تكنولوجيا الجيل الخامس سباق لا بديل لواشنطن عن الفوز به

تكبيل هواوي حتى لا تقود الصين ثورة الذكاء الاصطناعي
الخميس 2019/05/23
5ج.. الخطر الصيني الذي يهدد الريادة الأميركية في الصناعات التكنولوجية المتطورة

في الأول من ديسمبر العام الماضي، اعتقلت السلطات الكندية الصينية مينغ وانتشو، المديرة المالية لشركة هواوي، وابنة مؤسسها رين زينغفوي، بناء على طلب أميركي، في خطوة نقلت الحرب حول تكنولوجيا الجيل الخامس بين الصين والولايات المتحدة إلى مراحل متقدمة سجلت ذروتها مؤخرا مع قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب منع شركات الاتصالات الأميركية من التزوّد بمعدات تصنّعها شركات أجنبية بحجة تبدو في ظاهرها أمنية من خلال الحديث عن مخاوف تجسس، في حين أنها تبطن أكثر من ذلك حيث يشن الأميركيون حملة مكثفة لاحتواء هواوي في إطار مسعى أشمل للحد من قوة بكين العسكرية والتكنولوجية المتنامية في عهد الرئيس شي جين بينغ الذي يتبنى خطة تطوير الذكاء الاصطناعي للجيل القادم، والتي تجمع بين تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الدول مع تكنولوجيا الجيل الخامس الخاص، وتطبيقات إنترنت الأشياء القائمة والبنية التحتية للبيانات ضمن ما يعرف بطريق الحرير الرقمي.

كانبيرا - كاسل بريان لو /كولين باكهام/ديفيد لاجو /ستيف ستيكلو / جاك ستابز -  في أوائل عام 2018 عكف فريق من خبراء اختراق الشبكات الإلكترونية يعمل لحساب الحكومة الأسترالية على العمل في مناورة تدميرية رقمية، وذلك في مجمع من المباني ذات الارتفاع المنخفض بعاصمة أستراليا.

طرح المسؤولون تحديا على أفراد الفريق، وهم ضباط من إدارة الإشارات الأسترالية، الوكالة الرسمية المسؤولة عن التنصت والتي يكتنفها التكتّم. تمثل التحدي في السؤال التالي: ما حجم الضرر الذي يمكنهم إلحاقه إذا أتيحت لهم القدرة على النفاذ إلى معدات شبكة اتصالات الهواتف المحمولة من الجيل الخامس في دولة معادية وكانت تحت تصرفهم في الوقت نفسه كل الأدوات الهجومية السيبرانية؟

حقائق خطيرة

يقول مسؤولون حاليون وسابقون في الحكومة إن ما توصل إليه الفريق فتح أعين القيادات الأمنية والسياسية في أستراليا على حقائق خطيرة. فقد كانت الإمكانيات الهجومية للجيل الخامس هائلة حتى أن أستراليا ستنكشف على نحو خطير إذا كانت هي المستهدفة بمثل هذه الهجمات.

وقالت مصادر مطلعة على ما دار من المداولات إن فهم الكيفية التي يمكن بها استغلال الجيل الخامس في التجسس وتخريب البنية التحتية الأساسية غيّر كل شيء في نظر الأستراليين.

وفي الآونة الأخيرة برّر مايك بيرجس، رئيس إدارة الإشارات، أهمية أمن تكنولوجيا الجيل الخامس قائلا خلال كلمة ألقاها في مارس بأحد المعاهد البحثية في سيدني، إنه جزء لا يتجزأ من الاتصالات في قلب البنية التحتية الحساسة في البلاد وكل شيء من الطاقة الكهربائية إلى إمدادات المياه والصرف الصحي.

لا يكمن الإشكال في أن المزيد من الناس سيمتلكون عدة أجهزة بل يتمثل في أن الآلات ستخاطب الآلات والأجهزة ستخاطب الأجهزة. وكل ذلك بقدرات الجيل الخامس
لا يكمن الإشكال في أن المزيد من الناس سيمتلكون عدة أجهزة بل يتمثل في أن الآلات ستخاطب الآلات والأجهزة ستخاطب الأجهزة. وكل ذلك بقدرات الجيل الخامس

ويرى كثيرون على نطاق واسع أن واشنطن هي التي أخذت بزمام المبادرة في الحملة العالمية على شركة هواوي تكنولوجيز -عملاق التكنولوجيا- التي أصبحت في العقود الثلاثة منذ تأسيسها أحد المقومات الأساسية في سعي الصين لتوسيع نطاق نفوذها العالمي.

غير أن مقابلات أجرتها رويترز مع أكثر من 20 مسؤولا غربيا حاليا وسابقا تبين أن الأستراليين هم الذين كان لهم قصب السبق في المطالبة بالتحرك في ما يتعلق بالجيل الخامس وأن الولايات المتحدة في البداية تباطأت في التحرك وأن بريطانيا ودولا أوروبية أخرى ممزقة بين المخاوف الأمنية والأسعار التنافسية التي تعرضها هواوي.

