تكنولوجيا الشباب تغزو قلاع كبار المثقفين وتهدمها

جيل الشباب يناقش قضاياه على شبكات التواصل الاجتماعي، أما الجيل السابق فمازال يناقشها في جلسات المقاهي الشعبية.
الأربعاء 2018/05/09
وسائل التواصل الاجتماعي تعمق الفجوة بين الأجيال

 القاهرة - مع ظهور وسائل التواصل الحديثة والتطور السريع للتكنولوجيا التي غزت المجتمعات العربية يطرح مثقفون إشكالية قديمة لكنها تجددت في الواقع الراهن وهي الصراع بين الأجيال.

 يبدو هذا الصراع تقليدا لكن مع اختلاف العقد الحالي مع العقود السابقة تختلف معه أوجه الصراع بين الفئة الشابة وبين الكبار في السن، والذي تحول إلى صراع بين جيل يشيد بالتكنولوجيا وآخر يعاديها، بين نخبة مثقفة تتمسك بأفكارها ومعتقداتها وطريقتها في الحياة وأخرى متحررة تنبض بالحركية ولا تبالي لحدود في عالم جعلت منه العولمة قرية صغيرة.

انقسم بذلك مجتمع المثقفين العرب إلى نصفين. كل نصف يرفض الآخر، يتربص به، وقد يعد خطواته، ويحسب أنفاسه. طرفان لا يتفقان، ولا يلتقيان. لكل منهما أفكار وأدوات وأذواق وجمهور ونظم.

المثقفون الكبار ينظرون من عل إلى مواهب صاعدة، يتجاهلون حماسها، يمارسون دور الوصاية والإرشاد للأجيال الأقل سنا. يرفضون وسائل تواصلهم الحديثة ويتندرون على أفكارهم، ويعادون التكنولوجيا، في المقابل هناك آخرون صغار، مُتمردون ضد قواعد وضوابط ومعايير وضعها الكبار. ينفرون من حدود يفرضونها عليهم بحجة الاستفادة من خبراتهم، يجادلون أفكارهم ويضعونها تحت المساءلة.

هل تستخدم الفايبر أو الواتساب؟ ما هو حسابك على فيسبوك وتويتر؟ هكذا تبدو لغة التواصل للشباب اليوم، لكن هذه اللغة تختلف عن وسائل التواصل التقليدية للأجيال السابقة. وعمقت هذه الاختلافات مع التطور السريع والمذهل للتكنولوجيا الفجوة الثقافية والفكرية بين جيل المثقفين الشباب وجيل الكبار. وفي الوقت الذي نجح فيه الشباب في استغلال مواقع التواصل الاجتماعي لنقاش قضايا فكرية بحث رواد فيسبوك وغيره من المواقع للمشاركة في الحياة الثقافية. ينتقد الكبار بحث الشباب عن الإثارة ولفت الأنظار والسطحية، ورغم أن صراع الأجيال أخذ شكلا جديدا مع التطور التكنولوجي تكشف عنه الاهتمامات الأدبية لكل منهما، إلا أن متابعين يعتقدون أنه من شأن هذا الاختلاف أن يثري المشهد الثقافي بالمجتمعات العربية

 انقسمت عوالم الأجيال إذن، لكن الفجوة اتسعت وانقلبت إلى صراع صاخب في السنوات الأخيرة، تأجج هذا الصراع أكثر مع تطور التكنولوجيا واستعمال وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد هذا الصراع خافيا وهو ما توضحه المجادلات الساخنة بينهما (الشباب والشيوخ) والاختلافات الفكرية التي تظهر إلى العلن مع كل حادثة أو حدث يثير الجدل أو قضية ثقافية تهز المجتمع.

فجوة ثقافية

عندما رحل الأديب المصري أحمد خالد توفيق، الذي يصفه متابعون للشأن الثقافي المصري بمعشوق الشباب مطلع شهر أبريل الماضي، استاءت جموع من الفئة الشابة من تعليق بعض شيوخ الثقافة بأنهم لا يعرفون الراحل. وتعرض الإعلامي المصري عمرو أديب لهجوم حاد على صفحات التواصل الاجتماعي بسبب قوله إنه لم يقرأ يوما لتوفيق، ما دفعه في اليوم التالي إلى الاعتذار لمحبي الأديب الراحل الذي أعجب به الشباب وجعلهم يقرأون ويكتبون بشغف.

