تكنولوجيا التحميل تقطع مع مهنة استئجار الأفلام

محلات بيع وتأجير أفلام الفيديو في تقلص مستمر بسبب التطورات التكنولوجية الكبيرة والسريعة، التي ساهمت في عزوف الكثير من محبي الأفلام السينمائية عن ارتياد تلك المحلات.
الاثنين 2018/06/11
التكنولوجيا تقضي على التجمع العائلي لمشاهدة القرص المضغوط
 

يحاول عدد قليل من مالكي محلات كراء وبيع أقراص الأفلام بالمغرب معاندة الزمن والاستمرار في مهنة كسدت في ظل الانتشار السريع والمتواصل للشبكة العنكبوتية، وتوفر مواقع إلكترونية تعرض بشكل مجاني وسريع أحدث الأفلام والعروض السينمائية على مستوى عالمي، بالإضافة إلى تنوع آليات التحميل والمتابعة.

بعد الثورة التكنولوجية الهائلة التي عرفها العالم في عدة مجالات أصبح الإنسان يكيف احتياجاته مع هذه التحولات المتوالية يوما بعد يوم، ومنها وسائل الترفيه كصناعة وتوزيع الأفلام والمسلسلات بعدما تم الاستغناء عن أشرطة الفيديو.

وبعد سنوات طويلة من الريادة فسح الفيديو المجال لمشغّل “السي.دي” أو القرص الليزري وبعده الدي.في.دي لتكون بداية العد العكسي لنهاية التقنية الكلاسيكية لصالح ما كشفت عنه الثورة التقنية على مستوى الصوت والصورة والسرعة وكذلك على مستوى ترويج عدد من المنتجات من أفلام وغيرها، هذا التحول الذي فرضه التطور السريع لتقنيات النسخ الرقمية وتنزيل الأفلام من وعلى الإنترنت خلق عزوف الناس في السنوات الأخيرة عن اقتناء الأفلام من المحلات المخصصة لذلك.

وقال أحمد الهيبة، تقني في مجال الإعلاميات، إن انخراط المغاربة في استهلاك التطور التكنولوجي وتكامل الشبكات الإلكترونية جعلهم في ظرف خمس سنوات تقريبا يتجاوزون التقنية الكلاسيكية المتمثلة في الأقراص المضغوطة التي تحتوي على الأفلام والمسرحيات، إلى متابعتها من خلال الهواتف المحمولة والألواح الإلكترونية.

وأصبحت محلات بيع وتأجير أفلام الفيديو في تقلص مستمر بسبب التطورات التكنولوجية الكبيرة والسريعة، التي ساهمت في عزوف الكثير من محبي الأفلام السينمائية عن ارتياد تلك المحلات وجعلت هذه التجارة في تدهور متواصل ما انعكس على أصحابها ماديا ومعنويا.

ويتساءل أحد محبي الأفلام قائلا: مع الهواتف الذكية تستطيع متابعة فيلمك المفضل أو لقطات من سلسلة وثائقية بكل كفاءة وسرعة وجودة عالية، إذن لماذا أتوجه أو أبحث عن محل لبيع أشرطة فيديو؟

وقال عبدالله الغريبي، من الرواد السابقين لمحلات اقتناء أقراص الأفلام لـ”العرب”، لم أعد أرى تلك المحلات مفتوحة فتراجع مبيعاتهم وعدم تطوير أدوات اشتغالهم جعل جلهم يغيرون نشاطهم التجاري.

وبالرغم من انعدم تواجد المحلات التجارية لبيع أشرطة الفيديو بالمغرب في السنوات الأربع الأخيرة إلا أن هناك عدة نماذج محدودة للغاية منها محل بمدينة صفرو البعيدة عن فاس بـ30 كيلومترا، لا زال مصرا على نشاطه اليومي في نسخ وبيع وكراء أشرطة الفيديو ولم يغير مهنته.

تدهور مستمر

بداية العد العكسي لنهاية التقنية الكلاسيكية
بداية العد العكسي لنهاية التقنية الكلاسيكية

صرح محمد السونني، صاحب المحل التجاري، الذي لا زال يزاول مهنة بيع وكراء أشرطة الفيديو إلى حد الآن، في حديثه لـ”العرب” “كنت مداوما على مشاهدة الأفلام عبر السينما والتلفزيون وأحيانا أقتنيها من المحلات المخصصة لذلك وكان عددها يفوق العشرة لكن أصحاب هذه المحلات ليست لهم دراية بالسينما التجارية إلا بعض أسماء نجوم الحركة والكوميديا فما بالك بالسينما الجادة والهادفة”.

