلة القادمة

اختار حزب نداء تونس باعتباره صاحب الأغلبية البرلمانية الوزير الأسبق الحبيب الصيد ليترأس الحكومة القادمة في تونس.

الصيد، يعد حسب المتابعين، رجلا ذا تجربة طويلة بدأت سنة 1992 عند توليه منصب مدير مكتب وزير الفلاحة مرورا بمناصب مماثلة في وزارة الداخلية قبل ثورة 14 يناير، وبعدها أمسك بزمام الأمور وعُيّن على رأس هذه الوزارة في حكومة الباجي قائد السبسي سنة 2011، وفي عهد الترويكا شغل خطة مستشار أمني لرئيس الحكومة الأسبق حمادي الجبالي.
وباختيار الصيد على رأس الحكومة التونسية يتجلّى واضحا أنّ معالجة الملف الأمني ستكون أولوية في البلاد التي اجتازت أزماتها الداخلية بنجاح لا تُعكّر صفوه سوى التهديدات الإرهابية.

تسلّم الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، صباح أمس بقصر قرطاج، من رئيس الهيئة التأسيسية لحركة نداء تونس، محمد الناصر، وأمينها العام، الطيب البكوش، ملفّ مرشح الحركة لمنصب رئيس الحكومة، الحبيب الصيد، وذلك عملا بأحكام الفصل 89 من الدستور وبعد التشاور داخل الهيئة التأسيسية للحركة، الفائزة بأغلب مقاعد البرلمان، ومع عدد من الأحزاب.

بدروه، قدم السبسي إلى الحبيب الصيد رسالة تكليفه برئاسة الحكومة وتشكيلها وذلك في غضون شهر من تاريخ 05 يناير 2015. وشدد رئيس الحكومة المكلف في تصريح لوسائل الإعلام على أنه سيعمل على أن يكون في مستوى ثقة الشعب التونسي، مؤكدا أنه سيشرع في مشاورات مع الأحزاب والمنظمات الوطنية ومكونات المجتمع المدني من أجل الإسراع في تشكيل الحكومة الجديدة.

وينص الفصل 89 من الدستور التونسي على أنه “في أجل أسبوع من الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات (تم الإثنين الماضي)، يكلّف رئيس الجمهورية، مرشّح الحزب أو الائتلاف الانتخابي المتحصل على أكبر عدد من المقاعد بمجلس نواب الشعب، بتكوين الحكومة خلال شهر يجدّد مرة واحدة”.


هل يعد الصيد رجل المرحلة؟


أعلن قياديون من حزب نداء تونس أن الاتجاه سيكون نحو تشكيل حكومة موسعة ولن تخضع للمحاصصة الحزبية. وفي كل الأحوال ستكون الحكومة الجديدة أمام تحديات هائلة، أبرزها الأمن والاقتصاد.

وينظر إلى الصيد، الذي تقلد عدة مناصب في نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي كشخصية مستقلة، لكنها ذات خبرات واسعة في المجال الأمني، إلى جانب طباع تغلب عليها الصرامة. ولأنه لا يمكن جلب الاستثمارات دون تحقيق استقرار أمني وفي ظل الجريمة والارهاب فقد رأى كثيرون أن الحبيب الصيد قد يكون رجل المرحلة.

في تعليقه على هذا التعيين قال ناجي جلول، القيادي في حزب نداء تونس، إن اختيار الحبيب الصيد رئيسا للحكومة قائم أساسا على قاعدة التناغم بين رئيس الحكومة ورئيس الدولة باعتبار أن الصيد محل ثقة من طرف السبسي الذي عمل معه في فترة الانتقال الديمقراطي سنة 2011، حيث شغل منصب وزير للداخلية ونجح في أداء مهمته رغم صعوبة الوضع في تلك المرحلة.

وكان حزب نداء تونس أكد على ضرورة أن يكون رئيس الحكومة المقبلة في انسجام تام مع رئيس الدولة لتفادي الصدام وعدم تعطيل مؤسسات الدولة.