عند رحيل توفيق فجأة، شيعه الآلاف من الشباب بمحبة صادقة في مشهد مثير وصل إلى تدوين رسائل عدة وتعليقها على مقبرته. غير أن الواقعة قد كشفت لجمهور المثقفين عن فجوة بين الأجيال تتعمق يوما بعد يوم، وفجوة ثقافية معرفية، وأوضحت الحادثة أن للشباب كتابا وأفكارا يشغفون بها لا تروق لجمهور الكبار.

ويقول الناشر رضا عوض مدير مؤسسة رؤية للنشر “لكل جيل كتابه، والشباب بشكل خاص يهتمون بقراءة أحمد مراد وخالد توفيق وحسن الجندي ومحمد صادق ودان برون، لكن قليلين من عالم الكبار مَن يقرأ لهؤلاء”.

ويلفت عوض لـ”العرب” إلى أنه “بات هناك عالمان مختلفان في المجال الثقافي”، يدلل على ذلك قائلا “الكتب التي يشتريها من هم دون الأربعين تختلف تماما عن تلك التي يطلبها من هم يزيدون عن الأربعين والخمسين والستين”.

ولا يقتصر الاختلاف بين الكبار والصغار على كتابهم المفضلين، وإنما يمتد إلى وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات التبادل المعرفي الحديثة التي فرضت تعاملا متطورا مع الكتابة والقراءة والنشر.

 بات جيل المثقفين الشباب يناقش قضاياه الفكرية على شبكات التواصل الاجتماعي، أما الجيل الذي تجاوز الخمسين والستين فمازال يناقشها في جلسات المقاهي الشعبية، والمنتديات الثقافية والفعاليات الرسمية.

 وإذا ما أردنا أن نخضع المبدعين من الجيلين لمقارنة فسنلحظ فروقا عديدة في طرق وأنظمة نشر الكتب وتسويقها والترويج لها، حيث أن الشباب أكثر قدرة على تحقيق مبيعات مرتفعة والتواصل مع جمهور أكبر من القراء، لاعتمادهم على شبكات التواصل الاجتماعي بصورة مثلى: حفلات التوقيع لم تكن متبعة من قبل حتى نقلها كتاب شباب من عواصم غربية كأدوات عصرية للترويج.

 كذلك ظهرت فكرة “البرومو” للدعاية للعمل الأدبي بين الأجيال الجديدة، وكانت محل استهجان من الشيوخ، وهي عبارة عن فيلم قصير لا يزيد عن دقيقتين يقدم النص الأدبي بنوع من التشويق. كما يلجأ بعض شباب المبدعين وجمهورهم إلى الاتفاق مع ملحنين موسيقيين لتأليف مقطوعات موسيقية تتناسب مع أعمالهم الأدبية لنشرها على مواقع التواصل عند طرح الكتب في المكتبات.

ويحمل جيل الشباب الكبار مسؤولية القطيعة والانعزال التام عن غيرهم من أجيال المثقفين، ويعتبرهم جيلا نخبويا متعاليا على الوسط الثقافي. بينما ينظر جيل الكبار إلى الشباب نظرة تقليدية تتلخص في كونهم شبابا متمردا غير ناضج يفتقد للرؤية العميقة والخبرة الواسعة، وبناء على تلك الأفكار يصبح الجدال غير مجد والوصاية هي في حكم الضرورة على هؤلاء الصغار.

عباس الطرابيلي: مؤرخ مصرييهاجم الجيل الجديد رموزا بعينها أو يُنكر حقائق تاريخية بحثا عن الإثارة
عباس الطرابيلي (مؤرخ مصري): يهاجم الجيل الجديد رموزا بعينها أو يُنكر حقائق تاريخية بحثا عن الإثارة

ويشير الروائي حسن كمال لـ”العرب” إلى أن “السبب في الانقسام الواضح للأجيال في عالم الثقافة أن مجتمع الأدباء قبل ثورات الربيع (قبل عام 2011) كان منغلقا على نفسه ومتقوقعا في عوالمه حتى اعتبره البعض مجتمع ‘نخبة النخبة’، وكانت تلك النخبة تتعامل مع الأجيال الأدبية الجديدة من فوق برج عاج”.

يضيف كمال، وهو كاتب وطبيب ينتمي إلى جيل الأدباء المخضرمين الذين صنعوا جمهورا جيدا خلال السنوات الأخيرة، “الكبار يعتقدون أنهم وحدهم من يمتلكون صكوك الاعتراف بالمبدعين الجدد والقادرين على تطوير مواهبهم ولم يكن ممكنا لأحد أن يعرف وينشر إلا برضاهم ومباركتهم”.