وأضاف السونني رغم أن الأذواق تختلف إلا أن ما كان يزعجني هو غياب النوع الجاد من الأفلام كالتي شاهدتها عند انخراطي في النادي السينمائي لمدينة صفرو أوائل الثمانينات أو تلك التي كنت أقرأ عنها في مجلات “دفاتر السينما” أو في كتب متخصصة في هذا المجال كأفلام (رينوار/ كوروساوا/..) الشيء الذي دفعني إلى فتح محل حتى أتيح للزبائن فرصة اكتشاف هذا النوع الراقي من الفن السابع.

وتابع أنه يزاول “منذ ما يزيد على 24 سنة هذه المهنة بكل متعة وشغف رغم الظروف المادية المزرية التي أصبحت أواجهها في السنوات الأخيرة والتي تحاول إحباطي وثني عزيمتي عن الاستمرار”.

وأكد عارضا تجربته “لقد كنت أدرك جيدا أن اختياري ذاك لن أجني منه أرباحا لكن عشقي لهذا الفن ورغبتي في إيصاله للزبائن كان أقوى من اهتمامي بالجانب المادي، وهذا على ما أعتقد هو السبب الرئيسي في استمراري في هذا الميدان إلى حد الآن ما دمت عاشقا له وهو الذي يمنحني متعة مشاهدة الأفلام وتقاسمها مع الزبائن”.

وأشار هذا المناضل من أجل حبه للأفلام والسينما، إلى أنه “وإن نقص عدد الزبائن في السنوات الأخيرة يكفيني فخرا أني أثرت في شباب أصبحوا يميزون بين التافه والجيد من الأفلام في مدينة تغيب فيها غيابا تاما وسائل تمكنهم من المشاهدة والفرجة السينمائية”.

ثورة تكنولوجية

الأجهزة الذكية تمنح المستخدم إمكانيات أكبر لمشاهدة ما يرغب
الأجهزة الذكية تمنح المستخدم إمكانيات أكبر لمشاهدة ما يرغب

يحمل جل الشباب المغربي حال نظرائه في كامل أنحاء العالم هواتف ذكية أو لوحات، في ظل تكنولوجيا متقدمة استطاعت أن تقلب الموازين، فهؤلاء الذين كانوا قبل سنوات قليلة يقتنون قرصا مدمجا ليتابعوا أفلامهم المفضلة لم تعد الفكرة مغرية بالنسبة إليهم مع الثورة في تقنيات التحميل أو المتابعة على مواقع أفلام متخصصة.

وقال الناقد الفني عمر بلخمار “الإنترنت والفورة الرقمية والتقنية أثرت سلبا على الذهاب للسينما واقتناء الأفلام وذلك من خلال توفير إمكانية تحميل الأفلام وقرصنتها، كما أصبح من غير المشجع الذهاب للسينما في عصرنا الحالي مع تواجد حلول أسهل وأقل تكلفة (أقراص لأفلام قديمة وحديثة مقرصنة بأبخس الأثمان)، وبالتالي أصبح المواطن المغربي يفضل اقتناء مثل هذه الأفلام”.

وبحسب موقع cable البريطاني، فإن المغرب احتل المرتبة الـ79 عالميا والثالثة أفريقيا من حيث سرعة الإنترنت، ضمن 189 بلدا، وأوضح ذات التقرير أن السرعة المتوسطة للتحميل من الإنترنت بالمغرب هي 4.38 ميغا بايت في الثانية، مشيرا إلى أنه إذا ما أراد مستخدم تحميل فيلم من حجم 7.5 جيغا أوكتي، فإن ذلك يتطلب 3 ساعات و53 دقيقة من الانتظار.

ويقول خبراء في الاتصالات إن هذه المعطيات سهلت عملية توجه شريحة كبيرة من محبي الأفلام والترفيه المغاربة إلى تحميل ما يرغبون به بدل اقتناء أو تأجير أقراص مدمجة أو الاشتراك مع منصات عالمية تقدم خدمات جيدة في هذا المجال.

واعتبرت الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات أن عدد مستخدمي الإنترنت بالمغرب في تطور مستمر سنة بعد أخرى، وبالرغم من أهميته، يظهر وجود إمكانيات نمو كبيرة يمكن أن تؤثر بشكل إيجابي على النفاذ إلى الإنترنت، والولوج ونسب الاستعمال، بالإضافة إلى أنواع الاستعمالات على الإنترنت، موضحة أن 63.1 بالمئة من مستعملي الإنترنت من الرجال، مقابل 53.5 بالمئة من النساء.

