تكنولوجيا النانو وتحديات رفع أسرار المادة

السبت 2015/01/17
العلوم النانوية تسمح بفك أسرار عوالم مجهولة في المادة

نتيجة للتنافس التكنولوجي المحتدم، يقول العلماء إن الانتقال من جيل علمي إلى آخر بات يتم بسرعة كبيرة جدّا، ففي ظرف وجيز تجاوزت في البلدان المتقدّمة تكنولوجيا الجيل الخامس (الإلكترونيات وأجهزة الكمبيوتر وكيمياء البولميرات والهواتف المحمولة) إلى جيل تكنولوجي سادس يقضي باستخدام تكنولوجيا النانو السحرية، التي يقول الخبراء إنها ستقلب العالم رأسا على عقب وتداعيات التنافس في هذا المجال قد تدفع إلى حرب عالمية ثالثة. فما هي النانوية؟ وما هي أسس هذا العلم الجديد وأسراره؟ وما هي أهدافه ومنطلقاته الفكرية وتداعياته الإيجابية منها أو السلبية في مجال الطب النانوي على وجه التحديد؟

“النانو” كلمة قديمة غير شائعة ومستعصية على الفهم، غير أنها اليوم بمثابة كلمة سحرية يتطلع عبرها العديد من العلماء، للكشف عن أسرار المادة. ناهيك أنها تلتصق بأشد التنبؤات تناقضا، فهي مجال هواجس مرعبة ووعود مغرية في آن. تبحث في مكونات المادة الذرية على مستويات غير معروفة، ولم يسبق للبشرية يوما أن تصورت الوصول إليه أو الخوض فيه. ويخص هذا المستوى مستويات تقع ما بين الذرة (10-10) والجزيئات (4-10).

يختص، هذا العالَم الدقيق بأسرار المادة ومكوناتها الفيزيائية من خلال حصر التفاعلات الجسيمية والذرية والإشعاعية والفوتونات (كم الضوء في الطاقة) في عالم الفيزياء. وتختص في شقها الكيميائي بالتحريك الحراري والبنى الذرية التي تشع بالطاقة، كما دراسة المركبات العضوية الحيوية واللاحيوية، بالإضافة إلى طاقة العمليات الكيميائية وآليات التفاعل في المادة في كل أطوارها الثلاثة، سواء منها الصلبة أو الغازية أو السائلة. أما فرع البيولوجيا النانوية فيهتم بالحموضات النووية، وهي المادة الرئيسة للصبغيات وعالم النويدات الذي يهتم بالوحدات الكيميائية العضوية في النباتات والحيوانات وكل ما يتعلق بالمعلومات المخزنة داخلها. ومؤدى هذا الاكتشاف العظيم أن الذرّة بدورها مكونة من أشياء سابقة عنها. إنه سباق نحو الصغير، ومن الصغير إلى المُصغر ومن المُصغَر إلى أدق الصغائر الممكنة، حــتى تنــتـفي الحدود.

الهندسة النانوية ستنعكس سلبا وإيجابا على الإنسان وقيمه ومنظوماته الرمزية وعلاقته بالكون والحياة

نحن هنا إجمالا في عالم الفيروسات والبروتينات والجزيئات، بحيث يكفي القول إن نانومترا واحدا أصغر 500.000 ألف مرة من عرض خط قلم حبر وأصغر 30.000 ألف مرة من عرض شعرة واحدة، أو أصغر 100 مرة من فيروس. ناهيك أننا في هذا المستوى نزلنا درجة أصغر من الميكرون. ومن ثم إذا غصنا إلى ما دون 16 – 10 سم، تعرفنا على الأشعة التي تكونها، وإذا ما غصنا أكثر إلى ما دون 19 – 10 سم، طالعنا عالمٌ تتوحد فيه جميع القوى باستثناء الجاذبية. وهكذا حتى نصل عمقا يقدر بـ33- 10 سم، حيث ينتفي الزمان والمكان لتصبح المادة رغوة من البذور مجهولة الهوية، أي نقطة التقاطع بين الحي والصلب والسائل. والحال أننا هنا أمام اكتشاف عظيم تلوح منه سدرة المنتهى أو اللانهاية الصغرى التي تعد معدن المادة أو صُلبها وسرا من أسرار الخالق في الكون، تجمع بين العدم والوجود.