ولدى الأستراليين منذ فترة طويلة هواجس في ما يتعلق بهواوي في الشبكات القائمة غير أن مناورة الجيل الخامس كانت نقطة تحول. فبعد ستة أشهر من بدء التجربة فرضت

الحكومة الأسترالية حظرا فعليا على هواوي -أكبر شركة في العالم لتصنيع معدات شبكات الاتصالات- ومنعتها من الاشتراك في خطط نشر الجيل الخامس.

وبعد أن أطلع الجانب الأسترالي قادة الولايات المتحدة على ما توصل إليه بدأت دول أخرى -من بينها الولايات المتحدة- تتحرك لتقييد هواوي.

واشتد أوار الحملة على هواوي في الأسبوع الماضي عندما وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب -الذي قال صراحة “تكنولوجيا الجيل الخامس هي سباق لا بديل لواشنطن عن الفوز به”- أمرا تنفيذيا يحظر فعليا استخدام معدات هواوي في شبكات الاتصالات الأميركية لأسباب تتعلق بالأمن القومي وفرضت وزارة التجارة قيودا على مشتريات الشركة من التكنولوجيا الأميركية.

وقال الجنرال جيمس جونز -الذي تقاعد من سلاح مشاة البحرية الأميركية، وعمل مستشارا للأمن القومي في عهد الرئيس باراك أوباما- إن الحكومة الأميركية لم تكن مكترثة بالمسألة حتى منتصف العام الماضي، أما الآن فالأميركيون يشنون حملة مكثفة لاحتواء هواوي في إطار مسعى أشمل للحد من قوة بكين العسكرية المتنامية في عهد الرئيس شي جين بينغ.

ويمثل تعزيز العمليات السيبرانية عنصرا رئيسيا في التطوير العسكري الكاسح الذي بدأه شي عقب توليه السلطة في 2012 وفقا لما ورد في وثائق عسكرية رسمية أميركية وصينية. واتهمت الولايات المتحدة الصين باستعمال الاختراق الإلكتروني على نطاق واسع لتحقيق مكاسب إستراتيجية وتجارية.

تخشى واشنطن أن تتاح لبكين فرصة لم يسبق لها مثيل لمهاجمة البنية التحتية الحساسة وتعريض عملية تبادل معلومات الاستخبارات مع الحلفاء الرئيسيين للخطر إذا استطاعت هواوي أن تثبّت أقدامها في شبكات الجيل الخامس على المستوى العالمي.

ويقول مسؤولون أمنيون غربيون كبار إن هذا قد ينطوي على هجمات سيبرانية على المرافق العامة وشبكات الاتصالات والمراكز المالية الرئيسية. وفي أي صدام عسكري قد ترقى مثل هذه الهجمات إلى تحول كبير في طبيعة الحرب وتتسبب في ضرر اقتصادي وتحدث اضطرابا في الحياة المدنية بعيدا عن ساحات القتال.

Thumbnail

ومن المؤكد أن الصين نفسها ستكون عرضة لهجمات من جانب الولايات المتحدة والحلفاء. وقد شكت بكين في وثيقة دفاعية تعود إلى عام 2015 بعنوان “إستراتيجية الصين العسكرية” من أنها ضحية عمليات تجسس سيبراني، دون أن تحدد الجهة المسؤولة.

وأظهرت وثائق من وكالة الأمن القومي سربها الأميركي إدوارد سنودن أن الولايات المتحدة اخترقت نظم هواوي وذلك وفقا لما رددته تقارير إعلامية. ولم تستطع رويترز التحقق عبر مصدر مستقل من عمليات الاختراق.

غير أن منع هواوي يمثل تحديا كبيرا لواشنطن وأقرب حلفائها وخاصة الأعضاء الآخرين في مجموعة يطلق عليها اسم العيون الخمس لتبادل معلومات الاستخبارات وهي بريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا.

فمن بدايات متواضعة في الثمانينات في مدينة شنتشن بجنوب الصين نمت هواوي لتصبح عملاقا في عالم التكنولوجيا له نشاط واسع في شبكات الاتصالات العالمية كما أنها تتأهب للهيمنة في عالم البنية التحتية للجيل الخامس.

ولا توجد بدائل عالمية تذكر لهواوي التي تملك قدرات مالية، إذ قفزت إيراداتها بنحو 20 في المئة العام الماضي لتتجاوز 100 مليار دولار، بالإضافة إلى امتلاكها تكنولوجيا تنافسية ودعما سياسيا من بكين.

وقالت الشركة في بيان ردا على أسئلة من رويترز إن “فرض قيود على أعمال هواوي في الولايات المتحدة لن يجعل الولايات المتحدة أكثر أمنا أو أقوى”. وأضافت أن مثل هذه التحركات سيكون من شأنها أن تقيد “الزبائن في الولايات المتحدة ببدائل أدنى درجة وأغلى ثمنا”.