وأكدت منصة “هوت سويت” لإدارة وسائل الإعلام الاجتماعية، أن مستخدمي الإنترنت في المغرب الذين تجاوز عددهم 20 مليونا في العام 2017، وضع المغرب في المرتبة الثانية أفريقيا، خلف جزر السيشيل فقط بتغطية قدرت بنحو 57.6 بالمئة.

وتشكل نسبة 40 بالمئة من الفئة العمرية (20-30 سنة) الأكثر استخداما للإنترنت ثم 26 بالمئة بالنسبة للفئة العمرية (15-19 سنة) فيما تسيطر الفئة العمرية من 31 فما فوق على بقية العدد الإجمالي للمستخدمين، ما يعني أن الشباب هم الأكثر ولوجا إلى الإنترنت في المغرب.

وأفادت الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات أن 71 بالمئة من مستعملي الشبكة العنكبوتية في المغرب يستخدمون الإنترنت لتحميل الأفلام والصور والموسيقى، ومشاهدة التلفزة وشرائط الفيديو، والاستماع للإذاعة، ويقول متخصصون في عالم الاتصالات والتكنولوجيا إن هذا النوع من الاستعمالات تفرضه جودة الولوج التي يوفرها الصبيب، خصوصا أن الاستعمال أصبح يتزايد عبر تكنولوجيا الجيل الرابع.

وفي هذا الصدد أكد السونني لـ”العرب”، أن تطور التكنولوجيا في هذا الميدان أتاح للجميع فرصة مشاهدة الأفلام وأفرز جيلا آخر من المشاهدين جيل “كل ما جد وجد في السينما”، غير آبه لجودة المنتوج ولا يهتم إلا بما يعرض عليه كيفما كانت نوعيته زد على ذلك غياب التربية الفنية للتوجيه وصقل الأذواق في معظم وسائل الإعلام والتواصل المتاحة.

بدائل وحقوق

الإنترنت والفورة الرقمية والتقنية أثرت سلبا على الذهاب للسينما
الإنترنت والفورة الرقمية والتقنية أثرت سلبا على الذهاب للسينما

فتحت الهواتف الذكية والألواح الإلكترونية إمكانيات واسعة لمشاهدة ما يرغب المواطن من مقاطع فيديو تتضمن أفلام من جميع الأجناس الوثائقية والتخيلية وغيرها، وتعد نتفليكس، مثالا على المنصات التي وظفت التطور التكنولوجي لتأجير الأفلام والمسلسلات التلفزيونية لصالح بقائها واستمرارها وتوزيعها حسب الطلب لتصل قيمتها في السوق إلى 78 مليار دولار بعد ارتفاع عدد المشتركين إلى 117 مليون مشترك في العام 2017، وهو ما يثير الاهتمام بمحتواها الأصلي.

 وقد قطعت الشركة شوطا طويلا منذ بدايتها كشركة لتأجير دي.في.دي عبر الإنترنت في العام 1998. في ذلك الوقت كان يمكن الاشتراك والحصول على أقراص فيديو رقمية غير محدودة والتي سيتم إرسالها إلى منزل طالبها. وكانت منافسا رئيسيا لـ”بلوك باستر”- سلسلة رئيسية لتأجير الأفلام والألعاب وأجهزة التلفزيون.

وكان اختفاء أشرطة الفيديو واستبدالها بظاهرة نسخ الأقراص الليزرية على اختلاف أنواعها (أم.بي 3/ دي.في.اكس/ دي.سي.في/ دي.في.دي) وتقنيات العرض المدمجة والمحمولة، جعل الكثير من ممتهني استئجار وبيع تلك الأقراص يستعيضون عنها ببيع أجهزة اتصالات حديثة وكمبيوترات آلية.

ورغم تجربة نتفليكس الرائدة في تطوير المحتوى والفكرة فقد أكد عدد من أصحاب المحلات الذين كانوا يستأجرون ويعملون على تغيير نشاطهم بشكل كلي، أن التقنية ساهمت في تخفيض نسبة المبيعات رغم العروض المقدمة للزبائن، وأضاف هؤلاء في تصريحات لـ”العرب”، أن ذلك الاختيار كان بسبب ما تقدمه الإنترنت مجانا.

