تكنولوجيا الاستشعار تصنع مستقبل الحروب في العالم

تخطيط عسكري عبر معلومات استخباراتية تجمعها الأقمار الصناعية.
الثلاثاء 2019/05/14
كلما زادت المعلومات.. كلما حسمت المعركة

تشهد الصناعات العسكرية تطورا غير مسبوق مع انتشار أجهزة الاستشعار، التي من المتوقع أن تصنع مستقبل الحروب في العالم، وهي تكنولوجيا تهدف إلى ملاحقة الخصوم عبر الأقمار الصناعية جوا لجمع المعلومات الاستخباراتية أو عبر أسطول من الأشباح الذي سيتكوّن من سفن تحمل أنواعا مختلفة من أجهزة الاستشعار عبر المحيطات أو عبر المركبات البرية العسكرية التي تنقل بيانات معينة مثل الصوت والموقع. غير أن هذا التطور في مجال التكنولوجيا العسكرية يضيف تحديات كبيرة على عاتق المجتمع الدولي ويفرض مخاوف من تعقد النزاعات عبر الهجمات الإلكترونية المتبادلة واختراق البيانات وتعميق الهوة بين الدول التي لا تمتلك هذه التكنولوجيا.

واشنطن - عند تخيل مستقبل الحروب غالبا ما نتصور أنظمة أسلحة مطورة نتوقع تأثيرها على السلوك الفعلي للحرب خاصة بعد ظهور أسلحة لا تعتمد على البشر كطائرات الدرون، التي يتم تشغيلها وتنفذ عملياتها عن بعد.

مما لا شك فيه أن الأسلحة الذكية هذه التي تعمل من دون بشر هي أسلحة الحروب المستقبلية، وهي اليوم محل تنافس شرس بين القوى العسكرية المؤثرة في العالم التي تتسابق على تطوير أسلحة الذكاء الاصطناعي بهدف تحقيق التفوق العسكري وبناء جيوش بجنود آلية وأسلحة التحكم الذاتي.

 المتتبع لنسق التكنولوجيا العسكرية يلاحظ تطورها الهائل مع انتقالها من الجو إلى الأرض، حيث الدبابات الدرون، كما هو الحال مع الدبابة الروسية “أوران 09″ التي يمكنها القيام بعمليات عسكرية مختلفة بواسطة التحكم عن بعد. وفي البحر أيضا، ثمة سفن وغواصات درون، يمكنها تنفيذ العمليات الحربية البحرية المختلفة عن طريق التحكم عن بعد.

ورغم هذا التطور التكنولوجي يشير خبراء إلى أن أكبر تحول عسكري يشهده العالم حاليا- وهو تحول لا في نشر القنابل والرصاص فحسب، ولكن في المعلومات، وكلما زادت المعلومات وأصبحت أكثر دقة، كلما حسمت المعركة بصورة أكبر وأسرع، ما يعني أن طبيعة القيود التي تشكّل عملية اتخاذ القرارات القتالية قد تغيرت.

وحسب تقرير للمحلل العسكري سيم تاك على موقع معهد ستراتفور الأميركي فإن تطوير أجهزة الاستشعار يضفي بعدا جديدا في الحرب مختلفا عن صورة الحروب التقليدية التي في أذهاننا.

وأجهزة الاستشعار يمكن زرعها خلف خطوط الأعداء، وتسمح للأسلحة بالتعرف على بيئات مختلفة وتستجيب وفقا لذلك. وهذه التكنولوجيا نتيجة طبيعية للثورة الصناعية الجديدة القائمة على الذكاء الصناعي بالإضافة إلى الإنترنت والأقمار الصناعية، التي أحدثت تغييرات جذرية في استراتيجيات الحروب، حيث لم تعد الثورات التكنولوجية مقيدة بأنظمة الأسلحة المتعددة، بل تستمر في رسم أفق جديدة للحرب.

وفي حين أن طبيعة الحرب ثابتة في عالم الجغرافيا السياسية، توسع هذه التطورات التكنولوجية الفجوة بين مختلف أطراف النزاع خاصة إذا لم تكن موزعة بشكل متوازن، كما باستطاعتها تغيير أساليب المواجهة في ساحة المعركة أمام سعي كل طرف للحفاظ على تفوقه العسكري.

