تكنولوجيا التحرير في الانتفاضات الشعبية.. كذبة

نشر الباحثان المهتمان بشؤون الشرق الأوسط والعالم الإسلامي ماريكي ترانسفيلد وإيزابيل ويرينزفيل في صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية، نتائج دراستهما الأخيرة عن وسائل التواصل الاجتماعي في العالم العربي، التي كشفت أن وصف الشبكات الاجتماعية بـ"تكنولوجيا التحرير" ضجيج ثبت عدم صحته.
الخميس 2016/12/22
تويتر يردد صدى صوته

واشنطن - صدمة كبيرة عاشتها الولايات المتحدة الأميركية بعد ما أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي من أثر ضخم على الانتخابات الرئاسية لهذا العام، وهو أثر اعتادت عليه بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا طيلة سنوات.

فبعد الانتفاضات الشعبية التي هبت في العديد من الأقطار العربية أو ما يعرف بثورات “الربيع العربي”، انتشر ضجيج أولي يصف وسائل التواصل الاجتماعي على أنها “تكنولوجيا تحرير” حتى أتت دراسات أخرى حديثة، تؤكد الأثر المدمر لنفس هذه الوسائل على السياسة والمجتمع في المنطقة.

وقام الباحثان المهتمان بشؤون الشرق الأوسط والعالم الإسلامي ماريكي ترانسفيلد وإيزابيل ويرينزفيل بدراسة لإثبات صحة هذه النظرية، وقد اعتمدا في ذلك على ثلاث حالات لنقاشات دارت على تويتر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي “التحرش الجنسي في ميدان التحرير بالقاهرة (2014)، المظاهرات المضادة لاستغلال الغاز الصخري في جنوب الجزائر (2015)، والتدخل العسكري السعودي في اليمن (2015)”.

وأكدت الحالات الثلاث التباين الشديد لأثر وسائل التواصل الاجتماعي بحسب السياق المحلي وطبيعة المشاركين في النقاش.

وتختلف الآثار المترتبة عن النقاشات العامة على تويتر، فقد تؤدي أحيانا إلى انتشار دعوات تدعو إلى التظاهر والتنديد بأحداث محلية دارت في نطاق جغرافي بعينه وقد تلفت انتباه العالم. وقد عمقت في أحيان أخرى الانقسامات داخل المجتمع.

وكان الاكتشاف الأكثر مفاجأة في الدراسة، ذلك المتناسب بشدة مع الميول القومية الجديدة في أوروبا والولايات المتحدة، حيث يؤكد أن تويتر الذي يصنف على أنه منصة للتواصل العابر للدول، أصبح فضاء مقسما بشكل واضح بحسب حواجز اللغة والتأطيرات القومية. وقد لاحظ الباحثان الارتباط الدائم بين النقاشات المثارة على مواقع التواصل الاجتماعي وبين السياق المحلي الضيق، فحتى في الأحوال التي تتكرر فيها حادثة ما في أكثر من مجتمع على مستوى العالم، يستأثر بها كل مجتمع على حدة ويعيدها إلى سياقه الخاص.

كلما تقلص عدد مستخدمي تويتر في مجتمع ما، كلما سيطرت الأصوات الناقدة

ومثلا، فقد استغل مستخدمو تويتر في لبنان قضية التدخل السعودي في اليمن لإثبات انتماءاتهم الطائفية، واستخدم ناشطون بيئيون من مختلف أنحاء العالم قضية الغاز الصخري في الجزائر للفت الانتباه إلى صراعاتهم المحلية ضد عمليات استخراج الغاز الصخري. لكن عندما حاول ناشطون في مصر وتونس نقل الحراك ضد استخراج الغاز الصخري إلى بلادهم على غرار الحالة الجزائرية، فشلوا.

ويقول الباحثان إنه حتى في الأوقات القليلة التي نجح فيها تويتر في خلق نقاش عابر للدول والقوميات، فإن ذلك تم فقط بين أشخاص متشابهي الأفكار، فكان كالذي يردد صدى صوته.

وعلى سبيل المثال، في حالة مصر، مثّل تويتر منصة هامة للتفاعل وتبادل الخبرات بين نشطاء حقوق الإنسان والعاملين ضد التحرش الجنسي في الشرق الأوسط والعالم.

لكن لاحظ الباحثان ظاهرة متكررة، وهي أن النقاشات والحوارات بين مختلف المجموعات على تويتر تكون على أساس أيديولوجي أو قيمي (طائفي/عرقي) في الشرق الأوسط وخارجه لتقف هذه المجموعات في مواجهات مع بعضها البعض. ولم يكتف تويتر بعكس هذه الصراعات والانقسامات بين المجموعات المختلفة بل أعاد إنتاجها مرة تلو الأخرى.

ولضرورة الاختصار في الجمل المكتوبة على الموقع الاجتماعي، كانت التصريحات أكثر حدة وأقل تقيّدا بالقواعد الأخلاقية كما في وسائل الإعلام الرسمي.

ويمكن بسهولة لنقاشات حول قضية واحدة على تويتر أن يتم تسييسها فورا وتصبح محملة أيدلوجيا، كاشفة عن انقسامات وصراعات عميقة.

وأكد الباحثان كذلك على ميل تويتر إلى إبراز الفرق في الهوية بين “النحن” و”الآخر”/”العدو”. وقد وجد الباحثان أنه كلما تقلص عدد مستخدمي تويتر في مجتمع ما، كلما سيطر على هذا التجمع الصغير النشطاء وأفراد المجتمع المدني والأصوات الناقدة للأوضاع العامة.

وتؤكد الدراسة أن التجمعات على تويتر يمكن التلاعب بها، ورغم ذلك مازال تويتر يوفر مساحة جيدة للأصوات المعارضة في ظل وجود رقابة على الإعلام التقليدي.

19