قياديون في حزب نداء تونس أكدوا أن الاتجاه سيكون نحو تشكيل حكومة موسعة لن تخضع للمحاصصة الحزبية

ويرى جلول أن رئيس الحكومة، الذي تم اختياره، شخصية مناسبة نظرا إلى الملفات المطروحة في المرحلة الحالية، فزيادة على قدرة الوزير على إدارة الملف الأمني فإنه خبير في مجال الاقتصاد وعمل في مجال الفلاحة مدة طويلة تؤهله لحل مشاكل القطاع الاقتصادي التي تفاقمت في السنوات الأخيرة، على حد تعبيره.

الاختيار كان بين شخصيتين مستقلتين، هما الحبيب الصيد وعبدالكريم الزبيدي، الذي انسحب رافضا تحمل المسؤولية، وهو ما رجح كفة الصيد.

ونفى القيادي في نداء تونس ما أشيع حول ترشيح الأمين العام الطيب البكوش لرئاسة الحكومة، مشيرا إلى أنه لم يكن هناك طرح لموضوع تولي وجه حزبي لهذا المنصب لعدة اعتبارات، أهمها أن النداء لا يريد أن يمسك بالرئاسات الثلاث معا، بل خير الحزب تعيين شخصية مستقلة لهذا المنصب.

من جهته أكد ماهر بن ضياء، الأمين العام للاتحاد الوطني الحر، أن اختيار الحبيب الصيد رئيسا للحكومة تم بالتشاور مع حزبه باعتباره حليفا لنداء تونس، ولم يعارض الاتحاد الوطني الحرّ المقترح لاعتبارات عديدة أهمها خبرة الصيد.

وأكد بن ضياء على أن معايير الكفاءة والمقدرة متوفرة في الصيد الذي يمتلك شخصية قوية ومقدرة على إدارة شؤون البلاد في مرحلة صعبة أمنيا واقتصاديا.

ويضيف أن رئيس الحكومة التونسية الجديد بإمكانه تحقيق أهداف حكومة الوفاق الوطني التي قررت الأطراف السياسية في تونس تشكيلها بعد اجتماعات تواصلت لمدة أسبوعين تقريبا، حيث كان حزب الاتحاد الوطني الحر طرفا في هذه المشاورات التي ضمت عددا من الأحزاب التي دعمت قائد السبسي في الانتخابات الرئاسية.

ناجي جلول: الصيد شخصية مناسبة نظرا إلى الملفات المطروحة في المرحلة الحالية

كانت الأحزاب التي دعمت الباجي قائد السبسي خلال الانتخابات الرئاسية الماضية توصلت إلى جملة من التوافقات في اجتماعاتها حول شكل الحكومة القادمة وعدد وزرائها، التي تشير بعض التسريبات إلى أنها ستتألف من 25 حقيبة وزارية من بينها 3 وزراء معتمدين و9 كتاب دولة. كما تم الاتفاق على الخطوط العريضة للبرنامج الحكومي القادم.

من جهة أخرى اعتبر عبدالمؤمن بالعانس، النائب في مجلس الشعب عن الجبهة الشعبية، أنّ الجبهة كانت تنتظر هذا التعيين، الذي اعتبره متوقعا في ظل الظروف الأمنية التي تعيشها البلاد، خصوصا ما يتعلق بملف الإرهاب، وهو ما رفع من أسهم الحبيب الصيد.

القيادي في الجبهة الشعبية كشف أنهم لا يهتمون بالأشخاص بقدر ما تهمهم البرامج التي سيطرحها التشكيل الحكومي القادم على كافة المستويات، خاصة الاجتماعية والأمنية.

وبيّن أنه في صورة دعوة الجبهة الشعبية إلى الحوار حول البرامج المستقبلية للحكومة فإنها ستتفاعل مع كل المعطيات خصوصا بعد تبين طبيعة الحكومة، هل ستكون محاصصة حزبية أم لا؟ وما هي أيضا طبيعة رسائلها التي ستتوجه بها إلى الشعب التونسي؟ وذهب إلى أن الموقف الحقيقي للجبهة سيتبلور بعيد توضيح هذه النقاط من طرف الأطراف التي تملك الأغلبية النيابية.