الاستشعار في الحرب

Thumbnail

يمثل انتشار أجهزة الاستشعار أحدث التطورات التكنولوجية في مجال الحروب حيث يستخدم المقاتلون أجهزة الاستشعار بطرق لا تحصى ولا تعد، من المستشعرات الضوئية (الكاميرات) إلى مستشعرات الاستخبارات الإلكترونية وأنظمة الرادار الكاملة، إذ أدى التقدم التكنولوجي السريع في مجالات متعددة إلى توسيع قدرة أجهزة الاستشعار العسكرية لتصبح أقوى من أي وقت مضى.

وتتسابق صناعات الدفاع العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة على تطوير أنواع جديدة من أجهزة الاستشعار، ذات نماذج أصغر وأقوى وأكثر دقة من الأجيال السابقة. وتدعم الأنظمة الحديثة، التي تعتمد على أجهزة الاستشعار أكثر من الأنظمة التي سبقتها، هذه الجهود.

 يكشف هذا السباق المحموم نحو هذه التكنولوجيا أن عالم الحرب في طريقه إلى القتال عبر الاستشعار، ويقدم مجال مراقبة الأرض مثالا جيدا على هذا النوع من التكنولوجيا حيث تدعم الأقمار الصناعية التخطيط العسكري عبر جمع المعلومات الاستخباراتية، منذ سنة 1959.

في البداية، كان إطلاق الأقمار الصناعية يتم بشكل فردي، وعند انتهاء القمر من الاستطلاع، يدمر ثم ترسل طائرات لجمع بقاياه عندما تسقط على الأرض.

منذ ذلك الحين، تطورت التكنولوجيا بطرق مختلفة. أصبحت الأقمار الصناعية تنشط لفترة أطول، حيث يمكنها نقل الصور الرقمية إلى الأرض بدلا من استخدام فيلم محدود. كما تحسنت دقة تصوير الأقمار الصناعية، مما يوفر للمتحكمين فيها تفاصيل مرئية لأهدافهم. ويسمح عدد أكبر من الأقمار التجارية والمملوكة للدولة بتغطية أكثر اتساقا وقابلية للتكيف مع الأرض.

عالم الحرب في طريقه إلى القتال عبر الاستشعار، ويقدم مجال مراقبة الأرض مثالا جيدا على هذا النوع من التكنولوجيا حيث تدعم الأقمار الصناعية التخطيط العسكري عبر جمع المعلومات الاستخباراتية منذ سنة 1959

 ثم تطورت قدرة الأقمار الصناعية وأصبحت على وشك تحقيق قفزة أخرى، إذ مكّنت التطورات التكنولوجية من تصغير وزيادة فعالية مكونات الأقمار الصناعية، مما يسمح بتطوير نماذج أصغر وأقل تكلفة.

وتبشر القدرة على تحمل تكلفة الأقمار الصناعية الصغيرة مستقبل جمع المعلومات الاستخباراتية، إذ يمكن إطلاق مجموعات كبيرة من

الأقمار الصغيرة، بدلا من أربعة أو خمسة نماذج كبيرة تمر عبر موقع معين على مدار اليوم، لتصور هذا الموقع نفسه كل 10 أو 20 دقيقة.

وعلى سبيل المثال تدعو الاستراتيجية الأميركية للدفاع الصاروخي لضخ استثمارات من أجل نشر أجهزة استشعار في الفضاء يمكنها رصد وتعقب الصواريخ القادمة بشكل أفضل وربما تكنولوجيا السرعات التي تفوق سرعة الصوت وهو مجال حققت فيه الصين تقدما كبيرا. وسبق أن صرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة لن تضع أي قيود على تطوير دفاعاتها الصاروخية ضد “أي هدف لأميركا… سواء قبل الإطلاق أو بعده”.

وبعيدا عن الفضاء، تستخدم المركبات الجوية غير المأهولة (الطائرات بدون طيار) أجهزة الاستشعار البصرية، وتحمل أنواعا من أجهزة اعتراض الإشارات الأخرى والرادارات. كما أعربت البحرية الأميركية عن طموحاتها لبناء ما أسمته بـ”أسطول الأشباح” الذي سيتكوّن من سفن غير مأهولة تحمل أنواعا مختلفة من أجهزة الاستشعار عبر المحيطات.