ثورة علمية

إن علم تكنولوجيا النانو ثورة علمية جديدة تبحث أساسا في نقطة التقاطع بين ما هو في طور العدم ومدار البداية، بين الوجود واللاوجود، سواء كانت حيا أو إشعاعا. بمعنى أن الأشياء والظواهر من حي وصلب وغاز وسائل، التي نعاينها كوجود له حدود، يصبح لها أصل واحد بالعودة إلى كيمياء أصلها، أي أن أنوية الذرات التي تقودنا إلى عوالم سحيقة، هي عوالم البروتونات (واحد من ثلاث جسيمات أساسية في تركيب الذرة)، والنيوترونات (جسيم في نواة الذرة) والبيونات (إلكترونات حيوية) والكواركات (بمثابة جسيمات ذرية نووية دقيقة جدا عندما تتحد تكوّن جسيمات كبيرة كالبروتون (كتلته تعادل ذرة الهيدروجين) والنيوترون الذي اكتشف منه أربع عائلات من الكواركات، تتألف كل واحدة منها من جسيمين، فيكون المجموع منها ستة كواركات.

بدايات تكنولوجيا النانو
يقول الباحث المختص في مجال الفيزياء النظرية ميتشو كاكو: “عبر تاريخ الإنسانية، كان إتقان استخدام الأدوات هو ما حدد مصائرنا؛ فعندما أتقن الإنسان صنع القوس والسهم منذ آلاف السنين، صار قادرا على إطلاق المقذوفات لمسافات أبعد كثيرا مما تستطيع يديه، فزاد ذلك من كفاءة الصيد.. والآن نحن على وشك إتقان استخدام نمط مختلف تماما من الأدوات وهو أقوى بكثير من أي شيء شهدناه من قبل.

هذه المرة، سوف نصبح قادرين على التحكم في الذرات نفسها التي خلق منها كل شيء. وخلال هذا القرن ربما نمتلك أهم أداة تخيلها بشر على مر العصور، تكنولوجيا النانو”.

عالم الفيزياء الأميركي إريك دريكسلر المؤسس الفعلي لهذا العلم، نشر في 1986 كتابا بعنوان “محركات الخلق أو التكوين”، شرح وبسط فيه الأفكار الأساسية لهذا العلم، كما عرض المخاطر الكبرى المصاحبة له. وفي 1989 أسس معهد “فورسايت للنانو تكنولوجي”.

وفي العام 1991 اكتشف العالم الياباني سوميو ليجيما أنابيب الكربون النانوية، المؤلفة من شبكة من الذرات الكربونية، في معامل أبحاث شركة “نيبون إلكتريك كومباني” للصناعات الإلكترونية.

كما تمكن الباحثان وارين روبينيت وستان وليامز من جامعة نورث كارولينا الأميركية في تشابل هيل، من اختراع جهاز المعالج النانومتري (النانو مانيبيو لاتور)، الذي يعد أحدث معالج مجس حسي دقيق، حيث سمح للعلماء أن يلمسوا ويشعروا بالجزيئات المتناهية في الصغر.

هذه العائلات هي على التوالي: 1- كْوارْك فوقي: (4 مليون فولت)، 2- كوارك تحتي، 3- كوارك غريب أو بديع، وأخيرا إعلان مختبر “سيرن” اكتشاف بوزون هيغز فعليا (في 4 يوليو 2012). بحيث تعتبر الكواركات أصغر وحدات بنائية للمادة معروفة حتى الآن. والحال أنه بالنزول إلى البوزون، ينتفي الفرق بين ما هو موجود وما هو في تعداد العدم من جهة، وبين ما هو جدار لا نهائي تنطلق منه سائر الكائنات الحية والنباتية والطبيعية من جهة أخرى، كما حدث في الانفجار العظيم، ما يطرح السؤال: ما هي أرضية هذا العالم؟ وهل هناك مستويات أخرى غير معروفة أو بلغنا سدرة المنتهى التي أودعت فيها أسرار الكون؟

الهندسة النانوية ستنعكس حتما على الإنسان وقيمه ومنظوماته الرمزية وعلاقته بالكون والحياة.

