تكنولوجيا القيادة الآلية لا تلغي عمل السائقين فقط بل تهدد المحامين أيضا

ذروة التفرد الآلي أن تزدحم الطرقات بمركبات من دون سائقين.
الأحد 2021/02/07
السيارات الذكية قادمة

ليس هناك شك في أن القيادة الآلية للسيارات قادمة لا محالة، لكن بينما تتطوّر قدرات السيارات بشكل متواصل، لتصل إلى مرحلة الأتمتة بالكامل، وحتى تكون خالية من المقود أو أدوات التحكم الخاصة بالسائق، وقادرة على التعامل مع كل أنواع الطرقات ومختلف الظروف المناخية، فإن وجود سائق خلف عجلة القيادة سيصبح أمرا لا حاجة إليه، كما أن الكيفية التي سيستخدم بها البشر مثل هذا النوع من وسائل النقل الذكية ستحدد في نهاية المطاف مدى تأثير هذه التكنولوجيا على وظائف كثيرة، مثل القيادة والمحاماة.

لندن – تقدم تكنولوجيا السيارات ذاتية القيادة خدمة تاريخية للبشرية، لكنها في الوقت نفسه ستتسبب في أضرار كثيرة لن تمس فقط مجال عمل السائقين فقط، بل إنها ستطال وظائف شركات التأمين والمحامين بصفة مخيفة في سباق ما عُرف بـ”ذروة التفرد الآلي”، وهي المرحلة التي من المحتمل أن تحتكر فيها الآلة عدة مجالات وبشكل يفوق كل التوقّعات.

إلا أن الأمر لن يقتصر فقط على تهديد وسائل النقل الذاتية لبعض الوظائف، بل يتطلب أيضا صياغة قوانين وتشريعات تواكب التطور الجديد، بما يصل إلى إجراء تغييرات شاملة على قواعد وقوانين المرور، من شأنها أن تسمح للسيارات ذاتية القيادة بالحركة على الطرقات العامة، وتضمن تحوّل الأفكار المستقبلية إلى واقع جائز قانونا في مجالي التنقل والمواصلات.

وتتميز السيارات ذاتية القيادة بخصائص واعدة، نظرا إلى اعتمادها على أنظمة خوارزمية، لا يمكن أن تتعاطى الكحول أو تشعر بالنعاس أو يتشتت انتباهها. وتلك هي الأسباب الرئيسية للوفيات على الطرقات، حيث إنها مسؤولة إلى حد كبير عن مقتل 1.3 مليون شخص في حوادث الطرقات كل عام.

كما أنها لا تستخدم الهواتف الجوالة أثناء القيادة أو تغضب بسبب زحمة المرور أو أخطاء المارة أو تنشغل بأنظمة التسلية والترفيه أثناء السير، ويمكن أن تتحرك بشكل أسرع، وبأمان أكبر عبر الطرقات، وهو ما يقلل من الازدحام.

وتعتبر أنظمة القيادة التي تعتمد على أجهزة الكمبيوتر أفضل بكثير من نظيراتها البشرية في اختيار مسالكها، كما لا تستهلك الكثير من الوقود، وهذه المميزات الصديقة للبيئة مجتمعة تقلل في نهاية المطاف من انبعاثات العادم.

وتساهم وسائل النقل بشكل عام، بنحو 30 في المئة من الاحتباس الحراري المرتبط بالتلوث في الولايات المتحدة. كما أنها تعدّ مصدرا رئيسيا لتلوث الهواء في شتى مدن العالم.

ولا يتردد البعض من سكان الصين والولايات المتحدة في الجلوس من دون أي خوف على المقعد الخلفي لسيارة أجرة بلا سائق يطلبون حضورها بواسطة الإنترنت، وأن يكونوا تاليا حقل تجارب لهذه التكنولوجيا المستقبلية التي تحاول كبرى شركات صناعة السيارات ذاتية القيادة تعميمها، مستفيدة من ميل الشغوفين بالتكنولوجيا لتجربة هذه الابتكارات.