ويحقق هذا التطور القدرة على المراقبة شبه الدائمة على نطاق عالمي مع العديد من الاحتمالات الجديدة لجمع المعلومات الاستخباراتية، مثل التتبع المباشر لسفن الخصم البحرية. أما المركبات البرية العسكرية وحتى المعدات الشخصية للجنود الأفراد فهي تتضمن أجهزة استشعار مختلفة، وتنقل بيانات مثل الموقع والصوت (للكشف عن إطلاق النار وتحديد مصدره على سبيل المثال) القياسات الحيوية والبصمات الحرارية.

التفوق على الطائرات بدون طيار

Thumbnail

كانت الطائرات بدون طيار المعيار الذهبي في قدرات المراقبة، ووصفت بأنها أعين لا تومض في السماء. ومع ذلك أصبحت أجهزة الاستشعار المتطورة متفوقة على جودة الطائرات بدون طيار في مجال تجميع البيانات وجودتها.

والطائرات "أف-35" طائرات الجيل الخامس التي تتمتع بقدرة على التخفي عن رصد الرادارات، وزيادة القدرة على اختراق المجالات الجوية غير المسموح بدخولها والاتصال متعدد المجالات.

ويركز مصنعو هذه الطائرات على تعزيز قدرتها على التخفي عن الرادار، وتزويدها بأجهزة استشعار حديثة، وتعزيز الخصائص الداخلية والخارجية، وتزويد الطائرات بقدرات غير مسبوقة لقراءة الواقع الذي يحيط بها.

والأهم من ذلك، أن القوات الجوية من الجيل الخامس ستسيطر على الحرب التي تتمحور حول الشبكات العملياتية وعمليات التحالفات المشتركة، ولا يزال التفوق المعلوماتي في بؤرة فهم الجيل الخامس.

سيم تاك: يعتبر رصد كل ما يحدث لحظة بلحظة طموحا عسكريا كبيرا، وتقرب تكنولوجيا الاستشعار صناع القرار من هذه النقطة
سيم تاك: يعتبر رصد كل ما يحدث لحظة بلحظة طموحا عسكريا كبيرا، وتقرب تكنولوجيا الاستشعار صناع القرار من هذه النقطة

هنا نستنتج حسب تقرير معهد ستراتفورالأميركي أن مشاهدة ورصد كل ما يحدث لحظة بلحظة يعد طموحا عسكريا كبيرا، وتقرّب تكنولوجيا الاستشعار مختلف القادة وصناع القرار من هذه النقطة مع كل تطور في مجال الاستشعار. وسيسمح انتشار أجهزة الاستشعار بمراقبة شبه دائمة لجميع تحركات الخصوم في المعركة، سواء عبر نقل الحركة أو الصوت أو الإشعاعات والانبعاثات الإلكترونية.

وتقدم الطائرة المقاتلة "أف-35" مثالا على كيفية استخدام أنظمة الأسلحة الحديثة لهذه القدرة، إذ تجهز بالعديد من المستشعرات لالتقاط أنواع مختلفة من المعلومات، وتجمع البيانات لتمنح الطيارين وعيا ظرفيا شاملا بمسار ومستجدات النزاع. وعلى نطاق أوسع، تجمع مراكز القيادة الحديثة أنواعا مختلفة من بيانات أجهزة الاستشعار لتوجيه قراراتها، وتستمر

الجهود المبذولة لربط أجهزة الاستشعار في شبكة واحدة لجمع بياناتها في دفع الحدود العسكرية.

 ورغم ما تقدمه أجهزة الاستشعار من معلومات تفيد أطراف الصراع إلا أنها تعاني بعض المشكلات في طرق توزيعها مثل الكم الهائل من البيانات الرقمية التي يجب معالجتها، كما أن النقل المستمر للبيانات عالية الجودة يتطلب بدوره شبكة قوية ومترابطة. وسيجهد هذا البنية التحتية للشبكة العسكرية وسيزيد من تكاليف
توظيف قوة الاستشعار في العمليات الحربية.