ومرد هذا اللهاث المحموم نحو كنه المادة، ربح معركة تيسير فهم القوانين الأساسية التي تشتغل بها المادة، لأن في التشطير والتصغير فائدة جمة، يتمكن بها الصناع والمهرة إعادة تركيب جميع مكونات المادة وتجريب شتى التراكيب الممكنة لها وإعادة إنتاجها لكي يتسنى لنا عبر الحموضات والخمائر والبروتينات تشكيل رقاقات ولاقطات حيوية قادرة على التقاط ما يجري في الجينات العضوية الحية.

يعتبر الطب النانوي من بين العلوم الجديدة التي ظهرت أواسط السبعينات بإنتاج أدوية مكونة من جسيم شحمي (عبارة عن كبسولة لينة تحتوي على مبدأ نشط)، لكنه لم يصبح مادة قائمة بذاتها إلا في السنوات الأخيرة من أجل بلورة علاج نانوي يهتم بالجزيئات النانوية لا يتعدى قياسها 70 نانومترا مغطاة بمادة (رمل الصّوّان)، ومُعدَّلة بغاية إدخالها في الخلايا الخبيثة، حيث تجتمع حول الورم خلال يوم أو يومين، ثم يتم تفعيلها في مجال خارجي (أشعة إكس، موجات صوتية حادة، الليزر، موجات التشخيص الضوئي)، تطلق رد فعل (خلخلة في الجزيئات، إنتاج مواد ملوثة تدمر الورم وتتخلص من بقاياه عبر البول في ثلاثة أيام)، وتمت معاينة عدة تجارب واعدة على الحيوانات، ونتيجتها تنبئ بالوصول إلى قيام تجارب على الإنسان.

العلاج النانوي وأسئلة جديدة

إن الجديد في الأدوية النانوية، هو إتاحتها استبدال الدواء الصيدلي التقليدي بكبسولة نانوية تحتوي على مبدأ نشط يتحلل ويذوب عبر عامل محلي مشترك كالحموضة والحرارة أو إشارة مرسلة من خارج الجسم. كما نتوقع في المستقبل أدوية نانوية قادرة على إطلاق جزء من محتوياتها بحسب الطلب في المكان المناسب واللحظة المناسبة. فضلا عن امتصاص الزرنيخ الذي يسمم قطاعات معينة من السكان.. علاوة على ذلك توجد قيد الدرس عدة تقنيات متطورة كاستعمال جينة تبعثر وظيفة جينات الخلية الخبيثة.

النانو مستقبل الصناعات العسكرية
واشنطن – تتنبأ وثائق التخطيط والسياسات الأميركية بكيفية خوض الحروب في المستقبل وتحذر من “منافسين دوليين” جدد أو من العائدين إلى الساحة في الفترة الزمنية الممتدة من سنة 2005 إلى 2025.

ويقدّر بأن هذه الفترة ستتميز بتقدم سريع في الكثير من مجالات التكنولوجيا، بيد أن تكنولوجيا النانو المرتكزة على التجميع والذكاء الصناعي العام تكتسب تبعات أبعد بكثير من نظرة البنتاغون الحالية المتعلقة بمفهوم “الثورة في الشؤون العسكرية”.

وفي حين أن إتقان المتفجرات النووية أسس للتكافؤ الاستراتيجي، من المتوقع أن التصنيع الجزيئي المتطور القائم على أنظمة التكاثر الذاتي، أو أي نظام إنتاج عسكري بشكل كامل عن طريق الذكاء الاصطناعي المتطور سيؤدي إلى عدم الاستقرار وفي صدام بين متنافسين متساوين أشداء. وسيشعر المتنافسون بالضغط للقيام بخطوات استباقية، إن أمكن، في الشروع في بناء قدرات عسكرية شاملة حتى لا يبقوا متخلفين في هذا المجال.

ويتزامن أكبر خطر مع بروز هذه التكنولوجيات القوية إذ من المحتمل أن يؤدي تسارع “الثورات” المتلاحقة إلى إطلاق شرارة سباق تسلح جديد.

وهذه الترسانات سريعة التطور وغير المختبرة والسرية وحتى الافتراضية ستقوض الثقة في القدرة على الرد على الاعتداء أو الصمود أمامه.