معارك شرسة للريادة

Thumbnail

لكنّ هذا المشهد الذي قد يبدو أشبه بفيلم خيال علمي، وهو رؤية الشوارع مزدحمة بسيارات من دون سوّاق بشريين، لا يزال في الواقع بعيد المنال، لأسباب عدّة أهمّها تكنولوجية وتنظيمية وقانونية.

ومع ذلك، يخوض صانعو السيارات وشركات التكنولوجيا معارك شرسة من أجل الريادة في تقنية القيادة الذاتية، وشركة صناعة السيارات الكهربائية “تيسلا” من بين هؤلاء المنافسين.

وفي نوفمبر الماضي منحت الحكومة اليابانية صانع السيارات العملاق هوندا الموافقة على بيع سيارات ذاتية القيادة من المستوى الثالث في اليابان، وهي الخطوة الأولى من نوعها في العالم.

وقالت هوندا إنها تعتزم قبل مارس المقبل طرح هذه السيارات القادرة على القيادة الذاتية فقط خلال الازدحامات المرورية على الطرقات السريعة.

القيادة الآلية خلال الازدحامات

السيارات ذاتية القيادة تتمتع بخصائص واعدة، نظرا إلى اعتمادها على أنظمة خوارزمية
السيارات ذاتية القيادة تتمتع بخصائص واعدة، نظرا إلى اعتمادها على أنظمة خوارزمية

ويتم تصنيف السيارات ذاتية القيادة على مقياس من صفر إلى خمسة، والمستوى الخامس يشير إلى الاستقلالية التامة للسيارة في التحكم بالقيادة.

ولفتت هوندا في بيان إلى أن “تصنيف النوع” الذي وافقت عليه الحكومة اليابانية “يمكّن نظام القيادة الآلي من تولي قيادة السيارة دون تدخل من السائق في ظل ظروف معينة، مثل أن تكون السيارة عالقة في ازدحام مروري على طريق سريع”.

وأضافت “تخطط هوندا لإطلاق بيع هوندا لدجيند المجهزة بمعدات القيادة الذاتية التي تمت الموافقة عليها حديثا (القيادة الآلية خلال الازدحامات) قبل انتهاء السنة المالية الحالية”.

وأفاد متحدث باسم هوندا للوكالة الفرنسية “إنها المرة الأولى في العالم التي يحصل فيها صانع سيارات على تصنيف نوع” من المستوى الثالث للقيادة الذاتية.

وأضاف أن الشركة يمكن أن تصبح الآن الأولى في العالم التي تنتج كميات تجارية من سيارات القيادة الذاتية من المستوى الثالث، على الرغم من تسابق شركات أخرى لتقديم سيارات من هذا النوع.

وسبق أن قام العديد من صانعي السيارات بإنتاج هذا النوع، ولكن القليل من البلدان لديها أطر قانونية للسماح ببيعها واستخدامها.

وفي مؤشر على اهتمام المستثمرين بمستقبل النقل، باتت قيمة شركة “ريفيان” الأميركية التي ستسلم خلال العام الجاري أولى مركباتها الكهربائية الكبيرة، تساوي 27.6 مليار دولار، على ما أوضح مصدر مقرب من الشركة للوكالة الفرنسية.

ويتوقع المحللون ازديادا في الاستثمارات والشراكات بالقطاع، فيما بدأت سنوات من البحوث والابتكار تنعكس على عمليات إطلاق منتجات للقطاع وللعموم.

وقد مددت “وايمو” التابعة لـ”غوغل” في الخريف الفائت خدمتها لسيارات الأجرة ذاتية القيادة لتشمل عددا كبيرا من الركاب في فينيكس بولاية أريزونا حيث تجرب الشركة منذ 2017 اختبارات على مركباتها.

من ناحيتها، تختبر “تيسلا” منذ أسابيع نسخة مطورة من برمجيتها للمساعدة على القيادة (أوتوبايلوت)، المسماة “فول سيلف درايفينغ”، على مجموعة صغيرة من الزبائن. وقد ارتفعت قيمة الشركة المصنعة للسيارات الكهربائية في البورصة خلال الأشهر الأخيرة لتقرب من 800 مليار دولار.

