"تكنولوجيا السلام".. ثورة الاتصالات الرقمية

الأحد 2013/10/20
البشر يتناقلون عبر الإنترنت من البيانات ما يفوق ما تناقلوه خلال تاريخهم السابق كله

لندن - في هذه الأوقات العصيبة التي استقطب فيها الجدل حول الدور الفعال الذي تلعبه المواقع الاجتماعية في الأحداث الكبرى، مثل "الربيع العربي" والنزاع في سوريا، اهتمام الرأي العام في العالم أجمع، فإن ثورةً أقل صخبا تأخذ طريقها الآن إلى البروز على سطح كوكبنا. إنها ثورة الابتكار والمعلومات والاتصالات. ومن المنتظر أن تكون لها نتائجها الضخمة على حياة الشعوب من كولومبيا حتى مصر، ومن كينيا إلى أفغانستان.

وهذه الثورة المقبلة تستخدم فيها التكنولوجيا لدرء أسباب اللجوء إلى العنف. وتكمن المشكلة التي تعيق بلوغ هذا الهدف في صعوبة التركيز على سبب منفرد للعنف في علم إدارة الصراعات، كأنواع العنف المرافقة للانتخابات، أو العنف المبني على اختلاف العرق أو اللون، أو الخلافات على الأرض… وهي التي لم يتم بذل ما يكفي من جهود لاستخدام الإعلام الرقمي والشبكات التكنولوجية للتشجيع على إزالة أسبابها ودوافعها.

ولأول مرة في التاريخ البشري، أصبح بوسع الناس أينما كانوا حتى في مناطق الصراع الأكثر عنفا، أن يقوموا بالتقاط الصور وإرسال البيانات وتحرير النصوص وتناقل المعلومات حول ما يحدث في مناطقهم عبر العالم أو عبر الشوارع والأزقّة بالضغط على زرّ. لقد أصبحنا جميعا محررين للمواد الصحفية والإعلامية، إلا أننا لم ندرك حتى الآن مدى تأثير ذلك في صنع السلام. وبعد أن فاق عدد الاشتراكات بالهاتف الخليوي ستة مليارات عبر العالم، وأصبح أكثر من ثلث سكان الكرة الأرضية ينشطون على شبكة الإنترنت، لاحظنا الانتشار الواسع للأدوات التي أصبحت متوافرة في أيدي دعاة السلام.

وهذه بعض الأمثلة القليلة لما يمكن أن نطلق عليه مصطلح "ثورة تكنولوجيا السلام". ففي مجال إدارة الانتخابات، تتوافر الآن أدوات فعالة لتسجيل كافة الأحداث والتفاصيل التي ترافق إجراءها، من حوادث العنف حتى التزوير، وذلك باستخدام شبكة من منصّات المواقع الاجتماعية. وفي كينيا وجنوب السودان مثلا، حققت الانتخابات نجاحا ملحوظا، وفقا لمقياس تراجع مظاهر العنف المصاحب لها. وكانت شبكات التواصل الاجتماعي تمثل الأداة الأساسية التي جعلت المجتمع المدني الجديد أكثر ميلا للسلام. وفي مجال الدعوة لمنع العنف الجماعي، أصبح البرازيليون الأكثر استخداما لموقع "تويتر" من بين شعوب العالم أجمع، حتى بات يشكل منصة كبيرة الأهمية على مستوى الأفراد والمنظمات الاجتماعية خلال الحملات الهادفة لتحقيق السلم المدني للمواطنين. ويتم العمل بمبادرات مشابهة باستخدام شبكات أخرى للتواصل الاجتماعي وعلى نطاق واسع في المكسيك وكولومبيا.

وفي إطار وأد الخلافات على المصادر الطبيعية، بدأت "شبكات الإنذار المبكر" مثل نظام "آلية الإنذار المبكر والاستجابة السريعة للصراع" الذي تم تطبيقه في الدول الواقعة جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى، بمنافسة الشبكات الاجتماعية عبر الاستعانة بمعلومات وبيانات الأقمار الصناعية والتقارير الصحفية التقليدية لإنهاء الصراعات المتكررة على الأراضي والمياه وبعض المصادر الطبيعية الأخرى.

وفي مجال صياغة نصوص الدساتير في الدول التي تجتاز مراحلها السياسية الانتقالية مثل مصر، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي تُستخدم على نطاق واسع كأدوات مساعدة على صياغة دستور يشارك في وضعه عامة الناس. ولم يحقق الأمر نجاحا كبيرا في مصر، إلا أن هذه المواقع استخدمت بنجاح في المغرب وآيسلاندا لتثقيف الناس بإبراز مفهوم الحقوق الجماعية والمصلحة العمومية. ولا شك أن هذه الطريقة سوف تتواصل وتنتشر في دول أخرى.

وفي مجال الاحتجاج ضد العنف، سمع معظم سكان العالم عن الحملة التي أطلقت على موقع "فيسبوك" عام 2008 تحت عنوان "مليون صوت لمناهضة القوى الثورية الكولومبية المسلحة"، وكان القصد منها استثارة حماس الشعب الكولومبي برمته وشعوب العالم أجمع ضد الأساليب الهمجية التي انتهجتها هذه الجماعة التي تتخذ العنف والقتل والتدمير سبيلا لتحقيق أهدافها.

18