والتقت “العرب” بالشاب سمير (18 سنة)، أمام محل السونني، فصرح قائلا “رغم مروري اليومي بجوار المحل إلا أنني لم أتعامل أبدا معه أو مع أي محل لبيع وكراء أشرطة الفيديو، والآن مع الإمكانيات التي توفرها الإنترنت منها الترجمة لجميع اللغات، فقد خلقت بديلا فعالا لمشاهدة الأفلام مع قليل من الجهد والمال”.

وفي ظل هيمنة النت على سوق كراء الأقراص يقول السونني “لقد راودتني فكرة إنشاء موقع خاص لعرض الأفلام المتميزة لكني تراجعت عنها لأسباب قاهرة ولأني أحبذ التواصل المباشر والحي مع من أعتبرهم أصدقاء لا زبائن يجمعنا حب واحد هو حب السينما، كما أن اهتمامي من البدء وحتى الآن هو نشر الثقافة السينمائية بطريقتي الخاصة عبر محلي هذا في مدينتي التي تفتقد لفضاءات عرض الأفلام”.

ولفت إلى أنه “كانت هناك بعض الإغراءات لم أهتم بها كبيع المحل أو بيع مفتاحه بأثمنة جد محفزة ما كان يثير ضحكي وحزني هي تلك النصائح بتغيير المهنة من مهنة بيع الأفلام إلى بيع المأكولات (الناس تحبذ الأكل ليس لديها ما تصنعه بمشاهدة الأفلام)”، موضحا “العيب ليس في مزاولة أي مهنة كيفما كانت، العيب هو أن لا تكون الشخص المناسب في المكان المناسب والمهن التي أعتقد أني أهل لها هي الأفلام أو الكتب لولعي بهما”.

وأضحت شبكة الإنترنت أداة الاتصال المركزية في العالم فما يقدمه برنامج iTunes، التابع لشركة أبل الأميركية، يعد تطورا في طريقة بيع المنتج عن طريق الإنترنت سواء موسيقى أو أفلام، هذا في ما يخص الشكل القانوني لمن قرر الابتعاد عن التفكير بالملاحقات القانونية.

وصرح عدد من المهتمين بالسينما لـ”العرب”، أن البعض يفضل مشاهدة الأفلام المقرصنة على الإنترنت نظرا لعرضها بجودة عالية، وهناك من يلجأ لمتابعة الأعمال السينمائية الجديدة على النت لعدم قدرته على أسعار تذاكر السينما.

ورافق انتشار الإنترنت على نطاق واسع سواء بالمغرب أو غيره من البلدان، زيادة مستخدمي المحتوى المجاني للأفلام سواء بالقرصنة أو التحميل المباشر، مما ساهم في هضم بعض حقوق الملكية، ومع خصائص تكنولوجيا البلوك شين الآمنة إلى حد ما يمكن استخدام العقود الذكية لحماية الحقوق على الإنترنت، مما يلغي خطر نسخ الملفات والأفلام وإعادة توزيعها.

وتعد قرصنة الأفلام ظاهرة غير شرعية وذلك لانتهاك بعض منصات التحميل قوانين حقوق التأليف والنشر، وقد طالب قراصنة في أغسطس 2017 سرقوا مسلسل “صراع العروش”، الشركة المنتجة (إتش.بي.أو) بدفع فدية نقدية مقابل وقف عملية التسريب.

ووفقا لخبراء في الأمن المعلوماتي، فإن ظاهرة القرصنة أصبحت مرعبة في مجال الملكية الفكرية وفي مجال الطبع والنشر والتسجيلات السمعية والسمعية البصرية نظرا لانتشارها بشكل كبير، سواء بالمغرب أو غيره من البلدان، وكان تقرير صادر في العام 2011 عن المكتب الدولي لحقوق المؤلفين، أكد أن المغرب يأتي على رأس الدول التي تستفحل فيها ظاهرة القرصنة.

ولهذا فأغلب الدول لديها قوانين لحماية الملكية الفكرية من السرقة، كالمغرب الذي صادق على عدد من الاتفاقيات في مجال الملكية الفكرية كاتفاقية “برن” لحماية المصنفات الأدبية والفنية في 1886 والاتفاقية العالمية لحق المؤلف سنة 1952 ومعاهدة “الويبو” بشأن حقوق المؤلف سنة 1996.

وهو ما يعني أنه في حال كانت هنالك قطعة موسيقية مثلا عليها حقوق فالمستخدم لا يملك الحق في تحميلها وبالتالي فعملية التحميل تكون غير قانونية، الأمر نفسه ينطبق على الأفلام، الألعاب وأي شيء آخر يرغب بتحميله إلا إذا سمح المالك الأصلي بتحميل الملف مجانا بشكل مؤقت أو دائم.

12