ولاحظ دان أيفز من شركة “ويدبوش” أن “ثمة تقاطعا بين اللاعبين في قطاع التكنولوجيا ومصنعي السيارات”، ورأى أن “أبل ليست بعيدة أيضا عن الخوض في المجال”، مشيرا إلى أن سوق المركبات الكهربائية وذاتية القيادة ستصل قيمتها إلى ألف مليار دولار خلال العقد الطالع.

ولفت غاريت نيلسون من شركة “سي.أف.آر.أي ريسرتش” إلى أنه “من المحتمل أن توفر حكومة جو بايدن دعما كبيرا للسيارات الكهربائية ما سيصب في مصلحة شركات سيارات مثل جي.أم”.

الصورة غير واضحة

لكن الصورة تبدو غير واضحة بشأن مستقبل السيارات ذاتية القيادة المؤتمتة بالكامل وإمكانية إتاحتها للمستهلكين واستخدامها على الطرقات في السنوات القليلة القادمة، فمن الناحية النظرية إن سيارات المستوى الخامس لن تحوي مقودا أو أدوات تحكم أخرى للسائق، وستكون قادرة على التعامل مع كل أنواع الطرقات ومختلف الظروف المناخية من دون مساعدة، وهو ما يعتبره العديد من الخبراء أمرا مبالغا فيه، مرجحين أن صانعي السيارات لا يزالون بعيدين حتى عن المستوى الرابع الذي تعتبر فيه السيارة دون سائق ويصنف جميع من بداخلها على أنهم ركاب.

ويعتقد براينت والكر سميث أستاذ القانون بجامعة ساوث كارولينا وخبير القيادة الآلية، أن الأتمتة عموما، مست جميع مجالات القانون، ولذلك يجب مراعاة القانون الجنائي، والمسؤولية عن المنتج، والأمن السيبراني، والتأمين، وجميع مجالات القانون الأخرى بالتوازي مع التقدم الذي تحرزه تكنولوجيا القيادة الذاتية.

وقال والكر سميث “هناك قول مأثور في القانون يقول ’عندما لا يكون هناك شيء ذو صلة، يكون كل شيء ذا صلة’، وهذا صحيح بالنسبة إلى القيادة الآلية. إن مجرد عدم وجود قانون للقيادة الآلية لا يعني أنه لا يوجد قانون خلفي يتفاعل معها”.

ومع زيادة الأتمتة، سيكون من ضمن الاعتبارات التي يجب إعادة النظر فيها هي: من سيكون السائق المسؤول عن السيارة المؤتمتة من الناحيتين التقنية والقانونية؟

1.3 مليون شخص يلقون حتفهم في حوادث الطرقات كل عام، جراء الأخطاء البشرية

 وأضاف والكر سميث “لذا إن لم يعد هناك سائق بشري، أو إذا كان سيلعب دورا أقل، من سيكون السائق إذن؟ هل هي الشركة أم السيارة أم شخص آخر؟”.

وقال نيكولاس ويتنر، أستاذ القانون بجامعة ولاية ميشيغان وخبير القيادة الآلية، إنه يمكن ملاحظة منطقة التباس أخرى في حالات القيادة تحت تأثير الكحول. أي أنه عندما تتوفر مركبات القيادة الآلية عالية المستوى في المستقبل، وإذا كان الفرد في حالة سكر وبدأ يقود سيارة من المستوى الرابع، وبموجب القانون الحالي، من سيكون السائق؟

وطالب ويتنر الحكومات بتغيير معظم القوانين التي تمس المركبات، بسبب الحاجة الماسة إلى قوانين جديدة تنظم عملية استخدام المركبات الذكية وعلاقتها بهوية المستخدمين أنفسهم وصلاحيات استخدامها.