وبالنسبة للدول التي تستبعد هواوي يتبدى خطر الإجراءات الانتقامية من جانب بكين. فمنذ أن منعت أستراليا الشركة من العمل في شبكات الجيل الخامس العام الماضي شهدت صادرات الفحم إلى الصين اضطرابا بما في ذلك تأخيرات في الجمارك من الجانب الصيني. وقالت وزارة الخارجية الصينية في بيان إنها تعامل كل الفحم المستورد معاملة واحدة.

كذلك تكشف التوترات بسبب هواوي عن خلافات بين دول مجموعة العيون الخمس التي تعتبر من أسس الأمن الغربي بعد الحرب العالمية الثانية. فخلال رحلة إلى لندن في الثامن من مايو الجاري أصدر وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو تحذيرا شديدا لبريطانيا التي لم تستبعد استخدام هواوي في شبكات الجيل الخامس.

ومؤسس شركة هواوي هو رن تشنغ في (74 عاما) وهو ضابط سابق في الجيش الصيني. وقالت الشركة “السيد رن يصر دائما على نزاهة هواوي واستقلالها. ولم يُطلب منا قط التعاون في التجسس وسنرفض أن نفعل ذلك تحت أي ظرف من الظروف”.

وتقول واشنطن إنه ليس من الضروري وجود أبواب خلفية سرية لإحداث اضطراب في نظم الجيل الخامس؛ فهذه النظم ستعتمد كثيرا على تحديثات البرمجيات التي سيدفع بها موردو المعدات، وتقول الولايات المتحدة إن هذه القدرة على النفاذ لشبكات الجيل الخامس قد تستخدم في نشر برمجيات خبيثة. وحتى الآن لم تكشف أميركا علنا عن أدلة ملموسة على أن معدات هواوي يمكن أن تستخدم في التجسس.

التهديد التكنولوجي

يتوجس الغرب منذ فترة طويلة من معدات الاتصالات الصينية. وفي سنة 2012، توصل تقرير للجنة الاستخبارات بمجلس النواب الأميركي إلى أن شركات التكنولوجيا الصينية تمثل خطرا على الأمن القومي. ونددت هواوي بما جاء في هذا التقرير. ورغم هذه الهواجس لم يتبلور رد الحكومة الأميركية على المخاطر التي تمثلها شبكات الجيل الخامس سوى مؤخرا.

في فبراير 2018 توجه مالكوم تيرنبول -رئيس وزراء استراليا آنذاك- إلى واشنطن وأطلق أجراس الإنذار حتى قبل المناورة التي أجرتها وكالة التنصت الأسترالية. وكان تيرنبول من رواد الأعمال السابقين في مجال التكنولوجيا وكان يعتقد أن تكنولوجيا الجيل الخامس تمثل مخاطر كبيرة وأراد أن يحث الحلفاء على التحرك ضد هواوي.

ومن المتوقع أن تتيح تكنولوجيا الجيل الخامس قفزة هائلة في سرعة الاتصالات وسعاتها. وقد يكون تنزيل البيانات فيها أسرع 100 مرة من الشبكات الحالية. غير أن الجيل الخامس لا يعني السرعة فقط؛ إذ أنه سيتيح زيادة مطردة في عدد الاتصالات بين مليارات الأجهزة التي يتوقع أن تعمل بشبكات الجيل الخامس من البرادات (الثلاجات) الذكية إلى السيارات التي تعمل بلا سائق.

وقال بيرجس -رئيس إدارة الإشارات الأسترالية خلال خطابه في مارس- “لا يكمن الإشكال في أن المزيد من الناس سيمتلكون عدة أجهزة بل يتمثل في أن الآلات ستخاطب الآلات والأجهزة ستخاطب الأجهزة. وكل ذلك بقدرات الجيل الخامس″.

وقالت هواوي في بيانها إن الشركة “لا تسيطر بأي وسيلة من الوسائل على الشركات التي يقوم زبائننا بتركيب معداتنا فيها. والمزاعم الأميركية والأسترالية خيالية ولا أصل لها في أي دليل على الإطلاق”.

وفي يوليو 2018 وجهت بريطانيا لكمة إلى هواوي إذ قالت هيئة ترأستها الحكومة وضمت مسؤولين كبارا من المخابرات إنها لم تعد تثق بالكامل في قدرتها على إدارة مخاطر الأمن القومي التي تمثلها شركة معدات الاتصالات الصينية العملاقة.

وتشرف الهيئة على عمل معمل أنشأته الحكومة البريطانية في 2010 وتموله هواوي لفحص معدات الشركة المستخدمة في بريطانيا. وتأسس هذا المعمل لأن هواوي اعتُبرت في ذلك الوقت خطرا أمنيا.

وقال مسؤول أميركي إن هذا التقرير كان بمثابة قنبلة شكلت رؤية المسؤولين الأميركيين لمخاطر الجيل الخامس من هواوي. كذلك يشير مسؤولون أميركيون إلى قوانين صينية صدرت في السنوات الأخيرة يقولون إنها قد تجبر الأفراد والشركات على معاونة الحكومة الصينية في أعمال التجسس. ووصفت وزارة الخارجية الصينية ذلك بأنه “تفسير خاطئ وتشويه متعمد للقوانين الصينية المعنية”.

Thumbnail
7