وبمجرد ضمان نقل البيانات، يصبح تفسيرها وتحليلها العقبة التالية التي يجب التغلب عليها. وبما أنه لا توجد طريقة تمكن البشر من معالجة وتفسير كميات هائلة من البيانات في الوقت الذي ترد فيه. هنا، يصبح الذكاء الاصطناعي هو الحل الوحيد.

ويمثل الذكاء الاصطناعي محور العديد من مبادرات أبحاث الأمن العسكري والوطني، نظرا لإمكانياته الهائلة في مجال ترجمة كميات
كبيرة من البيانات إلى معلومات يفهمها الإنسان.

وتعمل الحلول التي تشمل الذكاء الاصطناعي على تقليل الضغط على البنية التحتية للشبكات، نظرا لأن أدواته قادرة على استيعاب المعلومات فور تلقيها من أجهزة الاستشعار، كما يمكن أن تحدد وتتجاهل المعلومات غير المرتبطة بالهدف من موجز البيانات الخام قبل إرسالها عبر الشبكة.

عواقب انتشار أجهزة الاستشعار

Thumbnail

كما هو الحال مع جميع التطورات في الحرب، لن يقف العالم مكتوف الأيدي أمام الاستخدام المتزايد لأجهزة الاستشعار إذا استعملت بشكل سلبي.

ومع انتشار هذه التكنولوجيا، تعمل صناعة الدفاع على تطوير الأسلحة والتقنيات والتكتيكات أمام مخاوف من اختراق الأعداء للمعلومات أو من هجمات إلكترونية محتملة.

وتركز القوى العسكرية القادرة بالفعل على الحرب الإلكترونية على هذا الهدف. وتطور الولايات المتحدة، على سبيل المثال، بواعث صغيرة محمولة مصممة لخداع أجهزة الاستشعار الإلكترونية عبر تقليد مختلف أجهزة الرادار والاتصالات وغيرها من المعدات.

وأعلن باتريك شانهان، القائم بمهام وزير الدفاع الأميركي أن الولايات المتحدة “ستحمي وتدافع” عن الفضاء من السلاح الروسي والصيني.

وقال شانهان في منتدى الفضاء الذي انعقد بمدينة كولورادو سبرينغس في بداية أبريل الماضي“علينا أن نواجه الواقع. أعداؤنا ينشرون الأسلحة في الفضاء ليهاجموا مواقعنا هناك. الصين وروسيا تعسكران الفضاء بهدف تهديد الإمكانيات الفضائية للولايات المتحدة”.

ووفقا له، فإن “الحكومة الشيوعية في الصين، سبق لها أن استخدمت الأمر سابقا ولا تزال تعزز إمكانياتها في التشويش” على قدرات الاتصالات الأميركية وتمتلك سلاح ليزر. وأضاف قائلا: “نتوقع أن تنشر في السنة المقبلة منظومة سلاح ليزر أرضية موجهة نحو أجهزة الاستشعار التي تدور في مدار قريب من الأرض”.

وحسب الخبراء من المرجح أن تكون القوى العسكرية الأكثر تقدما في المجال التقني الوحيدة القادرة على تعطيل شبكات واسعة من أجهزة الاستشعار، ويعني هذا أن فعالية أجهزة الاستشعار لن تضمن النصر في نزاع مع أطراف تمتلك هذه التكنولوجيا.

 وتعي القوى الإقليمية المتنافسة أهمية ما يوفره انتشار أجهزة الاستشعار الأمر الذي يقلل من آثار عناصر المفاجئة على ساحة المعركة بالنسبة إلى القادة العسكريين والسياسيين، مما يسمح باتخاذ قرارات عسكرية أكثر ذكاء ومراوغة الأعداء.

وفي النزاعات بين الدول المتكافئة تكنولوجيا، يمكن أيضا أن يمنع توفر المعلومات الاستباقية بعض الجهات الفاعلة من الانخراط في عمليات عالية الخطورة.

ورغم هذه الثورة التكنولوجية يستنتج المحلل العسكري تيم ساك في خلاصة تقريره أنه على الرغم من أن أجهزة الاستشعار ستسمح لأولئك المشاركين في الحرب بالعمل على نطاق وسرعة محسّنين لكن تحافظ تكتيكات الحرب وهامش المناورة بين الخصوم على أسلوبها التقليدي المعتاد.

12