ويؤكد “ظل الوضع كذلك حتى بروز فيسبوك، وتويتر، واتساع شريحة المتعاملين مع الشبكة الإلكترونية بعد سنوات قليلة من بدء الألفية الثالثة، وهو ما أحدث التغير والفارق”.

يرى كمال أن “ظهور وسائل التكنولوجيا الحديثة كسر جميع الحواجز وجعل سيطرة النخبة على وسائل الإعلام التقليدية غير مؤثرة”، مشيرا بقوله “فتاة في قرية صغيرة يمكن أن تغني على يوتيوب فيشاهدها مليون من البشر دون أن تقدمها وسيلة إعلام تقليدية كما كان يحدث في الماضي”.

محاولات للالتقاء

لأن التكنولوجيا الحديثة باتت تهدد عرش النخبة العاجي احتكم المثقفون الكبار إلى العزلة بعد أن شعروا بانسحاب البساط من تحت أقدامهم، وهو ما صنع الفجوة مع جيل الشباب، التي تطورت لتصبح أشبه بحالة عداء.

ولم يخاطب إلا عدد قليل من الأدباء الكبار، وهم الأذكياء، العصر بنفس أدواته واستخدموا ذات الأدوات والوسائل كي يظلوا على تماس مع الشباب، ربما كان أبرزهم الأديب إبراهيم عبدالمجيد في مصر، وواسيني الأعرج في الجزائر، ولم يكتفيا بعمل صفحات على فيسبوك وحسابات على تويتر وإنستغرام، إنما ضمنا بعض أعمالهما الكثير مما يدور على شبكات التواصل الاجتماعي مثل رواية “في كل أسبوع يوم جمعة” للأول، و”مملكة الفراشة” للثاني.

لا يرجع الانقسام بين الجيلين إلى اختلاف أدوات التواصل المتبعة فقط بين عصرين مختلفين، وإنما أيضا إلى استنكار الأجيال الشابة لمواعظ الكبار والوصاية في تعاملهم مع الأجيال التي لحقتهم، حسب تعبير عصام الشوبكشي مصمم جرافيك ومدوّن مصري شاب.

يقول الشوبكشي لـ”العرب” هم “متمسكون بآرائهم. أم كلثوم وتوفيق الحكيم وعباس العقاد ويوسف إدريس وعبدالحليم حافظ وفيروز، وغيرهم كثيرون.. لا يصح أن تنتقد أحدهم أو ترى عدم الإعجاب به”.

ويلفت الانتباه قائلا “هم يصرون على ترويج صورة تقليدية نراها سطحية ومفادها أن القديم أفضل والحديث تافه، تلك مشكلتنا الحقيقية معهم”. في المقابل يعتقد جيل المثقفين الكبار أن الجيل الشاب بات يستسهل ما توفره التكنولوجيا من خدمات بمجرد “ضغط الزر” حتى يتسنى له الحصول على المعلومة أو الفكرة أو المتعة الثقافية. ويرى أن التكنولوجيا الحديثة تدفع عقل وروح الإنسان إلى الفرار بعيدا عن إنسانيته وتقوضها.

 كما يرى أن هناك استخفافا بالكتابة والفن وإدعاء الإبداع نتيجة تكرار الأفكار وسرعة نقلها والاستحواذ عليها من حساب إلى آخر، ويؤكد أن الاهتمام الثقافي وذيوع الصيت بين جيل الشباب ينحصران في درجة الإثارة، ولفت النظر أكثر من إدراك قيمة الإبداع نفسه.

ويستنكر الكاتب والمؤرخ عباس الطرابيلي، في تصريحات لـ”العرب” فكرة الإثارة المتعمدة عند بعض شباب الكتاب طلبا لمبيعات أكثر، ويبين أن في “حالات كثيرة يهاجم الجيل الجديد رموزا بعينها أو ينكر حقائق تاريخية ثابتة بحثا عن الإثارة”.