وقال ويتنر إن أحد الجوانب المهمة التي تجب مراعاتها مع تقنيات القيادة الآلية هو كيفية وصفها بمصطلحات دقيقة. مشددا على أن معرفة أوصاف الأنظمة الآلية مهمّة لأن المستخدمين قد يسيئون استخدام التكنولوجيا أو يسيئون فهمها اعتمادا على كيفية تسويقها.

فمثلا قد يعتقد البعض أن “سيارة القيادة الذاتية تستطيع فعل ما يطلب منها فيحاولون توجهيها نحو الجبال، لكنها تقرر الذهاب إلى الشاطئ. وهذا من شأنه أن يجعلها مستقلة تماما”.

 وهنا مثال آخر وهو استخدام شركة “تيسلا” للسيارات مصطلح “الطيار الآلي” لوصف نظام المساعدة في قيادة السيارات الكهربائية ذاتية القيادة، وهو مصطلح مضلل، ولا يعكس حقيقة ما يمكن أن تفعله هذه الخاصية بالضبط. وقد يكون ذلك خطيرا على السائقين الذين لا يفهمون كيف تعمل الخاصية بالضبط فيتركون الحرية للسيارة لتمضي كما شاءت.

ويستخدم مصطلح “الطيار الآلي” في الطائرات حيث بإمكان قائد الطائرة أن يجعل الطائرة تتحكم بنفسها في الجو، وهي تقطع مسافات طويلة.

ويتوقع ويتنر أن تسير الأمور نحو ما هو أسوأ إذا ما أصبحت السيارات الآلية أكثر انتشارا.

الاستعداد للقضايا المستقبلية

اااا

أما جيف جورني خبير القيادة الآلية، فيرى أن المحامين في حاجة إلى الإلمام بالتقنيات وبما أحدثته التكنولوجيا المتطورة من تغييرات ليكونوا أكثر استعدادا للقضايا المستقبلية.

ونصح المحامين بفهم كيفية عمل المركبات ذاتية القيادة من الناحية التكنولوجية. وبناء على ذلك يجب عليهم التفكير في كيف يمكن لميزة آلية في إحدى قضاياهم أن تغير المجال القانوني بشكل عام.

وقال جورني “يحتاج المحامون إلى التفكير في كيفية تأثير ذلك على تعاملهم مع القضايا. حيث إذا كانت قضاياك تعتمد بشكل كبير على حوادث السيارات العادية ثم تم إدخال تقنية جديدة، فسوف تقلل بشكل كبير من عدد حوادث اصطدام المركبات وتأثيرها”.

وأضاف “يحتاج المحامون المختصون في قضايا حوادث السيارات أو بعض المخالفات المرورية، إلى البدء في التفكير بشكل دقيق في تأثير هذه المركبات الذكية على مجالاتهم المهنية”.

وحاليا، تحتل شركة “وايمو” التي تعتمد على تمويل الشركة الأم “ألفابيت”، موقع الريادة عالميا في تكنولوجيا القيادة الذاتية، وهي الشركة الوحيدة التي توفر خدمات نقل الركاب بواسطة طلب سيارات من دون سائق مقتصرة على منطقة واحدة في جنوب شرق فينيكس بولاية أريزونا.

وقال ويتنر “بدلا من أن تقلك سيارات أوبر، يمكنك أن تعطي إشارة إلى سيارة وايمو من أسطول من شأنه أن يقلك ويأخذك إلى أي مكان تريد الذهاب إليه”.

وقال والكر سميث إنه من أجل تقديم رحلات من دون سائق، كان على وايمو الاهتمام بمهمة رسم خرائط لكل طريق وجميع الظروف المحتملة.

ويرى ويتنر أن “التحدي الذي تواجهه شركة مثل وايمو الآن هو معرفة كيفية توسيع نطاق نشر مثل هذه السيارات ليشمل جميع أنواع المجتمعات والظروف الأخرى. مثل المدن ذات الشوارع المزدحمة، وبها عدد أكبر من المشاة، أو الثلوج والحفر، في وجود قواعد مرور مختلفة، وكل هذه الأمور يجب أن تأخذها الشركة بعين الاعتبار أو في بعض الحالات تجب برمجتها في سيارات وايمو”.

17