وستتقلص مهلة التنبيه واتخاذ القرارات، وستشوش عمليات التسلل الخفية لأجهزة الاستخبارات والتخريب الفرق بين التصادم والحرب.

ومن شأن الاستخدام العلني للسلاح العصري جدا أن ينبه المتقاعسين في مجال التكنولوجيا. وستطرأ تغييرات هائلة ومفاجئة في توازنات القوة. وبالتوازي مع الاضطرابات الاقتصادية والضبابية العامة والنزاعات حول مستقبل الموارد الكبرى ومستقبل الإنسانية نفسها، من المحتمل أن تنفجر هذه الأزمة الجامحة في شكل إعادة التسليح والأعمال الحربية على نطاق واسع قبل الوصول إلى مرحلة تكنولوجية أخرى. ومن المحتمل أن تكون الحرب الحقيقية المستعملة لتقنية النانو – إن حدثت يوما – ستكون سريعة ومدمرة بشكل لم يعتده البشر.

بحث حول النانوية عن معهد “فورسايت للنانو تكنولوجي”

ويمكن أن نتساءل كيف تطبق تكنولوجيا النانو على الطب؟ وهل من الممكن ظهور مواد طبية جديدة وغير مألوفة؟ وهل سنحصل على أعضاء نانوية في المستقبل كالكبد والبانكرياس؟ ثم ماذا عن زرع آلات دقيقة في الجسد؟ وهل يمكن الوصل بين الذهن البشري والآلات الذكية؟ ثم هل سنتقدم نحو تشخيص مبكر للأمراض وكم ستكون تكلفتها ومن سيستفيد منها؟ وإجمالا، ماذا يمكن أن نأمل من هذا العلم الجديد وأي مستقبل ينتظرنا على المدى الطويل؟

حري بنا أن نذكر كيف استفاد الطب تاريخيا من تقدم البيولوجيا (فهم وظائف الأعضاء الحية) والكيمياء (صناعة الأدوية) والفيزياء (التصوير الطبي والعلاج بالأشعة)، ثم ظهر الطب النانوي بفضل تكنولوجيا النانو. إنه ذو دلالة، ما دامت مكونات الخلية ذاتها مواد نانوية بامتياز، بحيث إن التفاعل معها على نفس مستواها وأحيانا استلهام طرق اشتغالها، يمكن أن نربح منه كثيرا على مستوى الدقة والاختيار والسرعة. فيما يمكن أن نجني فوائد من استعمال الطب النانوي على مستوى قريب: تشخيص سريع، فضلا عن تركيبة الأدوية المناسبة.

أما على المستوى البعيد فيمكن أن نتصور معالجة عضو معطوب واستبداله بعضو آخر أو تنشيط مولد للخلية، مثلا بواسطة صِقالة نانوية التركيب بالغة التعقيد.

من الواضح أن تقنية النانو تطرح الآفاق الأخلاقية المرتبطة بها: كيف نتعايش في عالم تتملكه التقنية من أقصاه إلى أدناه؟ هل نحن مجرورون جرا إلى كسر حدودنا والهروب من خصائصنا الطبيعية (ولادة، موت)، وذلك مع الإنجاب في أي عمر ومقاومة جميع الأمراض والتمتع بشباب دائم ولو في سن متقدمة جدا بقدرات ذهنية وعصبية محورة بفضل زرع أجهزة نانوية في المخ؟

هل سيؤدي تطور تقنية النانو إلى إحداث قطيعة جديدة في التاريخ البشري ويغير من علاقتنا ورؤانا وعواطفنا؟ بحيث يجعل الانسياب العام الدائر من حولنا، مساراتنا الفردية والجماعية غير متوقعة، ما دام هذا العلم سيغير كل من أجسادنا وبيئتنا في ظل فهرسة شاملة وكاملة لكياننا وأشيائنا. لكن من بوسعه أن يدعي أنه يملك الإجابة؟

لا أزعم مطلقا قدرة الإجابة على هذه الأسئلة؟ المهم هو أن لا يجعل البعض عندنا هذا التقدم مجرد فكرة وهمية، فمن كان يظن أن الحمض النووي الذي هو جزيء الحياة، يستخدم الآن كمادة مساعدة لتصنيع الترانزستورات في مجال الإلكترونيك؟

7