 فيسبوك وتويتر ويوتيوب تزيح النخب التقليدية من الواجهة
 فيسبوك وتويتر ويوتيوب تزيح النخب التقليدية من الواجهة

ودفعت فكرة الحصول على عدد كبير من الإعجاب والتمتع بنسبة متابعة كبيرة على موقع فيسبوك هؤلاء الشبان إلى التشكيك في الكثير من حقائق التاريخ وثوابته. وبشكل عام يؤكد الطرابيلي  أنه لا يتعالى على التكنولوجيا الحديثة، لكنه يشعر بعلاقة حميمة مع الورقة والقلم الحبر، لأنه استهل تجربة الكتابة قبل ستة عقود عبرها، لافتا إلى أنه ولد عام 1936 وتخصص في كتابة المقالات المعنية بالتاريخ، وأضاف “مازلت حتى الآن أكتب مقالاتي في الصحف بالورقة والحبر وأرسلها عبر الفاكس، لأنني اعتدت ذلك وأحببته”.

ويرى أن هناك فارقا طبيعيا بين جيله وجيل أحفاده، مثلما كان هناك فارق بين جيله وجيل النصف الأول من القرن العشرين، واختلاف الأجيال وارد، غير أنه من الضروري ألا يتحول هذا الاختلاف إلى حالة عداء.

لكن بين الجيلين ثمة فريق آخر يحاول تشكيل جسر للتواصل بينهما، ينتمي هذا الفريق إلى جيل مخضرم. وتوضح هويدا صالح الناقدة الأدبية لـ”العرب” أن “صراع الأجيال دائم ومتكرر عبر كل الأزمنة، غير أنه اتضح أكثر خلال الآونة الأخيرة نتيجة تطور وسائط التلقي”.

حسن كمال (روائي مصري): الأجيال السابقة تصر على ترويج صورة تقليدية نراها نحن الشباب سطحية
حسن كمال (روائي مصري): الأجيال السابقة تصر على ترويج صورة تقليدية نراها نحن الشباب سطحية

وتذكر صالح كيف هاجم الكاتب عباس محمود العقاد عند ظهوره وهو شاب صغير في الثلاثينات الشعراء التقليديين مثل أحمد شوقي الملقب بأمير الشعراء، مطالبا إياه بالتطور مع العصر. وبعد ثلاثين عاما انقلب العقاد إلى شيخ وتعرّض لهجوم شديد من الشاعر الشاب صلاح عبدالصبور الذي دعاه كذلك إلى التطور. كان العقاد أدلى بحديث إلى إحدى المجلات انتقد فيه شعر عبدالصبور، وهو ما يذكره الناقد الأدبي سامح كريم في كتابه “معارك العقاد الفكرية”.

وفي عالم الثقافة اليوم تخرجت مواهب الشباب إلى العلن بفضل تطور التكنولوجيا وصارت أكثر قدرة على مخاطبة الناس والنقاد دون وسطاء، كما كان في الماضي، لكن لا يرحب بذلك المثقفون الكبار بل ينتقدونه.

وتبقى الاختلافات متباينة بين الجيلين خاصة في ما يخص محبة أدباء معينين مثل نجيب محفوظ وغبريال غارسيا ماركيز وباولو كويلو وحنا مينا وعبدالرحمن منيف وغيرهم.

لكن يحاول البعض من خلال مؤتمرات وندوات ثقافية تطبيع العلاقة بين الفئتين واستثمار الجدل لإضفاء زخم على المشهد الثقافي. وتؤكد الناقدة الأدبية أن “لكل مرحلة عمرية كتابها المفضلين.

في الماضي، وقبل نصف قرن كان الأولاد الصغار يفضلون روايات جورجي زيدان التاريخية، وفي فترة لاحقة ظهرت قصص المغامرين الخمسة لمحمود سالم، ثم روايات رجل المستحيل لنبيل فاروق، وسلسلة ما وراء الطبيعة لأحمد خالد توفيق لتخاطب شريحة القراء الجدد وتجذبهم نحو القراءة. غير أن ذلك يتغير عندما يتجاوز المثقف سن العشرين، ويتغير تماما بعد النضج الحقيقي لينتقي قراءاته وكُتّابه”.

 وترى أنه من غير اللائق النظر إلى قراءات الصغار باستعلاء أو أحكام صادمة، ويحسب لكتاب الأجيال الجديدة جذبهم شرائح من المجتمع إلى دور الثقافة. في المقابل على الأجيال الشابة احترام خبرات وتجارب من سبقوها. ورغم محاولات للالتقاء بين الجيلين، يبقى الاختلاف الثقافي بينهما واضحا وهو انعكاس حقيقي لانقسامات أكبر تعيشها المجتمعات العربية.

12