في ذات السياق قال زهير المغزاوي، لقيادي في حركة الشعب، في تصريحات إذاعية، إن الحبيب الصيد هو أحد رموز نظام بن علي و لكن الحكم على الحكومة المقبلة سيكون انطلاقا من عملها.

يبدو اختيار الحبيب الصيد، حسب المتابعين للشأن التونسي، يأتي في إطار إيفاء حزب نداء تونس بوعوده السابقة القاضية بتعيين شخصية مستقلة قد يكون هناك إجماع حولها من قبل مختلف الأطراف السياسية، لكن ينتظر أيضا أن تحظى هذه الخطوة بموافقة حركة النهضة.

وفي هذا السياق تفيد مصادر مطلعة أن المكتب التنفيذي للنهضة سيعقد اجتماعا عاجلا، لبلورة موقفه من اختيار الحبيب الصيد كرئيس للحكومة، وكان القيادي في الحركة العجمي الوريمي، قد قال في تصريح سابق، إن النهضة لن تدعم أبدا شخصية تعاديها على رأس الحكومة.


ماذا بعد تعيين رئيس الحكومة؟

الصيد محل ثقة من طرف السبسي وقياديي النداء


مع الانتهاء من وضع الركيزة الثالثة للدولة التونسية تكون تونس قد تخطت مرحلة الانتقال السياسي، لكن لإنجاح كامل المسار الانتقالي يجب إتمام مرحلة الانتقال الاقتصادي. والتحديات الكبرى ستكون مرتبطة بالمضي قدما في الإصلاحات في القطاعين البنكي والجبائي والإصلاح المتعلق بمنظومة الدعم، إلى جانب إصلاح المؤسسات العمومية التي تشكو من صعوبات كبيرة.

وقال المتحدث الرسمي باسم الحكومة المؤقتة الحالية نضال الورفلي إن “الهدف الأول من الانتقال الاقتصادي هو تحسين القدرة الشرائية للمواطنين وهذا مرتبط أولا بتوفير فرص العمل ودفع التشغيل ولن يتحقق هذا إلا بزيادة الاستثمار العمومي والخاص”.

وحددت الحكومة المؤقتة الحالية نسبة عجز في الميزانية في حدود خمسة بالمئة بالنسبة إلى عام 2015، لكنها حذرت من ارتفاعها إلى تسعة بالمئة في حال لم تتخذ الإصلاحات اللازمة.

كما توقع صندوق النقد الدولي ارتفاعا لنسبة النمو في تونس عام 2015 إلى 7، 3 بالمئة مقارنة بـ 8، 2 بالمئة لسنة 2014.

وكان حزب نداء تونس تعهد في برنامجه الانتخابي بإنعاش الوضع الاقتصادي للبلاد تدريجيا والتقليص من حدة البطالة وبعث برامج عاجلة في المناطق الحدودية وفك العزلة عن الجهات الداخلية، لكنه شدد على ضرورة تعزيز الأمن في البلاد بما يساعد على جلب الاستثمارات الخارجية.

وما زالت تونس تعاني من مشاكل اقتصادية كانت سببا في اندلاع ثورتها قبل أربعة أعوام كما تواجه البلاد الواقعة في شمال أفريقيا هجمات مسلحين متشددين أدت لسقوط العشرات من رجال الأمن والجيش منذ الإطاحة بحكم زين العابدين بن علي في انتفاضة شعبية عام 2011.

وفي حوار مع قناة "فرانس 24" تمنى رئيس الحكومة التونسية المؤقت مهدي جمعة التوفيق لخلفه الحبيب الصيد، مبديا استعداده تقديم الدعم له لمواجهة التحديات الموجودة في بعض الملفات.

اقرأ أيضا

7